الشيخ المشتبك.. فاروق رمضان من محراث الأرض إلى لحظة الاشتباك
1 أغسطس 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
وقفت بوجه ظلامي، يتيما، عاريا، حافيا". ما إن ظهر الشيخ فاروق رمضان وهو ينتزع سلاح المستوطن الذي اعتدى عليه وعلى أبناء بلدته، حتى حضرت كلمات الشاعر توفيق زياد، وارتفع في الذاكرة صوت أحمد قعبور وهو ينشد "أناديكم". بدا المشهد كأنه صورة حية من القصيدة: رجل يقف في أرضه، محاصرا وأعزل، لكنه يرفض أن ينحني أمام المعتدين.
لم يكن فاروق يبحث عن بطولة، ولم يخرج في ذلك الصباح متأهبا لمواجهة أخيرة. كان مزارعا بسيطا أحب أرضه كما يحب الإنسان بيته وأبناءه؛ فهي بالنسبة إليه لم تكن مجرد تراب، بل امتدادا للكرامة والهوية وتاريخ العائلة. وحين رأى الاعتداء على أرضه وأقاربه، تحوّل الدفاع عنها لديه من خيار إلى واجب، مهما كان الثمن.
اعتداء يتجددأمضى الشيخ فاروق رمضان حياته مزارعا في بلدة تل، جنوب غربي نابلس. وفي صباح 24 يوليو/تموز 2026، اقتحم مستوطنون المنطقة الشرقية من البلدة، قبل أن يتصدى لهم الأهالي ويجبروهم على التراجع.
لكن الاقتحام لم ينتهِ عند ذلك الحد. فبعد وقت قصير، عاد المستوطنون مدججين بالسلاح، ترافقهم قوة من جنود الاحتلال، واقتحموا الجهة الغربية من البلدة، القريبة من مستوطنة "حفات جلعاد". وهناك بدأت مشادات بينهم وبين أصحاب الأراضي الذين خرجوا للدفاع عن ممتلكاتهم ومنع تقدم المهاجمين.
أسفر الاشتباك، وفق المعطيات المتداولة، عن مقتل ضابط في جيش الاحتلال برتبة رائد وجندي، وإصابة آخرين.
وقف فاروق إلى جانب أبناء بلدته، يشاهد اعتداء تكرر أمامه مرات عديدة، غير أن المشهد هذه المرة بدا أكثر قسوة. كان المستوطنون مسلحين وتحت حماية الجنود، بينما لم يكن أصحاب الأرض يملكون سوى أجسادهم وإصرارهم على البقاء.
وبحسب الروايات المحلية وما أظهرته تسجيلات متداولة للحادثة، أطلق أحد المستوطنين النار باتجاه شبان من عائلة رمضان واعتدى على الأهالي مباشرة. عندها تدخّل فاروق، واشتبك مع حارس المستوطنة وتمكّن من انتزاع سلاحه، قبل أن يطلق النار باتجاه الجنود والمستوطنين. وأسفر الاشتباك، وفق المعطيات المتداولة، عن مقتل ضابط في جيش الاحتلال برتبة رائد وجندي، وإصابة آخرين.
لحظة فاصلة
كان الشيخ يدرك، منذ اللحظة التي انتزع فيها السلاح، أن فرص نجاته تكاد تكون معدومة. ففي مواجهة غير متكافئة، كان المستوطنون والجنود يملكون السلاح والعتاد والغطاء العسكري، بينما وقف أهالي البلدة عزلا يدافعون عن أراضيهم.
ومع ذلك، لم يتراجع فاروق. مضى في المواجهة حتى ارتقى برفقة ثلاثة من أقاربه، هم عمران رمضان وإبراهيم رمضان وجواد رمضان، الذين كانوا بدورهم في أرضهم يتصدون للهجوم من دون أن يحملوا سلاحا.
وبارتقاء فاروق وعدد من أبناء عائلته، ارتفع عدد الشهداء في الضفة الغربية خلال 24 ساعة إلى ثمانية، بينهم ستة ارتقوا برصاص المستوطنين.
