الخيمة عنوانٌ دائم.. أحياء جديدة تولد من النزوح في غزة
5 أغسطس 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
حين نُصبت الخيام في الأيام الأولى للنزوح بقطاع غزة، حملت معها فكرة العبور المؤقت؛ مساحة ينتظر فيها النازحون لحظة العودة إلى البيوت التي غادروها تحت ضغط أوامر الإخلاء وقصف الاحتلال "الإسرائيلي" المكثف.
لكن طول أمد الحرب أعاد تعريف الخيمة ووظيفتها؛ فلم تعد مجرد مأوى مؤقت مصنوع من القماش، بل أصبحت عنوانا دائما لحياة آلاف العائلات الفلسطينية. وعلى امتداد مناطق النزوح، بدأت تتشكل حولها تجمعات جديدة تشبه الأحياء الصغيرة، حيث تصطف القباب البيضاء والمربعات الزرقاء جنبا إلى جنب، في مشهد فرضته الحرب وأطلق عليه الغزيون مجازا اسم "المخيم".
أحياء تولد من النزوح
بين هذه الصفوف، يتحرك مندوبو الإحصاء أو التنظيم لتسجيل أرقام تعريفية على جدران الخيام، ثم يواصلون طريقهم نحو خيام أخرى، لتتحول الأرقام الصغيرة إلى عناوين جديدة لعائلات فقدت عناوينها الأصلية.
داخل هذه التجمعات، تشكلت أنماط حياة جديدة فرضتها الحرب؛ ممرات ضيقة تفصل بين الخيام، نقاط لتعبئة المياه، مطابخ جماعية، ومساحات يحاول الأطفال تحويلها إلى أماكن للعب رغم قسوة الواقع.
وفي مناطق مختلفة من القطاع، ظهرت تجمعات باتت أقرب إلى "مدن صغيرة" نشأت بفعل الضرورة، وضمت عائلات نزحت من أحياء وبلدات متعددة، جمعتها تجربة واحدة عنوانها فقدان المنزل، والبحث عن الأمان، ومحاولة التمسك بأبسط تفاصيل الحياة اليومية.
الركام يعيد تشكيل ذاكرة المكان
يقف الفلسطيني أحمد الشوا عند مدخل المخيم الذي يؤويه غرب مدينة غزة، يراقب الطريق بانتظار صديقه القادم من المحافظة الوسطى، حيث الوصول إلى الأشخاص بات مرتبطا بأسماء الشوارع أو معالم الأحياء التي اعتادها الغزيون قبل الحرب؛ فالمكان الذي كان يعرفه الجميع اختفى، وتحولت الخيام والتجمعات الجديدة إلى علامات بديلة للاهتداء.
في حديثه إلى "الميدان"، يؤكد الشوا أنّه اضطر إلى وصف موقع المخيم لصديقه باستخدام تفاصيل مرتبطة بالخيام والمرافق المحيطة بها، بدلا من اسم الحي أو الشارع، موضحا أنّ الوصول إلى الأشخاص أصبح مهمة شاقة في ظل تغير ملامح المدينة.
"الحرب أزالت جزءا من ذاكرة المناطق والمعالم التي كان يعتمد عليها الناس في حياتهم اليومية خصوصا المنازل والميادين العامة".
ويضيف: "في السابق كنا نقول اسم الحي أو الشارع فيعرف الناس المكان فورا، أما اليوم فأصبحنا نقول: نحن قرب مخيم كذا، بجانب صف الخيام أو نقطة المياه، لأن الأحياء التي كنا نعيش فيها لم تعد موجودة".
ويشدد الشوا على أنّ الحرب أزالت جزءا من ذاكرة المناطق والمعالم التي كان يعتمد عليها الناس في حياتهم اليومية خصوصا المنازل والميادين العامة، مبينا أنّ كثيرا من سكان غزة باتوا يتعرفون إلى بعضهم من خلال مواقع النزوح بدل العناوين الأصلية.
الخيام تُشكّل علاقات جديدة
اختفت المعالم التي شكّلت ذاكرة المكان، وظهرت بدلا منها تجمعات جديدة نشأت حول الخيام ومواقع النزوح، إذ يروي الغزي إبراهيم النبيه كيف باتت ذاكرته عن المكان تصطدم بواقع مختلف، بعدما غابت مناطق وأحياء عرفها طوال سنوات عن الخريطة الجديدة للمدينة، وحلّت مكانها مشاهد جديدة فرضتها الحرب والنزوح.
ويعبّر النبيه عن حجم التحول العميق الذي طرأ على غزة، مؤكدا أن الحرب لم تكتفِ بتغيير ملامحها العمرانية، بل أعادت رسم خريطتها السكانية والمكانية، بعدما فرض النزوح واقعا جديدا تشكلت فيه أماكن لم تكن موجودة من قبل.
