ناجي العلي.. ريشةٌ اغتيل صاحبها وبقي حنظلة شاهدا
1 أغسطس 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في ظهيرة الثاني والعشرين من يوليو/تموز 1987، كان ناجي العلي يسير نحو مقر صحيفة "القبس" الكويتية في شارع آيفز، وسط لندن. لم يكن يحمل سوى أوراقه وريشته، فيما كان رجل مجهول يترصده بين المارة. اقترب منه، سار بمحاذاته لثوان، ثم أطلق رصاصته باتجاه رأسه وفرّ هاربا. سقط الفنان الفلسطيني على الرصيف، ودخل في غيبوبة استمرت أكثر من شهر، قبل أن يُعلن رحيله في التاسع والعشرين من أغسطس/آب.
رحل ناجي العلي بعيدا عن فلسطين ومخيم عين الحلوة، كما عاش بعيدا عنهما، لكن قاتله لم يستطع أن يضع حدا لريشته أو يسكت الطفل الذي تركه واقفا في زاوية لوحاته. ظل حنظلة، بقدميه الحافيتين ويديه المعقودتين خلف ظهره، شاهدا على اغتيال صاحبه وعلى عالم لم تتغير فيه أسباب غضبه.
كان العلي قد لخّص مصيره مبكرا بقوله: "اللي بدو يكتب لفلسطين، واللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرّف حاله: ميت". لم تكن العبارة استعراضا للموت، بل إدراكا عميقا لخطورة أن يكون الفنان حرا في زمن يراد فيه للكلمة والصورة أن تدخلا بيت الطاعة.
من الشجرة إلى عين الحلوة
وُلد ناجي سليم العلي عام 1937 في قرية الشجرة، التابعة لقضاء طبريا شمال شرقي فلسطين. وحين وقعت النكبة عام 1948، اقتُلع مع عائلته من قريته ولجأ إلى لبنان، ليستقر في مخيم عين الحلوة قرب صيدا. كان يومها في العاشرة؛ السن التي ستتجمد لاحقا في ملامح حنظلة، الطفل الذي لا يكبر حتى يعود إلى فلسطين.
لم تكن حياة اللجوء سهلة. عمل العلي في طفولته وصباه بقطاف الحمضيات والزيتون، ثم درس ميكانيك السيارات وعمل في الورش، قبل أن يسافر إلى السعودية للعمل ميكانيكيا. وعندما عاد إلى لبنان، التحق لفترة قصيرة بالأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، غير أن موهبته الحقيقية كانت تتشكل في مكان آخر: داخل المخيم، وبين جدران المعتقلات التي عرفها مرارا بسبب نشاطه السياسي.
لم يتعامل مع الفن بوصفه ترفا جماليا، بل بوصفه موقفا وسلاحا ومساحة لقول ما تعجز الخطابات الرسمية عن قوله.
بدأ الرسم على جدران الزنازين، كأن الريشة كانت وسيلته الأولى لمقاومة الحبس. لم يتعامل مع الفن بوصفه ترفا جماليا، بل بوصفه موقفا وسلاحا ومساحة لقول ما تعجز الخطابات الرسمية عن قوله. كانت خطوطه قليلة وحادة، لكن كل خط فيها كان يحمل ذاكرة لاجئ وغضب إنسان يراقب وطنه وهو يُختزل في المفاوضات والشعارات.
التفت إليه غسان كنفاني خلال زيارة إلى مخيم عين الحلوة، وشاهد رسومه المعلقة على جدران ناد متواضع من الزنك. أخذ كنفاني عددا منها ونشرها في مجلة "الحرية"، لتبدأ رحلة العلي المهنية التي نقلته لاحقا إلى صحف "الطليعة" و"السياسة" و"القبس" في الكويت، و"السفير" في لبنان.
حنظلة.. الطفل الذي لا يساوم
ظهر حنظلة للمرة الأولى عام 1969 على صفحات صحيفة "السياسة" الكويتية. طفل في العاشرة، حافي القدمين، بثياب مرقعة، يحمل في جسده الصغير سيرة اللجوء كلها. لم يكن شخصية كاريكاتيرية عابرة، بل صورة ناجي العلي عن نفسه وعن الفلسطيني الذي أوقفته النكبة عند لحظة الاقتلاع.
قال العلي عن حنظلة إنه سيبقى في العاشرة حتى يعود إلى فلسطين، وعندها فقط سيبدأ في الكبر. فالقوانين الطبيعية لا تنطبق عليه، لأن فقدان الوطن نفسه حالة استثنائية. وبعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، أدار حنظلة ظهره إلى العالم وعقد يديه خلفه، رافضا مشاريع التسوية والتطبيع ومحاولات تطويع المنطقة.
