ذاكرة لا تشيخ.. لماذا ما زالت "التغريبة الفلسطينية" تسكننا؟
1 أغسطس 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لا يبدأ مسلسل "التغريبة الفلسطينية" بالنكبة، بل بالحياة التي سبقتها؛ بالأرض حين كانت مصدر الرزق والهوية، وبالفلاح الذي كان يصارع الفقر والإقطاع والانتداب البريطاني، قبل أن يجد نفسه في مواجهة مشروع استعماري يهدد وجوده كله. ومن هذه البداية تحديدا يستمد العمل قوته؛ فهو لا يعرض فلسطين بوصفها وطنا فُقد في لحظة عابرة، بل عالما كاملا جرى اقتلاعه، وسيرة شعب دُفع من بيته إلى المخيم، لكنه رفض أن تتحول خسارته على الأرض إلى هزيمة في الوعي.
كتب المسلسل المفكر والكاتب الفلسطيني وليد سيف، وأخرجه السوري الراحل حاتم علي، وعُرض للمرة الأولى عام 2004. وعلى امتداد أحداثه، يتتبع نصف قرن من التاريخ الفلسطيني، من سنوات الانتداب البريطاني وثورة 1936، مرورا بالنكبة عام 1948، وصولا إلى هزيمة حزيران/يونيو 1967 وانبعاث المقاومة الفلسطينية.
لكن "التغريبة" لا يقدّم هذا التاريخ من قاعات السياسة أو مذكرات الزعماء، بل من بيت عائلة ريفية فقيرة تكافح للحفاظ على أرضها وكرامتها. ومن خلال عائلة صالح الشيخ يونس، تتحول التحولات الكبرى إلى تفاصيل يومية: أرض مهددة، وربّ أسرة يطحنه العوز، وأمّ تجمع أبناءها تحت وطأة الخوف، وشباب تتنازعهم الثورة والتعليم والهجرة والبحث عن خلاص فردي.
النكبة خارج كتب التاريخ
بهذا الاختيار، كتب وليد سيف تاريخ فلسطين من أسفل؛ من ذاكرة الفلاحين والمقاتلين المجهولين واللاجئين الذين لم تحفظ الكتب أسماءهم. فالبطولة في "التغريبة" ليست حكرا على القادة، بل تتوزع بين من حمل البندقية، ومن تشبث بالأرض، ومن قاوم الجهل بالتعليم، ومن حمل ذاكرته إلى المخيم كي لا يصبح اللجوء وطنا بديلا.
ولا يقع العمل في فخ تصوير فلسطين قبل النكبة بوصفها فردوسا خاليا من التناقضات. إنه يكشف الفقر والتفاوت الطبقي وسطوة كبار الملاك والعشائرية وصراعات الزعامات، لكنه يبيّن أيضا كيف أعادت الثورة ترتيب المجتمع، فرفعت مكانة الفلاح المقاتل وأضعفت سلطة من راكموا المال والنفوذ على حساب الفقراء. ومع صعود "أبو صالح"، يتحول الرجل الريفي المقهور إلى قائد للثوار، ويصبح البذل معيارا للمكانة، لا الثروة ولا النسب.
وفي خلفية هذه الحكاية، يرسم المسلسل صورة واضحة لاختلال موازين القوة: شعب يقاتل بأسلحة محدودة، في مقابل انتداب بريطاني يفتح الطريق أمام المشروع الصهيوني ويدعم تشكّل قوته العسكرية. وبين خذلان القوى الدولية وعجز النظام العربي الرسمي، تتقدم النكبة بوصفها نتيجة مسار طويل من التواطؤ والقمع، لا حادثا مفاجئا وقع في أيار/مايو 1948.
في المخيم، يلتقط "التغريبة" واحدة من أعقد مفارقات اللجوء: حاجة اللاجئ إلى تحسين شروط حياته، وخوفه الدائم من أن يكون ثمن ذلك تصفية ذاكرته وقضيته.
