الآباء والأبناء في سجون الاحتلال.. ضربةٌ واحدة في جسدين
1 أغسطس 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في الغرفة رقم سبعة في معتقل عوفر، كان يرافقنا رضوان، أسير بالكاد تجاوز العشرين من عمره قبل أشهر قليلة، كان يصوم معظم الأيام ليدّخر جزءا من طعامه، ثم يهرّبه مع "الشاويش" إلى والده المريض في الغرفة المقابلة. لم أرَ رضوان يشبع يوما، كان يتوسل "الشاويش" كل صباح أن يوصل حصته إلى والده، وكأن ذلك الرغيف الهزيل يمنحه يوما إضافيا من الصمود، وكلما سمعنا صوت أسير يسقط في الغرفة المقابلة، انقلب حال رضوان رأسا على عقب، وظل يحدق في الباب، يخشى أن يكون والده هو من سقط. كان يردد كل يوم أنا مستعد لأن أتحمل الضرب طوال النهار، وأبقى جائعا، ولا أنام الليل، المهم ألا يصيب والدي أذى.
في محطة أخرى من الأسر، التقيت بأبو يوسف، أسير تجاوز الخمسين، كان من أكثر الأسرى رضا وصبرا، حتى ليخيّل إلى من يراه أن الحياة لم تترك في قلبه ندبة، غير أن كتفيه كانا يحملان هماً أثقل من العمر كله، ذات مساء أسرّ إليّ بما جرى معه في إحدى جولات التحقيق، أحضر الضابط ابنه البكر يوسف، الذي اعتُقل معه، وأوقفه أمامه عاريا، ثم انهال الجنود على الابن بالضرب والصعق بالكهرباء، بينما كان ينادي أباه ويستغيث به، بقي أبو يوسف في مكانه مقيدا، يشاهد المشهد كاملا، لم يستطع أن يحجب عن ابنه ضربة، أو يضمه إلى صدره، أو يضع جسده حائلاً بينه وبين الجنود، أو يرفع يده في وجه أحد.
تخيل نفسه عشرات المرات وهو ينقض على الجندي، وينتقم لكرامة والده، ثم كان يصطدم بالحقيقة نفسها في كل مرة، يدان مقيدتان، وجسد منهك، وسلاح لا يملكه إلا السجان.
كان الضابط يقترب منه بين الحين والآخر، ويكرر العبارة نفسها: "حياة ابنك بين يديك، كل شيء يتوقف على ما ستقوله" كان المحقق يسعى إلى أن يهزم الأب في عاطفته قبل أن يهزمه في لسانه لينتزع منه ما يريد أن يسمع.
أما عبد الله، فقد جمعته الغرفة ذاتها بوالده فترة طويلة، لم يكن أكثر ما يؤلمه الجوع، ولا البرد، ولا القيود، وإنما تلك اللحظات التي يقف فيها عاجزا وهو يرى أحد الجنود الذي قد يصغره سنا يأمر والده بالانحناء، أو يجبره على التوسل، أو ينهال عليه بالضرب أمام عينيه.
كان الغضب يشتعل في داخله كل يوم، تخيل نفسه عشرات المرات وهو ينقض على الجندي، وينتقم لكرامة والده، ثم كان يصطدم بالحقيقة نفسها في كل مرة، يدان مقيدتان، وجسد منهك، وسلاح لا يملكه إلا السجان، كان عبد الله يرى الإهانة تقع على والده، ويشعر أنها تقع عليه هو أيضا، ينفطر قلبه مع كل مشهد، ويكتشف أن أقسى ما في الأسر هو العجز عن حماية الأب، أو حماية الابن.
الألم الذي يجمع جسدين..
السجّان لا يحتاج دائما إلى أن يمدّ يده نحو الأسير كي يعذّبه، تكفيه أحيانا يد تمتدّ نحو شخص يحبه الأسير، وصوت ضربة تصل إليه من خلف باب، وصرخة يعرف صاحبها، ومسافة قصيرة تفصل بين جسدين ولا تسمح لأحدهما بإنقاذ الآخر.