لم تكن تلك اللحظة منفصلة عن سياقها؛ فقد جاءت وسط تصاعد غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين على القرى والبلدات الفلسطينية، حيث تُهاجم المنازل وتُحرق الحقول وتُقطع الطرق، بينما توفر قوات الاحتلال الحماية للمعتدين، أو تشارك في ملاحقة الأهالي الذين يحاولون الدفاع عن أراضيهم.
وبارتقاء فاروق وعدد من أبناء عائلته، ارتفع عدد الشهداء في الضفة الغربية خلال 24 ساعة إلى ثمانية، بينهم ستة ارتقوا برصاص المستوطنين. وتشير تقارير محلية إلى ارتقاء 87 فلسطينيا في الضفة الغربية منذ بداية عام 2026، من بينهم 21 برصاص المستوطنين، في مؤشر يعكس اتساع دائرة العنف الاستيطاني وتحوله إلى تهديد يومي لحياة الفلسطينيين.
عقاب جماعي بعد الاشتباكعقب الحادثة، فرضت سلطات الاحتلال إجراءات مشددة على مدينة نابلس ومحيطها، وأغلقت مداخل المدينة ودفعت بتعزيزات عسكرية إضافية إلى المنطقة.
ووفق مصادر محلية، اقتحمت قوات الاحتلال مستشفى نابلس التخصصي واعتقلت المصاب علي رمضان بعد فصله عن الأجهزة الطبية، كما اعتقلت شقيقه مجد، وهما شقيقا الشهيدين جواد وإبراهيم رمضان. وصادرت القوات تسجيلات كاميرات المراقبة في المستشفى، في محاولة للسيطرة على المواد المصورة المرتبطة بالحادثة.
لم تتوقف التداعيات عند حدود ملاحقة عائلة فاروق وبلدته، بل تحولت الحادثة إلى ذريعة لتوسيع العقوبات الجماعية وتعميق المشروع الاستيطاني؛ أي معاقبة أصحاب الأرض بمزيد من الاستيطان بسبب محاولتهم الدفاع عنها.
وأعلن جيش الاحتلال استعداده لتنفيذ عملية عسكرية واسعة في الضفة الغربية، بالتزامن مع إلغاء إجازات عدد من قواته. كما توعد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بهدم منزل منفذ الاشتباك وتنفيذ عمليات عسكرية في القرى الفلسطينية، إلى جانب سحب تصاريح العمال والمضي في شرعنة بؤر استيطانية جديدة.
وبذلك، لم تتوقف التداعيات عند حدود ملاحقة عائلة فاروق وبلدته، بل تحولت الحادثة إلى ذريعة لتوسيع العقوبات الجماعية وتعميق المشروع الاستيطاني؛ أي معاقبة أصحاب الأرض بمزيد من الاستيطان بسبب محاولتهم الدفاع عنها.
المشهد الذي بقي
أثار مشهد فاروق تفاعلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث رأى فيه كثيرون تجسيدا للحظة ينفد فيها الاحتمال أمام القهر المتراكم. وتساءل الكاتب المصري يوسف الدموكي عن الأفكار التي عبرت ذهنه في تلك الثواني القليلة، وكيف استطاع رجل محاصر أن يحسم قراره بينما كانت المعادلة أمامه واضحة: الصمت أمام الاعتداء أو المواجهة مع إدراك الثمن.
واستعاد ناشطون صورة الشيخ عز الدين القسام في هيئة فاروق: العباءة والعمامة والأحراش ورجل محاصر يرفض التسليم. فيما رأى آخرون أن ما فعله لم يكن حدثا منفصلا، بل نتيجة طبيعية لتصاعد اعتداءات المستوطنين وشعور الفلسطيني بأنه متروك وحيدا أمام من يهاجم أرضه وبيته تحت حماية الجيش.
رحل الشيخ فاروق رمضان، لكنه ترك وراءه مشهدا سيبقى طويلا في الذاكرة الفلسطينية: مزارع خرج للدفاع عن أرضه وأهله، وانتزع من مهاجمه السلاح الذي وُجّه إليهم، ثم واجه مصيره مدركًا أن النجاة بعيدة.
لم ينحنِ فاروق في وطنه، ولم تصغر كتفاه أمام السلاح. حمل دمه على كفه، كما تقول القصيدة، وصان العشب فوق قبور أسلافه، قبل أن يصبح واحدا منهم.