أدب السجون الفلسطيني.. حين تهزم الكلماتُ الزنزانة
1 أغسطس 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
يروي أفلاطون في "الجمهورية" حكاية "آر بن أرمينوس" الذي عاد إلى الحياة بعد اثني عشر يوما من موته، حاملا ما رآه في العالم الآخر. تحدّث عن أرواح عائدة من رحلة عذاب استمرت ألف عام في سجن "تارتاروس"، وعن رجال غلاظ أوثقوا السجناء ثم جلدوهم وسحبوهم بعيدا. بعد آلاف السنين، يبدو المشهد مألوفا على نحو مؤلم؛ كأن تارتاروس الأسطوري أعاد بناء جدرانه في زنازين الاحتلال الإسرائيلي.
غير أن أفلاطون أخطأ في أمر واحد: الأرواح المحبوسة لم تبقَ في القاع إلى الأبد. ففي التجربة الفلسطينية، عبر الأسرى الأسوار من دون أن تغادر أجسادهم الزنازين، محمولين على أوراق مهترئة، وهوامش صحف، وأقلام يُخشى أن ينفد حبرها قبل اكتمال الحكاية. من هنا وُلد أدب السجون الفلسطيني؛ كفعل للتحرر وحفظ الذاكرة ومقاومة مشروع أراد للأسير أن يغيب عن مجتمعه، ولتجربته أن تُدفن معه.
القصيدة الأخيرة قبل الإعدام
تعود البدايات المبكرة لهذا الأدب إلى زمن الانتداب البريطاني. ففي عام 1930، خلّد إبراهيم طوقان الشهداء محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي، فيما كتب الشاعر الشعبي عوض النابلسي، ليلة إعدامه عام 1937، قصيدته الشهيرة "ظنيت إلنا ملوك تمشي وراها رجال" على جدار زنزانته. كانت الكلمات آخر ما يملكه رجل ينتظر المشنقة، فتحولت إلى رسالته الأولى خارج السجن. حفظها رفاقه، وحرروها من الجدار، فبقيت القصيدة بعدما غاب صاحبها.
ومع قيام إسرائيل عام 1948، لم تستهدف سياسات المحو الأرض والهوية خارج المعتقلات فقط، بل امتدت إلى داخلها. إذ انتهجت سلطات الاحتلال سياسة "الإفراغ الفكري" للأسرى، فحظرت الثقافة الوطنية والإنسانية، ومنعت الكتاب والورقة والقلم. وبين النكبة والنكسة، ثم في السنوات الأولى التي أعقبت عام 1967، بلغ الحصار الثقافي ذروته، لكن المنع نفسه دفع الأسرى إلى ابتكار أدواتهم.
وفق شهادات أسرى محررين، كتب الأسرى أيضا على الجدران، وبمسامير الأحذية، بل وبالدم حين غابت الأدوات.
حصلوا على أنابيب الأقلام خلال كتابة الرسائل، وهرّبوا أدوات أخرى عبر الزيارات والمحامين، وغسلوا مغلفات الزبدة واللبنة وجففوها ليكتبوا عليها. وفي معتقل عسقلان، استُخدمت أوراق علب السجائر لتدوين تاريخ فلسطين والثورات العالمية بخط بالغ الصغر، كي تتسع القصاصة لأكبر قدر من المعرفة، ثم انتقلت من غرفة إلى أخرى ومن يد إلى يد. ووفق شهادات أسرى محررين، كتب الأسرى أيضا على الجدران، وبمسامير الأحذية، بل وبالدم حين غابت الأدوات.
من التثقيف السرّي إلى الأدب
لم تبدأ الحركة الثقافية داخل المعتقلات ضمن مؤسسات منظمة، بل حملها أسرى امتلكوا خبرة سياسية وتنظيمية، فعقدوا جلسات حول التاريخ والصراع وتنظيم الحياة خلف القضبان. وبمرور الوقت، تحولت المعرفة الفردية إلى فعل جماعي، وأصبح التعليم معركة موازية لتحسين شروط الاعتقال.
بعد عام 1970، اضطرت إدارات السجون إلى السماح للصليب الأحمر بإدخال بعض الأقلام والدفاتر، تحت رقابة صارمة. وفي عام 1975، أثمر هذا الانفراج المحدود ديوان "كلمات سجينة"، وهو عمل شعري مشترك صدر بخط اليد في معتقل بئر السبع، وشارك فيه شعراء بينهم محمود الغرباوي ومحمود عبد السلام ومشهور سعادة.