وحين تقع الكارثة، لا يحتاج حاتم علي إلى الخطب كي يصوّرها. تكفي نظرة أم تنتظر ابنا لن يعود، أو دمعة أب يمضغ طعامه وقد خسر أرضه وتفرّق أبناؤه، أو عائلة تغادر منزلها تحت القصف، وهي تظن أن الرحيل لن يستمر سوى أيام. هنا تبلغ الدراما ذروتها؛ إذ يتحول الصمت إلى وثيقة، وتغدو التفاصيل الصغيرة أكثر قدرة على تفسير الفقد من الأرقام والبيانات.
في المخيم، يلتقط "التغريبة" واحدة من أعقد مفارقات اللجوء: حاجة اللاجئ إلى تحسين شروط حياته، وخوفه الدائم من أن يكون ثمن ذلك تصفية ذاكرته وقضيته. فهو يطالب ببيت أكثر احتمالا، لكنه يتمسك بالمفتاح؛ يريد حياة تحفظ كرامته، من دون أن تتحول الخيمة إلى نهاية للحكاية. لذلك لا يظهر المخيم مجرد مكان للبؤس، بل فضاء للصراع بين اليأس والأمل، وبين الخلاص الفردي والمصير الجماعي.
إنه يعيدنا إلى أصل الحكاية كي يقول إن الأرض قد تُحتل، والناس قد يُهجّرون، لكن النكبة لا تكتمل ما دامت الذاكرة قادرة على إنجاب فعل جديد، وما دام المفتاح في اليد، والبندقية تحت التراب تنتظر من يرفعها.
وتؤدي شخصيات العمل أدوارا تتجاوز مساراتها الشخصية. يمثّل "أبو صالح" إرادة المقاومة الشعبية، بينما يحمل "علي" صوت المعرفة والتحليل، ويجسّد "مسعود" واقعية جهمة تبحث عن النجاة الفردية، قبل أن يطل "رشدي" بوصفه جيلا جديدا يعيد وصل الذاكرة بالفعل المقاوم. وفي المشهد الأخير، حين يستخرج رشدي بندقية والده المدفونة، لا يستعيد سلاحا فحسب، بل يعلن أن ما طُمر في الأرض لم يمت، وأن الهزيمة لم تنجح في قطع السيرة بين جيل وآخر.
لاحقا، نقل وليد سيف نصه الدرامي إلى رواية حملت العنوان نفسه، محافظا على تسلسل الأحداث وجانب كبير من الحوارات والأغاني والمواويل. غير أن الرواية أتاحت حضورا أوسع لصوت المؤلف وتأملاته، وأضافت إلى الحكاية بعدا شعريا من خلال نصوص لمحمود درويش وتوفيق زياد وصلاح عبد الصبور، إلى جانب أشعار سيف نفسه. ومع ذلك ظل المسلسل أكثر رسوخا في الذاكرة الجمعية؛ لأن الصورة والصوت واللهجة الفلسطينية وأداء الممثلين جعلت النكبة تجربة محسوسة، لا مادة تاريخية بعيدة.
حين تتحول الدراما إلى ذاكرة وطن
بعد أكثر من عقدين على إنتاجه، ما زال "التغريبة الفلسطينية" محتفظا براهنيته، ليس بسبب جماله الفني وحده، بل لأن النكبة التي يرويها لم تنتهِ. فما زال الفلسطيني يواجه الاقتلاع والتهجير والاستيطان والحصار، وما زال اللاجئ موزعا بين حاجات يومه وحقه في العودة. وفي زمن تتراجع فيه فلسطين على شاشات عربية، أو تُقدّم عبر أعمال تفرغ الصراع من أصله الاستعماري، يبدو المسلسل شهادة مضادة للنسيان.
"التغريبة الفلسطينية" ليس رثاء لوطن ضائع، بل دفاع عن ذاكرة تقاوم الضياع. إنه يعيدنا إلى أصل الحكاية كي يقول إن الأرض قد تُحتل، والناس قد يُهجّرون، لكن النكبة لا تكتمل ما دامت الذاكرة قادرة على إنجاب فعل جديد، وما دام المفتاح في اليد، والبندقية تحت التراب تنتظر من يرفعها.