إسراء العرعير: ليس للغياب سطوة على حضور زوجي الشهيد
23 يوليو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
بين رصاص المقاومة المدوّي على الأرض ورسائل الشوق الصامتة المرفوعة إلى السماء، تنسج نساء غزة ملاحم استثنائية من الوفاء الصادق، ويكتبن بدموعهن حكايات لا تنتهي بلحظة الفراق، بل تبدأ فعليا حين يترجل الفارس عن صهوة جواده. في تلك اللحظة الفارقة، تقف المرأة خلف إرث زوجها الراحل، تسد مكانه الشاغر في الدنيا بنصف قلب مكلوم، وتترك النصف الآخر معلقا في السماء، يترقب لقاء مؤجلا في رحاب الخلد.
ياسر الطويل.. اسم لم يطوه الغياب ولم يغيبه الموت، بل تحوّل برحيله إلى طاقة من السكينة والطمأنينة تسكن بيت زوجته إسراء العرعير. إسراء التي ترفض مطلقا فكرة الغياب الحتمي، وتصر في كل تفاصيل يومها على أنهما ما زالا كما كانا دوما "جسدا واحدا بروحه الباقية". في هذا التقرير، نغوص في تفاصيل حكاية إنسانية فريدة كُتبت بالدموع والكبرياء، لزوجة فلسطينية تقاوم قسوة الفقد وعواصف الشتات بعلبة عطر قديمة، وسترة دافئة، وطفلة صغيرة تحمل اسم أبيها كأعظم نيشان شرف في مواجهة الحياة.
حياة تختصرها الطمأنينة والودّ
قبل أن تثقل الحرب الظالمة كاهل البيوت في قطاع غزة، وتتحول الأحياء إلى ركام، كانت حياة إسراء وياسر واحة غنّاء من الهدوء والاستقرار، وسندا حنونا يتكئ عليه كلاهما في مواجهة مصاعب الدنيا. تستذكر إسراء تلك الأيام الخوالي بكلمات تفيض بالدفء والحنين الجارف: "كان ياسر بالنسبة لي الزوج والأخ والأب والسند. امتلك حنانا استثنائئا يلامس كل من حوله، وكان الجميع من عائلاتنا يعرف بأننا جسد واحد يحمل روحين، فحياتنا كانت تفيض بالطمأنينة وتخلو تماما من المشاكل أو الخلافات، إذ كان التفاهم لغتنا الأولى".
كان شاطئ غزة وجهتهما المفضلة دائما للترويح عن النفس وملاذا آمنا يهربان إليه من ضيق الحصار ومكابدات الحياة. هذا البحر بات اليوم بالنسبة لإسراء مرآة حزينة تستحضر فيها ملامحه، وصوته، وصبره المعهود.
تشير إسراء إلى أن ياسر، برغم انشغاله الدائم وثقل الواجب الملقى على عاتقه، كان يواجه أعتى الظروف المعيشية والأمنية دون تذمر أو شكوى، وتتابع قائلة: "كان صبورا إلى أبعد حد، ويتحمل الصعوبات بابتسامة لا تفارق وجهه. وفي الفترات الصعبة السابقة، كان دائما يربت على كتفي ويصبرني. كلمات التثبيت تلك أرددها اليوم في غيابه، وأقول لنفسي إنني أعيش برحمة الله أولا، ثم بكرامات زوجي الشهيد الذي أحبه الناس لخدمته وسعيه الدؤوب في قضاء حوائجهم دون مقابل".
لم يكن ياسر لزوجته مجرد شريك عمر، بل كان عائلة بأكملها تغنيها عن الدنيا وما فيها. وتتحرك أمواج الذكريات في قلب إسراء كلما لاح في الأفق مشهد البحر؛ فقد كان شاطئ غزة وجهتهما المفضلة دائما للترويح عن النفس وملاذا آمنا يهربان إليه من ضيق الحصار ومكابدات الحياة. هذا البحر بات اليوم بالنسبة لإسراء مرآة حزينة تستحضر فيها ملامحه، وصوته، وصبره المعهود.
الوداع الأخير.. ونبوءة الفراق المباغتتلك الحياة الجميلة التي عاشاها معا حملت في أواخر أيامها نبوءة فراق مباغت لم تدرك إسراء أبعادها العميقة إلا بعد رحيله شهيدا. تتذكر إسراء بدقة ملامح وجهه في اللحظات الأخيرة التي جمعتهما داخل بيتهما، حين نظر إليها فجأة، ومن فرط تعلقه خاف عليها من ألم الفقد، قال لها بصوت هادئ: "خففي حبكِ لي يا إسراء". صُدمت الزوجة من العبارة المفاجئة، لكنها قابلت الكلمات بابتسامة محبة قائلة: "أنتَ حب حياتي الوحيد، ولآخر يوم في عمري سأظل أحبك"، ليعانقها بعد سماع كلماتها ويقبل رأسها، داعيا الله بقلب صادق ألا يحرمهما من بعضهما في الدنيا والآخرة.
لم يأتِ الصباح المنتظر بياسر إلى بيته كما وعد زوجته وطفلته، بل جاء بالنبأ الفاجع الذي أوقف تدفق الزمن بالنسبة لإسراء. وقع خبر استشهاده على مسامعها كالصاعقة، وكان صدمة عاتية ومزلزلة لم تقو عاطفتها على استيعابها أو تصديقها في اللحظات الأولى من سماعها.
