كيف يخنق الاحتلال قلب الخليل؟
27 يوليو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
عند مدخل شارع الشلالة، تقف بوابة حديدية تعيد رسم العلاقة بين الخليل وأهلها. خلفها يمتد الطريق إلى المسجد الإبراهيمي وأسواق البلدة القديمة، وأمامها ينتظر الفلسطيني قرار جندي يحدد من يعبر، ومتى، وتحت أي قدر من التفتيش والإذلال. في هذه المسافة القصيرة بين المدينة وأبوابها، يتجسّد مشروع أوسع: ضمٌ يُفرض كل يوم عبر الحديد والإغلاقات وانتزاع الصلاحيات.
في 16 حزيران/يونيو، أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، خلال تدشين مستوطنة "دوران" المقامة على أراضي مدينة دورا، إلغاء بروتوكول الخليل الموقّع عام 1997. سارعت وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى نفي إلغاء الاتفاق كاملا، لكن هذا النفي لم يبدّد جوهر القرار: نقل صلاحيات التخطيط والبناء في المناطق المرتبطة بالمستوطنين والمواقع اليهودية من بلدية الخليل إلى الإدارة المدنية التابعة للاحتلال.
انتزاع صلاحيات التخطيط من البلدية الفلسطينية يفرّغ البروتوكول من أحد آخر مضامينه المدنية، ويمنح الاحتلال قدرة أوسع على إعادة تشكيل البلدة القديمة من دون إخطار الفلسطينيين أو إتاحة المجال أمامهم للاعتراض.
قد يبدو الخلاف بين المؤسستين الإسرائيليتين متعلقا بصياغة الإعلان، لكنه لا يغيّر ما يجري على الأرض. فانتزاع صلاحيات التخطيط من البلدية الفلسطينية يفرّغ البروتوكول من أحد آخر مضامينه المدنية، ويمنح الاحتلال قدرة أوسع على إعادة تشكيل البلدة القديمة من دون إخطار الفلسطينيين أو إتاحة المجال أمامهم للاعتراض. وبذلك ينتقل الضمّ من مستوى الخطاب السياسي إلى إدارة المكان وتحديد مستقبله.
انتزاع صلاحيات التخطيط.. الضمّ من بوابة الإدارة
قسّم بروتوكول الخليل المدينة إلى منطقتين "H1"، وتشكل نحو 80% منها وتخضع إداريا للسلطة الفلسطينية، و"H2" التي تضم البلدة القديمة وأحياءها المحيطة، وبقيت تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية. ورغم محدودية نفوذها داخل المنطقة الثانية، احتفظت بلدية الخليل بصلاحيات تتعلق بالبناء والبنية التحتية. اليوم، تُنتزع هذه المساحة المحدودة أيضا، في وقت يعيش فيه نحو 900 مستوطن داخل المدينة الفلسطينية تحت حماية عسكرية كثيفة.
وتكشف الموافقة السريعة على إضافة طابقين إلى مبنى يخدم طلاب مدرسة "شافي حبرون" الاستيطانية طبيعة التحول الجاري. فالمشاريع التي كان يفترض أن تخضع لإخطار البلدية ومسار اعتراض طويل، باتت تُقرّ من دون علمها. ليست المسألة توسعا عمرانيا فحسب؛ إنها إعادة تعريف للجهة صاحبة القرار في المدينة، وتحويل الوجود الاستيطاني من جيب تحميه القوة العسكرية إلى بنية تملك سلطة التخطيط وتفرض وقائع دائمة.
من المسجد الإبراهيمي إلى الأسواق.. حصار يعيد هندسة الحياة
الخطر الأكثر حساسية يتركز في المسجد الإبراهيمي، أحد أهم المعالم الدينية والتاريخية في فلسطين، والمدرج مع البلدة القديمة على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر لدى "اليونسكو". وبعد فرض مصعد كهربائي في الموقع من دون موافقة فلسطينية، شرعت سلطات الاحتلال في إقامة سقف فوق الصحن الداخلي للمسجد، وسط تحذيرات من تغيير طابعه العربي والإسلامي. وتزامنت الأعمال مع تشديد دخول المصلين، والتدقيق المتكرر في هوياتهم، ومنع رفع الأذان لأسابيع.
ما يحدث في المسجد ليس منفصلا عن المشهد الأوسع؛ فالسيطرة على المقدّس جزء من السيطرة على المدينة. وحين تصبح الجهة المحتلة صاحبة القرار في البناء والترميم والوصول، يتحول "الوضع القائم" إلى أداة تعيد إسرائيل تفسيرها منفردة وفق احتياجات المستوطنين.
في مساحة لا تتجاوز كيلومترا مربعا حول المسجد الإبراهيمي، أقام الاحتلال أكثر من 120 حاجزا وبوابة، بينما باتت محافظة الخليل مطوقة بـ106 بوابات حديدية و16 طريقا مغلقا بالسواتر الترابية.
أما البوابة المنصوبة عند شارع الشلالة، فتختصر أثر هذه السياسات على الحياة اليومية. في مساحة لا تتجاوز كيلومترا مربعا حول المسجد الإبراهيمي، أقام الاحتلال أكثر من 120 حاجزا وبوابة، بينما باتت محافظة الخليل مطوقة بـ106 بوابات حديدية و16 طريقا مغلقا بالسواتر الترابية. وتحت هذا الطوق، تتراجع أعداد المصلين والمتسوقين، وتُفرغ الأسواق من زبائنها، فيما يفتح أصحاب المحال أبوابهم صباحًا ويغلقونها مساء من دون بيع شيء.
لا يتوقف الحصار عند الاقتصاد. جمع النفايات وصيانة شبكات الكهرباء والمياه باتت خدمات مشروطة بالتنسيق العسكري، وقد يُمنع عمال البلدية من الوصول. وفي الحالات الطارئة، يمكن أن تتعطل سيارات الإسعاف، ويضطر الأهالي إلى حمل المرضى سيرا. كما تجد عائلات نفسها عاجزة عن استقبال أقاربها، وتُدفع أخرى إلى استئجار منازل خارج المناطق المغلقة، خصوصا خلال الأعياد اليهودية حين تتصاعد الإغلاقات واعتداءات المستوطنين.
البوابة الحديدية ليست نهاية الطريق؛ إنها عنوان مرحلة تريد فيها إسرائيل تحويل البلدة القديمة إلى مساحة مغلقة، يكون الوجود الفلسطيني فيها مؤقتا ومشروطا، بينما يصبح الاستيطان صاحب السلطة والمكان.
هذه التفاصيل، على صغرها الظاهري، ترسم بنية متكاملة للتهجير الصامت: تضييق الحركة، وخنق مصادر الرزق، وتعطيل الخدمات، والاستيلاء على القرار التخطيطي، حتى تصبح مغادرة المكان أقل كلفة من البقاء فيه. لا تُطرد العائلة بأمر مكتوب، بل تُستنزف إلى أن يبدو الرحيل خيارا وحيدا.
في الخليل، لا تُقاس سياسة الضمّ بمساحة الأرض المصادرة وحدها، بل بقدرة الفلسطيني على فتح متجره، والوصول إلى المسجد، واستقبال سيارة إسعاف، والدخول إلى منزله من بابه. البوابة الحديدية ليست نهاية الطريق؛ إنها عنوان مرحلة تريد فيها إسرائيل تحويل البلدة القديمة إلى مساحة مغلقة، يكون الوجود الفلسطيني فيها مؤقتا ومشروطا، بينما يصبح الاستيطان صاحب السلطة والمكان.