كذبوا عليكم حين قالوا إنّ الحرب انتهت
23 يوليو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
ترك العالم غزَة تواجه مصيرها وحدها، بعدما أوهمته الروايات أنّ الحرب قد انتهت، وأنّ القصف خفت، وأنّ المأساة أصبحت من الماضي. لكنّ الحقيقة لم تكن كذلك؛ فالحرب لم تتوقف، وإنما غابت عن الشاشات، وبقيت حاضرة في البيوت، والخيام، والمستشفيات، وفي كلّ زاوية من هذه الأرضِ المنهكة.
اسألوا أهل غزّة؛ اسألوهم عن معاناتهم، وخذوا الرواية من أفواههم، لا ممّن يكتبها خلف الشاشات، في الغرف المكيّفة والبيوت الآمنة. لا تدعوا ضجيج المباريات، ولا زحام الحياة، ولا توالي الأخبار السياسية والفنية يُنسيكم غزّة؛ فالعدوّ يحاول أن يصرف أنظاركم عنها، فيما لا تزال تعاني؛ تئنّ بصمت تارة، وبألم يمزّق الصدور تارة أخرى.
كذبوا عليكم حين قالوا إنّ الحرب انتهت. فما انتهى في نشرات الأخبار، لم ينته في زقاق غزة وشوارعها المهدمة. هنا، لا يزال الناس يستيقظون على أصوات القصف المدفعي والتحليق المستمر لآليات الموت، ويودّعون أحبّتهم كلّ يوم.
كلّ ليلة، تمسح غزّة دموعها حين تحاول النوم، لكنّ النوم يأبى أن يزور عيونها الفزعة. وتخيط جراحها بخيط من الأمل في غدٍ لعلّه يكون أجمل، بينما يثقل رأسها ألف سؤال بلا جواب، ولا يدٌ من هذا العالم تمتدّ إليها، فتدلّها إلى الطريق أو تمسح عن وجهها غبار الفقد.
ما زالت غزّة مغطاة بالدّماء والأشلاء، وما زال صوت الموت يجوب الطّرقات، لا يستأذن أحدا، يخطف الأرواح ويترك خلفه قلوبا لن يبرأ وجعها ما بقي العمر. كيف للأطهار أن يسكنوا الخيام البالية، ويقاسوا فيها لهيب الحر ليلا ونهارا؟ وكيفَ للضمير الإنساني أن يموت دون أن يرف له جفن؟ وكيفَ لإنسان يرى هذه المشاهد ثم يتجرَد من إنسانيته، ويبقىٰ يسمّى في سجلات البشرية إنسانا؟
غابت الكاميرات... ولم تغب المأساة
كذبوا عليكم حين قالوا إنّ الحرب انتهت. فما انتهى في نشرات الأخبار، لم ينته في زقاق غزة وشوارعها المهدمة. هنا، لا يزال الناس يستيقظون على أصوات القصف المدفعي والتحليق المستمر لآليات الموت، ويودّعون أحبّتهم كلّ يوم. لم تتحوَل الخيام الممزقة إلى بيوت، ولم يعد الأطفال إلى مقاعد دراستهم، وما زالت لقمة الخبز غاية تُنتظر بشق الأنفس، وقطرة الماء النظيفة رحلة بحث شاقة ومضنية، والدواء حلما مؤجلا للمرضى والجرحى، والخوف رفيق كلّ صباح ومساء.
كذبوا عليكم حين قالوا إنّ المساعدات تكفي الجميع وتتدفق بانسيابية. فما زال الجوع والنهش في الأجساد النحيلة يحاصر البيوت والخيام، وما زالت لقمة العيش تُنتظر بالساعات الطوال تحت أشعة الشمس الحارقة، وقطرة الماء تصبح أمنية غالية يغامر الأطفال بحياتهم لجلبهما. هنا لا يبحث الناس عن رغد العيش أو حياة مترفة، بل يطالبون بالحدِ الأدنى الذي يُمسك رمق أطفالهم ويُبقيهم على قيدِ الحياة.