ثم جاء إضراب أسرى عسقلان عام 1976 ليفتح مرحلة ثقافية جديدة. خفّت القيود على الجلسات، وصارت صياغة البيانات وانتقاء مفرداتها نواة لأدب الحركة الأسيرة. وظهرت صحف سرية كُتبت أولا على ورق حفظ اللبن، ثم على كرتون الخبز الذي كان يقدَّم خلال عيد الفصح اليهودي. ومن تلك التجارب خرجت مجلة "عسقلان الثورة" في عامي 1976 و1977، لتثبت أن السجن الذي صُمم لقطع التواصل يمكن أن يتحول إلى غرفة تحرير.
لم يكن السجن خلفية لهذه النصوص، بل أحد أبطالها: أبوابه، أقفاله، نافذته الموصدة، انتظار الزيارة، الحنين إلى الأم، واستعادة تفاصيل الحياة العادية.
في الثمانينيات، اتسعت الحركة الأدبية مع وصول مزيد من الكتب وتسريب المخطوطات إلى مجلات وصحف محلية، مثل "الشراع" و"الفجر الأدبي" و"الكاتب". وصدرت أعمال حملت تجربة الأسر إلى القراء، منها "درب الخبز والحديد" لعدنان الصباح، و"أيام منسية خلف القضبان" لمحمد أبو لبن، و«الطريق إلى رأس الناقورة» لحبيب الهنا، و«ساعات ما قبل الفجر» لمحمد عليان.
لم يكن السجن خلفية لهذه النصوص، بل أحد أبطالها: أبوابه، أقفاله، نافذته الموصدة، انتظار الزيارة، الحنين إلى الأم، واستعادة تفاصيل الحياة العادية. لذلك لم يكن الحنين في شعر الأسرى عجزا أو بكاء على الماضي، بل وسيلة لحماية الصلة بالعالم، وتخيّل غد حرّ يتجاوز حدود المكان والزمن.
الرواية وطنا لا يستطيع السجّان مصادرته
يجسد الروائي باسم خندقجي امتداد هذه التجربة في الزمن الراهن. أمضى 21 عاما في سجون الاحتلال، وخرج إلى الحرية في الثانية والأربعين من عمره، بعدما حوّل الكتابة إلى صيرورة للأمل والحياة وتأكيد الإنسانية. وفي عام 2024، فازت روايته "قناع بلون السماء" بالجائزة العالمية للرواية العربية، بينما كان لا يزال خلف القضبان.
لم يتعامل الاحتلال مع إنجازه باعتباره حدثا أدبيا؛ فقد عُزل خندقجي، وصودرت أقلامه ودفاتره وكتبه، وتعرض للضرب والتحقيق. لكنه كتب رواية كاملة في ذهنه عن رفيقه الأسير وليد دقة، مؤكدا أن السجان يستطيع مصادرة الورق، لا المخيلة. وحين رأى غضب المحققين من أثر كلماته، قال لهم: "لو كنت أعلم أن كلماتي تؤثر بكم إلى هذا الحد، لكتبت عشرات الكتب".
في أدب السجون، لا يكتب الأسير لأنه يملك فسحة من الوقت، بل لأنه مهدد بفقدان اسمه وصوته وتاريخه.
وفي مسار آخر، وثّق سعيد أبو غزة تجربة اعتقاله في "أنا والمحقق والزنزانة"، مستعيدا اعتقاله على حاجز بيت حانون/إيرز وما عاشه من قمع. أراد لمذكراته أن تكون وثيقة للأجيال، وأن تكشف أن الاحتلال لا يرى في الفلسطيني صفته أو مهنته، بل هويته التي يسعى إلى إخضاعها.
هكذا يتجاوز أدب السجون حدود الشهادة الشخصية. إنه ذاكرة جماعية، ورواية مضادة، وجسر يصل الأسير بمجتمعه حين يحاول الاحتلال قطعه عنه. لقد خشي المحتل دائما مقاومتين: حجارة الخارج وكلمات الداخل؛ لأن الأولى تواجه جنوده، فيما تفضح الثانية منظومته وتنجو من قبضته. وبين القلم والبندقية اختلاف الأداة، لكن كليهما يرفض الرواية التي تريد للفلسطيني أن يكون غائبا وصامتا.
في أدب السجون، لا يكتب الأسير لأنه يملك فسحة من الوقت، بل لأنه مهدد بفقدان اسمه وصوته وتاريخه. لذلك تصبح القصاصة الصغيرة أثقل من جدار، والرواية أوسع من زنزانة، والكلمة كائنا حرا يفلت من التفتيش والعزل والمصادرة. وحين تصل إلى قارئ خارج الأسوار، يكون السجين قد انتصر، ولو للحظة: جعل السجن مرئيا، واستعاد حقه في رواية ما حدث، وأثبت أن الجسد قد يُحاصر، أما الحكاية فلا.