في تلك اللحظة، لا يقع الألم على الأسير الذي تلقّى الضربة وحده، ينتقل الألم إلى جسد آخر لم تمسّه العصا، لكنه يشعر بها كاملة، يُضرَب الابن، فيتلقّى الأب الضربة في مكان أعمق، يُهان الأب، فيشعر الابن أن شيئا راسخا في داخله قد انهار، يصبح التعذيب اعتداء على العلاقة التي تجمع الأب وابنه، وعلى المعنى الذي يمنحه كل واحد منهما للآخر.
يرى الأب ابنه يتعذب، وتمتد يده نحوه في داخله آلاف المرات ثم تعود فارغة، يعرف أن القوة التي تحاصره تفوق قدرته، غير أن الفطرة لا تعترف بموازين القوة، يظل صوت خافت يلاحقه في أعماقه "كان ينبغي أن أحميه".
"التعذيب بالعجز" واحدة من أكثر صور التعذيب خفاء داخل السجون، لا يقوم هذا التعذيب على الألم وحده، ولكنه يتعدى ذلك إلى حرمان الإنسان من أبسط استجابات العاطفة فيرى الأب ابنه جائعا، ولا يملك له لقمة، يسمع الابن صراخ أبيه، ولا يستطيع الوصول إليه، يشاهد الأب جسد ابنه يذوب يوما بعد يوم، بينما يتملكه العجز من كل جانب.
داخل هذه المشاهد، يتجاوز التعذيب جسد الأب وأبوته، وتمتد الإهانة إلى الابن، لأنه يحمل في أعماقه صورة أبيه بوصفه السند الأخير والأمان الأول، الأبوة ليست رابطة دم فحسب، وإنما عهد متجذر بالحماية، يبدأ هذا العهد مع أول صرخة يسمعها الأب من طفله، ويكبر معه عاما بعد عام، ينشأ الابن وهو يرى في والده اليد التي تسبقه إلى الخطر، والجدار الذي يتلقى الضربة قبله، لهذا يحمل تقييد الأب معنى يتجاوز القيد نفسه، إذ يُنتزع منه الدور الذي عاش عمره يؤديه.
يرى الأب ابنه يتعذب، وتمتد يده نحوه في داخله آلاف المرات ثم تعود فارغة، يعرف أن القوة التي تحاصره تفوق قدرته، غير أن الفطرة لا تعترف بموازين القوة، يظل صوت خافت يلاحقه في أعماقه "كان ينبغي أن أحميه".
ذنب بلا خطيئة..
لم يتخلَّ الأب عن ابنه، ولم يتراجع عن واجبه، ولم يملك وسيلة لتغيير ما يجري، ومع ذلك يطارده شعور ثقيل بالتقصير، تتحول القيود في معصميه إلى اتهام دائم، ويغدو الجدار الفاصل بينه وبين ابنه شاهدا على عجزه، يأكل لقمة فتعلق في حلقه، ويشعر أن مكانها الطبيعي في فم ابنه.
داخل السجن تكتسب التفاصيل الصغيرة معاني جديدة، قطعة الخبز تتحول إلى محاولة لإنقاذ حياة، يحتفظ الأب بجزء من حصته لابنه، ويقضي يومه جائعا، ويخفي الابن جزءا من طعامه لوالده المريض، يذوب جسد كل واحد منهما لأجل الآخر، ويصبح الحب نوعا من الحرمان، وتغدو التضحية اللغة الوحيدة التي بقيت لهما.
يدرك السجّان قيمة هذه الرابطة جيدا، لذلك يتعامل معها بوصفها أداة ضغط شديدة الفاعلية، لينتهي الأمر بالأب وهو يقضي الليل كله أسير الصور التي ينسجها خياله بعد اقتياد ابنه إلى غرفة القمع، بينما يمضي الابن الساعات نفسها وهو يستحضر وجه والده تحت الإهانة والعجز.
هندسة العجز..
قد يفصل بين الأب وابنه جدار واحد، الأب يسمع ابنه ينادي، ولا يستطيع أن يجيبه، الابن يلتقط سعال أبيه في الليل، ولا يملك أن يسأله عن حاله، يصبح الصوت إثباتا للحياة ومصدرا للعذاب في الوقت نفسه، كل حركة خلف الجدار تحمل احتمالا صعبا، وكل صمت يفتح باب على مصرعيه أمام الفقد، وبهذه الطريقة، يعيد السجن هندسة العلاقة بينهما، الحب الذي كان مصدر قوة يتحول إلى منفذ للألم، القرابة التي كانت تمنح الإنسان شعورا بالانتماء تصبح وسيلة ضغط والحزن، الأبوة التي قامت على الحماية تتحول إلى شعور دائم بالعجز، البنوّة التي قامت على الاحتماء تتحول إلى مواجهة قاسية مع هشاشة الصورة التي يظهر فيه الأب.