كذبوا عليكم حين قالوا إنّ المعابر فتحت بشكل كامل، وإنّ الأزمة الإنسانية أوشكت على الانتهاء. فما زال الآلاف من المرضى والجرحى المصابين بحروق بالغة ينتظرون فرصة يتيمة للعلاج خلف الحدود.
كذبوا عليكم حين قالوا إنّ المعابر فتحت بشكل كامل، وإنّ الأزمة الإنسانية أوشكت على الانتهاء. فما زال الآلاف من المرضى والجرحى المصابين بحروق بالغة ينتظرون فرصة يتيمة للعلاج خلف الحدود، وما زالت عائلات تودّع أبناءها وهم عاجزون عن الوصول إلى مستشفى مدمر أو الحصول على جرعة دواء بسيطة، وكأنّ المرض البسيط في غزة أصبح حكما بالإعدام لا استئناف له.
كذبوا عليكم حين ظننتم أنّ من رحلوا قد دفنوا جميعا ووجدت أجسادهم السكينة تحت التراب. فما زالت آلاف الأجساد الطاهرة تحت الركام الشاهق، تنتظر سواعد متعبة بأدوات بدائية لانتشالها وتكريمها بدفن يليق بآدميتها. ما زالت عائلات تعيش في حلقة مفرغة بين أمل بلقاء غائب لا ينطفئ، ويأس يجثم على الصدور لا يرحل، لا تدري أتبكي أحبتها الذين غيبهم الركام، أم تنتظر معجزة عودتهم من بين الأنقاض.
ما بعد الغبار.. كيف ترمم الأرواح؟
كذبوا عليكم حين أوهموكم أنّ الحرب تُدمّر الحجر والبنية التحتية فقط. فالحجارة تُبنى من جديد ولو بعد حين، أمّا القلوب التي فقدت فلذات أكبادها، والأطفال الذين شاخوا في سنواتهم الأولى، والأمهات اللواتي يقفن في طوابير الانتظار يترقبن من لن يعود أبدا، فكيف تُرمّم؟ وكيف يُعاد إلى طفل جفّت طفولته وطنه، أو إلى أمّ ولدُها الذي ربته بدموع العين، أو إلى أب أبيدت عائلته بالكامل وشطب اسمها من السجلات الرسمية؟
كذبوا عليكم حين اعتقدتم أنّ غزّة غابت لأن مأساتها قد حلت. الحقيقة أنّها غابت عن الشاشات المهتمة بالتريندات العابرة والسباقات الإعلامية فقط، أمّا وجعُها فما زال طازجا، ومأساتُها لم تتوقف لحظة واحدة، وأهلُها ما زالوا يكتبون بدمائهم كلّ يوم فصلا جديدا من فصول الصبر الأسطوري، بينما يمضي العالم في حياته اليومية الروتينية كأنّ شيئا لم يكن، وكأن غزة كوكب آخر لا يمت بصلة لكوكب الأرض.
إذا أردتم الحقيقة العارية من الزيف، فلا تبحثوا عنها في التقارير الدبلوماسية، ولا في المؤتمرات الصحفية، بل اسألوا أهل غزّة؛ فهم وحدهم يعرفون كيف يمرّ اليوم الواحد عليهم كأنه عام كامل من التعب.
انشغل العالم بملفات سياسية واقتصادية جديدة، وصراعات دولية طارئة، بينما بقيت غزّة عالقة في تفاصيل يومها الأول للمأساة؛ تُقاوم الجوع المفروض عليها، والنزوح المتكرر من خيمة إلى خيمة، وفقدان الأحبّة الذين يتساقطون كأوراق الخريف، وتنتظر في عتمتها عدالة دولية ضلّت طريقها ولم تصل بعد. تغيّرت عناوين الأخبار العاجلة على شاشات التلفزة، لكنّ ألم الفقد هنا لم يتغيّر ولن يتبدل، وغابت الكاميرات وبقيت غزة تصارع قدرها وحدها.