ويقول إبراهيم في حديثه إلى "الميدان": "أحيانا أحاول الوصول إلى أماكن كنت أعرفها جيدا، لكنني أجد نفسي تائها، كأنني أبحث عن مدينة أخرى، يحاول أخي إرشادي عبر معالم كانت راسخة في ذاكرتنا، لكنني أصل إلى أماكن مختلفة؛ فالطرقات تغيّرت، والأحياء التي عرفناها اختفت أو تبدلت ملامحها بفعل الدمار".
في قلب هذه التجمعات التي تشكلت على عجل، تعيش الأسر الغزية أزمة إيواء جديدة؛ فبينما تحولت الخيام إلى أحياء تحمل تفاصيل الحياة اليومية، بدأت جدرانها القماشية تنهك بفعل الزمن والظروف القاسية، لتجد آلاف العائلات نفسها بحاجة إلى خيام بديلة تحميها من واقع النزوح الممتد.
ويشير النبيه إلى أنّ أسماء المناطق لم تعد وحدها تحدد هوية المكان، إذ ظهرت تجمعات جديدة حول الخيام ومواقع النزوح تحولت تدريجيا إلى أحياء لها سكانها وذاكرتها الخاصة، مبينا أنّ "الكثير من الأحياء فقدت ملامحها، وأصبحت المخيمات العلامة التي يستدل بها الناس على بعضهم، بعدما تغيّرت خريطة السكن بفعل القصف".
ويرى النبيه أنّ انتشار الخيام لم يكن مجرد تغيير في شكل السكن، بل أحدث تحولا في طبيعة الحياة اليومية والعلاقات بين الناس، مؤكدا أن الحي كان في السابق يحمل تفاصيله الخاصة؛ من الشوارع والجيران والمحال والأماكن التي اعتاد الناس عليها، أما اليوم فأصبحت التجمعات الجديدة حول الخيام هي التي تشكّل العلاقات والروابط بين النازحين.
وبالنسبة للنبيه، فإنّ الخيمة تجاوزت كونها مأوى مؤقتا، لتصبح مساحة تختصر مرحلة كاملة من حياة الغزيين؛ إذ تحمل كل خيمة قصة عائلة غادرت منزلها، ويضم كل تجمع أشخاصا جمعتهم رحلة النزوح بعدما فرّقتهم الحرب.
أزمة إيواء بلا حلول
وفي قلب هذه التجمعات التي تشكلت على عجل، تعيش الأسر الغزية أزمة إيواء جديدة؛ فبينما تحولت الخيام إلى أحياء تحمل تفاصيل الحياة اليومية، بدأت جدرانها القماشية تنهك بفعل الزمن والظروف القاسية، لتجد آلاف العائلات نفسها بحاجة إلى خيام بديلة تحميها من واقع النزوح الممتد.
في هذا السياق، أكدت وزارة الأشغال العامة والإسكان في غزة أن أزمة الإيواء في قطاع غزة بلغت مرحلة كارثية، بفعل استمرار تدمير المنازل، وتشريد السكان، وتقليص المساحات المتاحة للنازحين، إلى جانب عرقلة إدخال مستلزمات الإيواء العاجل.
وقالت الوزارة في بيان صحفي، إنّ نحو ٤١٠ آلاف وحدة سكنية دُمرت كليا أو أصبحت غير صالحة للسكن، فيما تحتاج أكثر من ٣٥٠ ألف أسرة إلى مأوى مؤقت، في ظل استمرار استهداف ما تبقى من المنازل.
وبين خيمة بدأت مأوى مؤقتا وانتهت عنوانا دائما، يواصل الغزيون انتظار عودة تعيد إلى المكان اسمه، وإلى البيت معناه.
وأوضحت أنّ حجم الركام في القطاع يُقدّر بنحو ٦٠ مليون طن، ما يعيق عمليات إزالة الأنقاض وتجهيز مساحات جديدة لإقامة تجمعات إيواء، مشيرة إلى أن نحو ١٥٠ ألف أسرة تقيم حاليا في خيام مهترئة تحتاج إلى استبدال عاجل.
وأضافت أنّ مراكز الإيواء تعاني من اكتظاظ شديد ونقص في الخدمات الأساسية، متهمة الاحتلال بمنع إدخال المساكن المؤقتة ومواد البناء والترميم، ما دفع الطواقم إلى الاعتماد على حلول بدائية لإجراء إصلاحات محدودة.
وحذرت الوزارة من أنّ استمرار أزمة الإيواء يهدد حياة مئات الآلاف من النازحين، داعية إلى فتح المعابر، وإدخال مستلزمات الإيواء، وتسريع إزالة الركام، وتوفير مساحات لإقامة تجمعات سكنية مؤقتة، محذرة من أن استمرار تقييد مقومات الحياة الأساسية يفاقم خطر تحويل غزة إلى منطقة غير قابلة للعيش.
وبين خيمة بدأت مأوى مؤقتا وانتهت عنوانا دائما، يواصل الغزيون انتظار عودة تعيد إلى المكان اسمه، وإلى البيت معناه.