حين يسبق الرمادُ الحصاد.. نيران المستوطنين تلتهم ريف الضفة
26 يوليو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
حين خرج المزارع أبو محمد من بلدة ترمسعيا مع أول خيوط الفجر نحو حقله، لم يكن يبحث عن محصول القمح الذي أمضى شهورا في رعايته، بل عن بقاياه. كانت رائحة الرماد تسبق خطواته، بينما ظل الدخان يتصاعد من الأرض التي كانت قبل ساعات مسرحا للنيران. وعلى أطراف الحقل، وقفت أشجار الزيتون متفحمة، فيما انحنت سنابل القمح التي نجت من اللهب، شاهدة على ليلة جديدة من الحرائق التي باتت تتكرر في قرى الضفة الغربية.
ومع حلول الصيف، لم تعد هذه المشاهد استثناء في القرى الفلسطينية المحاذية للمستوطنات والبؤر الاستيطانية، إذ تتحول ساعات الليل إلى وقت ترقب لظهور ألسنة النار على سفوح الجبال، مهددة الحقول والمراعي والأشجار المعمرة، ومخلفة خسائر تمتد آثارها إلى البيئة والاقتصاد الريفي معا.
موسم الحرائق
خلال الأسابيع الأخيرة، شهدت بلدات ترمسعيا، والمغير، وحوارة، واللبن الشرقية، وبرقة، وقريوت، وجالود، إلى جانب قرى أخرى في محافظات نابلس ورام الله وسلفيت، سلسلة من الحرائق التي أتت على مساحات واسعة من حقول القمح والشعير وأشجار الزيتون، بالتزامن مع موسم الحصاد، وهو الأهم بالنسبة للمزارعين.
يقول الناشط في لجان الحراسة الليلية في قرى رام الله، عايد غفري: "منذ أشهر، لم تعد مهمتنا تقتصر على مراقبة تحركات المستوطنين، بل أصبحنا نترقب أيضًا ألسنة اللهب. كل ليلة نوزع أنفسنا على قمم الجبال ومداخل الأراضي الزراعية، نحمل مصابيح يدوية ووسائل اتصال بسيطة، لأن أي دقيقة تأخير قد تعني احتراق عشرات الدونمات."
"شجرة الزيتون ليست محصول سنة واحدة، بل عمر عائلة كاملة. عندما تحترق شجرة عمرها خمسون أو مئة عام، لا يمكن تعويضها خلال سنوات."
ويضيف: "في كثير من الأحيان نرصد مجموعات من المستوطنين تتحرك قرب أطراف القرى أو بمحاذاة البؤر الاستيطانية، وما هي إلا لحظات حتى تشتعل النار في الأعشاب الجافة أو بين أشجار الزيتون. عندها تبدأ معركة مع الزمن؛ نتصل بالدفاع المدني، ونوقظ الأهالي، ونتجه جميعًا لمحاصرة الحريق بما توفر من أدوات قبل أن تدفعه الرياح إلى مساحات أوسع."
ويؤكد غفري أن المتطوعين والأهالي يواصلون الحراسة الليلية، لأنهم يدركون أن حماية الأرض تبدأ بمنع النار من ابتلاعها، وأن البقاء فيها هو أحد أشكال الدفاع عنها.
أما المزارع أبو أحمد من قرية المغير فيقول: "لا نخاف فقط على المحصول، بل على الجبل كله. فبمجرد أن تشتعل النار في الأعشاب اليابسة تصبح السيطرة عليها شبه مستحيلة، لتلتهم أشجار الزيتون واللوز والخروب، وأحيانًا تصل إلى أطراف المنازل."
ويضيف المزارع أبو إبراهيم من اللبن الشرقية: "شجرة الزيتون ليست محصول سنة واحدة، بل عمر عائلة كاملة. عندما تحترق شجرة عمرها خمسون أو مئة عام، لا يمكن تعويضها خلال سنوات."
استهداف الأرض والاقتصاد الريفي
وثّقت منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا في عمليات إحراق الأراضي الزراعية والجبال الفلسطينية، معتبرةً أنها أصبحت وسيلة متكررة تستهدف الأراضي المحاذية للمستوطنات والبؤر الاستيطانية، ولا سيما في محافظات نابلس وسلفيت ورام الله والخليل والأغوار.
وتشير المنظمة إلى أن الحرائق طالت حقول القمح والشعير قبيل موسم الحصاد، إضافة إلى بساتين الزيتون والأشجار المثمرة والمراعي الطبيعية، ما ألحق خسائر اقتصادية مباشرة بالمزارعين، وأضرارًا بيئية تمثلت في تراجع الغطاء النباتي والتنوع الحيوي واتساع مخاطر انجراف التربة والتصحر.