ظهر حنظلة للمرة الأولى عام 1969 على صفحات صحيفة "السياسة" الكويتية. طفل في العاشرة، حافي القدمين، بثياب مرقعة، يحمل في جسده الصغير سيرة اللجوء كلها.
لم يكن حنظلة متفرجا محايدا، رغم أن ظهره ظل مواجها للقارئ. كان شاهدا لا يمكن شراؤه أو إسكاته؛ يراقب الهزائم والانقسامات، ويصغي إلى وعود الزعماء، ثم يترك صمته يقول ما لا تستطيع الكلمات قوله. صار توقيع العلي وبوصلته التي، كما وصفها، لا تشير إلا إلى فلسطين؛ لا بوصفها جغرافيا فقط، بل بوصفها قضية عدل وحرية أينما وُجد الظلم.
إلى جانب حنظلة، ابتكر ناجي العلي شخصيات رسخت في الذاكرة العربية، أبرزها فاطمة، المرأة الفلسطينية الصلبة التي لا تكسرها المأساة، والرجل العربي البدين الذي جسّد به طبقات النفوذ والثراء والانفصال عن الناس، وجندي الاحتلال طويل الأنف الذي يظهر مرتبكا أمام حجر طفل فلسطيني.
وفي لوحته الشهيرة "صباح الخير يا بيروت"، قدّم حنظلة زهرة إلى المدينة المحاصرة، عبر فجوة خلفتها قذيفة في الجدار. وفي رسوم أخرى، ظهر الحجر الصغير في مواجهة الجنود المدججين بالسلاح، قبل أشهر من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، كأن الريشة كانت تستشرف المشهد القادم من قلب الواقع.
ريشة لم تمنح أحدا حصانة
لم يجامل ناجي العلي سلطة أو تنظيما أو زعيما. وجّه نقده إلى الاحتلال الإسرائيلي، كما هاجم الأنظمة العربية والقيادات الفلسطينية ومشاريع التسوية. لم تكن فلسطين لديه شعارا يمنح أصحابه حصانة من المساءلة، بل معيارا أخلاقيا يقيس به الجميع.
كان منحازا إلى الفقراء واللاجئين والمخيمات، ولهذا جاءت رسومه مفهومة حتى لمن لا يقرأ الصحف. اختصر الأنظمة في كرسي، والهزيمة في انحناءة، والخيانة في مصافحة، والمقاومة في حجر أو زهرة أو طفل يقف بصمت. لم يكن يرسم الخبر، بل يكشف ما وراءه؛ يجرّد اللغة السياسية من زينتها ويضع الحقيقة أمام القارئ عارية وقاسية.
كلما اتسعت شهرة العلي، تضاعفت خصوماته. وفي عام 1985 أُبعد من الكويت، فانتقل إلى لندن، حيث واصل عمله في "القبس" حتى اغتياله. ورغم التحقيقات البريطانية وإعادة فتح الملف عام 2017، بقيت هوية القاتل والجهة التي تقف خلفه مجهولة. لم تتجاوز التحقيقات العثور على المسدس المستخدم في الجريمة بعد عامين، من دون الوصول إلى حقيقة تحسم واحدا من أكثر الاغتيالات غموضا في تاريخ الصحافة والفن العربيين.
بعد تسعة وثلاثين عاما على رحيله، ما زال حنظلة واقفا في مكانه، طفلا في العاشرة، عاقدا يديه ومديرا وجهه عن العالم.
أنتج ناجي العلي خلال حياته عشرات الآلاف من الرسوم، لكن قيمته لا تقاس بالعدد وحده. فقد أسّس مدرسة كاملة في الكاريكاتير السياسي، جعلت الرسم وثيقة يومية وسلاحا شعبيا وذاكرة مضادة للنسيان.
بعد تسعة وثلاثين عاما على رحيله، ما زال حنظلة واقفا في مكانه، طفلا في العاشرة، عاقدا يديه ومديرا وجهه عن العالم. وحين سُئل ناجي العلي متى يكشف حنظلة وجهه، أجاب: يوم تصبح الكرامة العربية غير مهددة.
لم يتحقق الشرط بعد، ولهذا لم يلتفت الطفل. وربما كان بقاؤه على هيئته أكثر أحكام ناجي العلي مرارة ودقة: رحل الرسام، لكن العالم الذي أدار حنظلة ظهره له لم يتغير بما يكفي كي يرى وجهه.