الابن لا يرى في إهانة والده رجلا يهان فقط، يرى العالم الأول الذي وثق به يتشقق أمامه، الأب هو أول صورة للقوة في وعي الابن، حتى بعد أن يكبر ويصير رجلا، تبقى في داخله طبقة قديمة من الأمان، مرتبطة بصوت أبيه وخطواته ووجوده، وداخل السجن تُسحب هذه الطبقة بعنف، يرى الابن أباه مقيدا، منحني الرأس، محروما من أبسط حقوقه، عاجزا عن الدفاع عن نفسه، وبذلك يهدم السجّان الرمز الذي عاش في ذاكرة ابنه.
تبدو مشاهد الآباء والأبناء في المعتقل أكثر تعقيدا من حكايات التعذيب المعتادة، الجرح لا يستقر في موضع واحد، ينتقل باستمرار بينهما.
هذه الخسارة لا تعني أن الابن يتوقف عن احترام أبيه، على العكس قد يراه أكثر عظمة وصبرا، لكن المشهد يترك داخله جرحا من نوع آخر، جرح اكتشاف أن الحائط الذي احتمى به طوال عمره صار مكشوفا أمام الضرب، وأن العالم قادر على الوصول إلى أبيه وإذلاله أمام عينيه.
لذلك يحمل الابن بعد ذلك غضبا لا يجد له مخرجا، يوجه جزءا منه نحو السجان، ثم يعود جزء آخر ليستقر في داخله، يسأل نفسه عن سبب صمته، ويعيد المشهد مرارا، ويتخيل حركة لم يستطع القيام بها، يعرف أن المقاومة في تلك اللحظة كانت تعني مزيدا من الضرب وربما الموت، لكن المعرفة لا تمحو مرارة العجز. هنا ينشأ شكل آخر من الذنب بلا خطيئة، يشعر الابن أنه خذل أباه، مع أن يديه كانتا مقيدتين، وجسده منهكا، والسلاح مصوبا نحوه.
يتضاعف الألم بسبب انقلاب الأدوار، يجد الابن نفسه مسؤولا عن طمأنة أبيه، وإخفاء ألمه عنه، والتظاهر بالشبع أمامه، وابتلاع صرخته كي لا يسمعها، ويحاول الأب إظهار الصلابة كي لا ينكسر ابنه، والابن يحاول فعل الشيء نفسه كي لا يشعر الأب بالعجز، يقف كل واحد منهما فوق جرحه، ويؤدي دور القوة لحماية الآخر، بينما يعرف الاثنان أن القوة الحقيقية صودرت منهما.
ومع ذلك لم ينجح السجن في إلغاء الأبوة أو البنوّة، نجح في جرحهما، وفي تحويلهما إلى موضع للألم، لكنه لم يستطع انتزاعهما.
لهذا تبدو مشاهد الآباء والأبناء في المعتقل أكثر تعقيدا من حكايات التعذيب المعتادة، الجرح لا يستقر في موضع واحد، ينتقل باستمرار بينهما، يتألم الأب من أجل ابنه، ثم يتألم الابن بسبب ألم أبيه، ثم يشعر الأب بالذنب لأنه صار مصدر ألم لابنه، تنشأ دائرة مغلقة لا يحتاج السجّان داخلها إلى مواصلة الضرب طوال الوقت، تكفيه ضربة أولى، ثم تتولى العلاقة الإنسانية توزيعها بين الجسدين.
ومع ذلك لم ينجح السجن في إلغاء الأبوة أو البنوّة، نجح في جرحهما، وفي تحويلهما إلى موضع للألم، لكنه لم يستطع انتزاعهما، كان الأب عاجزا عن إيقاف العصا، لكنه ظل أبا في خوفه، وفي جوعه، وفي مراقبته للباب، وفي كل لقمة خبأها، وكان الابن أيضا عاجزا عن كسر القيد، لكنه ظل ابنا في محاولته كسر جوع أبيه، وفي محاولته الوصول إليه، وفي ارتجافه عند سماع اسمه.