وتشير إلى أن المناطق الجبلية والريفية في محافظات نابلس ورام الله وسلفيت والخليل وبيت لحم والأغوار تُعد الأكثر عرضة لهذه الحرائق، نظرًا لاتساع الرقعة الزراعية فيها وقرب كثير من أراضيها من المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
وترى المنظمة أن هذه الاعتداءات تتزامن غالبًا مع محاولات التضييق على الفلسطينيين في المناطق المصنفة "ج"، ومنعهم من استثمار أراضيهم، داعيةً إلى توفير الحماية للمزارعين ومحاسبة المسؤولين عن عمليات الإحراق.
وتوضح الباحثة الميدانية في منظمة البيدر، أسيل مليحات، أن أخطر ما يميز هذه الحرائق أنها لم تعد تقتصر على خسارة موسم زراعي أو بضع دونمات، بل باتت تستهدف المنظومة الريفية بأكملها.
وتقول إن النيران تلتهم حقول القمح والشعير، وتمتد إلى بساتين الزيتون والمراعي، لتترك آثارًا تتجاوز الخسائر الاقتصادية، إذ تحرم المزارعين من مصدر رزقهم، وتدمر الغطاء النباتي، وتؤثر في التربة والتنوع الحيوي، وتدفع كثيرا من العائلات إلى تحمل أعباء إضافية لإعادة تأهيل أراضيها.
وتشير إلى أن المناطق الجبلية والريفية في محافظات نابلس ورام الله وسلفيت والخليل وبيت لحم والأغوار تُعد الأكثر عرضة لهذه الحرائق، نظرًا لاتساع الرقعة الزراعية فيها وقرب كثير من أراضيها من المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
توثيق أمميولا يقتصر توثيق هذه الحرائق على شهادات الأهالي والمنظمات المحلية، إذ تؤكد تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" تصاعد هجمات الحرق التي تستهدف الأراضي والممتلكات الفلسطينية في الضفة الغربية.
ووفق تقرير المكتب الصادر في 25 أيار/مايو 2026، جرى توثيق أكثر من خمسين هجوما نفذه مستوطنون خلال أسبوع واحد، أسفر عن إصابات وأضرار واسعة بالممتلكات، كان من بينها عدة عمليات إحراق متعمد. وأشار التقرير إلى إحراق أراضٍ زراعية وأشجار زيتون في قرية المغير شمال شرق رام الله، كما امتدت الحرائق إلى أراضٍ مزروعة في قرية برقة.
لا تقتصر الخسائر على البيئة؛ إذ يفقد مربو الماشية مساحات واسعة من المراعي الطبيعية، ما يضطرهم إلى شراء الأعلاف ورفع كلفة الإنتاج الحيواني في ظل أوضاع اقتصادية متدهورة أصلا.
وتظهر بيانات المكتب أيضًا أن الفترة الممتدة منذ بداية عام 2026 وحتى 18 أيار/مايو شهدت أكثر من 870 اعتداءً نفذه مستوطنون على أكثر من 220 تجمعًا فلسطينيًا، بمعدل يقارب ستة اعتداءات يوميًا، شملت إحراق أراضٍ زراعية ومحاصيل وممتلكات فلسطينية.
خسائر تتجاوز المحاصيل
لا تنتهي آثار الحرائق بانتهاء موسم الحصاد، بل تمتد إلى النظام البيئي في جبال الضفة الغربية. فاحتراق أشجار السنديان والخروب والبطم وغيرها من الأشجار البرية يبدد غطاءً نباتيًا يحتاج إلى سنوات ليستعيد عافيته، فيما يؤدي تدمير الأعشاب الرعوية إلى تقليص موائل الطيور والحيوانات البرية وزيادة خطر انجراف التربة مع أولى أمطار الشتاء.
ولا تقتصر الخسائر على البيئة؛ إذ يفقد مربو الماشية مساحات واسعة من المراعي الطبيعية، ما يضطرهم إلى شراء الأعلاف ورفع كلفة الإنتاج الحيواني في ظل أوضاع اقتصادية متدهورة أصلا.
وفي نهاية كل ليلة قد تنطفئ النيران، لكن آثارها تبقى حاضرة على سفوح الجبال؛ أشجار متفحمة، وحقول تحولت إلى رماد قبل الحصاد، وأرض تحتاج سنوات لتستعيد بعضًا من عافيتها. ومع تكرار هذه الحرائق عامًا بعد آخر، يخشى المزارعون أن يتحول الصيف إلى موسم دائم لخسارة الأرض، في معركة لا تستهدف محصولًا زراعيًا فحسب، بل تمس البيئة والاقتصاد الريفي، وتستنزف العلاقة التاريخية التي تربط الفلسطيني بأرضه جيلاً بعد جيل.