الأسئلة المعلقة في فضاء الصمت
ولهذا.. إذا أردتم الحقيقة العارية من الزيف، فلا تبحثوا عنها في التقارير الدبلوماسية، ولا في المؤتمرات الصحفية، بل اسألوا أهل غزّة؛ فهم وحدهم يعرفون كيف يمرّ اليوم الواحد عليهم كأنه عام كامل من التعب، وكيف يصبحُ البقاء علىٰ قيد الحياة ليوم إضافي إنجازا تاريخيا، وكيف للعالم أن يحيا متجاهلا جرحا غائرا... بينما غزّة ما زالت تموت في كل دقيقة.
ولعلّ السؤال الحقيقي والأكثر إلحاحا الذي لم يجرؤ أحد على طرحه بما يكفي من الجدية والضمير هو: ماذا بعد؟
حتى لو توقفت آلة الحرب تماما وصمتت المدافع غدا، فكيف يعاد وطن هدمت معالمه بالكامل وباتت مدنه تلالا من الركام؟ وكيف ترمّم قلوب احترقت بفقد عائلات بأكملها؟ وكيف يعود طفل إلى مدرسته التي تحولت إلى مأوى بائس أو ركام متناثر، وهو لا يجد بيتا آمنا أو غطاء يستند إليه أصلا؟
لا تجعلوا غزة مجرد خبر عابر في ثنايا الصحف، ولا قضية موسمية يطويها النسيان مع تغير الأحداث. فالوجع الحقيقي لا يُقاس بمدى الدمار الخارجي فقط، بل بالندوب العميقة التي تركتها الحرب في أرواح من كُتبت لهم الحياة.
تسمعونهم يقولون : انتهت الحرب. ولكن، بحق الإنسانية ماذا انتهى حقّا؟ فما زال مئات الآلاف من البشر بلا مأوى حقيقي، وما زالت الخيام البالية الرثة تحاول عبثا أن تقي ساكنيها حرَ الصيف اللاهب وبرد الشتاء القارس الذي ينخر العظام. وما زال شحّ المياه يقتل كل مظاهر الحياة النظيفة، وما زالت سبل العيش شاقة ومستحيلة، وكأنّ انتهاء القصف الجوي يعني انتهاء فصول المعاناة، بينما الواقع واليوميات تقولان غيرَ ذلك تماما.
جراح لن تبرأ

ما زالت أمهات يقفن أمام أنقاض بيوتهن، لا يبحثن عن ذهب أو متاع، بل يفتشن في التراب عن ذكرى، أو لعبة لطفل رحل، أو صورة عائلية تشهد على أن حياة دافئة وصاخبة بالضحكات كانت هنا ذات يوم قبل أن يطمسها الموت. ليس أصعب من الحرب وأهوالها إلا ما تتركه بعد رحيلها؛ ذاكرة مثقلة بمشاهد الموت، وأطفال حرموا من حضن الأبوة والأمومة، وأحلام دُفنت تحت الثرى، وأعمار بأكملها سُرقت في غفلة من الزمن.
ولذلك، لا تجعلوا غزة مجرد خبر عابر في ثنايا الصحف، ولا قضية موسمية يطويها النسيان مع تغير الأحداث. فالوجع الحقيقي لا يُقاس بمدى الدمار الخارجي فقط، بل بالندوب العميقة التي تركتها الحرب في أرواح من كُتبت لهم الحياة.
فإذا سألتم أنفسكم يوما في لحظة صدق مع الذات: كيف للعالم أن يحيا بسلام، وغزة تموت؟ فلا تبحثوا عن الإجابة في أروقة الأمم المتحدة، بل انظروا في وجوه أطفالها، في ملامح الشيوخ الصابرين، وفي عيون الأمهات اللواتي يحملن جراح الكون كله ويمضين في دروب الصبر بلا كلل. هناك فقط، تكمن الحقيقة الكاملة.