لم تكن إسراء تعلم حينها أن هذا العناق الدافئ سيكون العناق الأخير لهما في هذه الدنيا. فبعد مغادرته المنزل متوجها إلى ميدان عمله، شعرت بقلق يساورها، فاتصلت تطلب منه العودة سريعا لحاجتهم لوجوده بجانبهم، فأجابها بنبرته الواثقة المطمئنة: "والله يا حبيبتي أنا الصبح إن شاء الله راجع إليكم، لا تقلقي". ثم طلب الحديث إلى طفلتهما الصغيرة "عبير" التي كانت تبكي خلف الهاتف مستعجلة عودته، فأوصاها بكلمات وداعية بقيت محفورة في وعيها الصغير: "يا بابا ديري بالك على ماما، واسمعي كلامها، وإن شاء الله برجع أشوفكم على خير".
الصدمة المباغتة.. وحرمان الوداعلم يأتِ الصباح المنتظر بياسر إلى بيته كما وعد زوجته وطفلته، بل جاء بالنبأ الفاجع الذي أوقف تدفق الزمن بالنسبة لإسراء. وقع خبر استشهاده على مسامعها كالصاعقة، وكان صدمة عاتية ومزلزلة لم تقو عاطفتها على استيعابها أو تصديقها في اللحظات الأولى من سماعها. وما زاد من مرارة تلك اللحظة القاسية، وترك جرحا غائرا لا يندمل في قلب الزوجة الشابة، أنها حُرمت من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جسده، وحُرمت من تشييعه إلى مثواه الأخير، ليبقى وجهه كما رأته في بيتها آخر مرة؛ حيا، مبتسما، ومشرقا في مخيلتها.
ثقل الغياب ومواجهة عواصف المسؤولية
بعد رحيل السند، انقلبت حياة إسراء رأسا على عقب، وتحولت الطمأنينة السابقة إلى معركة يومية قاسية لمواجهة الفقد والوحدة، وسط حرب إبادة شرسة تشن على قطاع غزة. وجدت إسراء نفسها، في غياب زوجها، مرغمة على تحمل مسؤوليات جِسام واتخاذ قرارات مصيرية كاسرة؛ بدأت من قرار النزوح المرير تحت القصف من مكان إلى آخر، مرورا بمرض طفلتهما الوحيدة "عبير" وتعرضها لصدمة نفسية حادة، تسببت بانتكاسة صحية لها إثر غياب والدها المفاجئ، وصولا إلى فاجعة استشهاد عدد من إخوتها وأقاربها المحببين إلى قلبها.
تقول إسراء بنبرة يملؤها الكبرياء رغم الوجع: "ترك غياب ياسر في حياتي فراغا عظيما لا يمكن لأحد أن يملأه. كنت أستند إليه في كل صغيرة وكبيرة، وحتى في تفاصيل عملي اليومي. بعد غيابه، أدركت أن عليّ أن أكون قوية صلبة، قوة تليق بحمل لقب (زوجة الشهيد ياسر الطويل)؛ ذلك البطل الذي كان يقول لي دائما في حياته: "أنا قوي بكِ يا إسراء". لم أكن أدرك حينها أنني أنا من كنت أستمد كل قوتي وعزيمتي منه. واليوم، أنا أستجمع كل ما تبقى في روحي من قوة لأجل ابنتي عبير، ولأكمل مسيرتنا التربوية والوطنية معا، مرددة بيقين ثابت: "إن الله لا يضيع أجر الصابرين".
بقايا راحل لا يغيب.. ورسائل حية للسماء
لم يفلح الموت في تغييب ياسر عن تفاصيل البيت الصغير؛ فما زالت إسراء تحتفظ بعلبة عطره الخاصة، كرفيق دائم يفوح في أرجاء المكان ليستحضر وجوده في كل لحظة. كما أنها تصر على ارتداء سترته المفضلة لتبقى قريبة من دفئه وأنفاسه. وحين تلاحظ طفلتهما عبير تلك السترة وتحتضن أمها، تبتسم الأم بمرارة وتواسيها قائلة: "عندما أرتدي هذه السترة يا حبيبتي، اعتبريني بابا". تزرع إسراء في قلب ابنتها اليقين الدائم باللقاء القريب، وتقول لها: "بابا في الجنة، مكان أجمل بكثير، هو يسمعك ويراك الآن، ويحب أن تدعي له دائما وأن يراك متفوقة وتقرئين القرآن الكريم".
تصف إسراء واقعها الحالي وواقع آلاف النساء في قطاع غزة بعبارة بليغة تختصر حكاية وطن كامل: "نصفنا ذهب إلى الجنة، والنصف الآخر لا زال هنا مكافحا في الحياة". وعلى هذا العهد والوفاء، لا تزال إسراء حتى اليوم ترسل لياسر رسائل نصية قصيرة عبر هاتفه المحمول، وتتحدث معه في مناجاتها بيقين راسخ بأنه يسمعها ويشعر بها، تخبره في رسائلها عن حجم الشوق وعِظَم الحاجة إليه في تفاصيل تفوق طاقتها، مؤكدة له أنها ستبقى تسير بحزم على خطى كل ما كان يحبه ويوصي به.
ترحل أجساد المقاومين وتوارى تحت الثرى، لكن أرواحهم تظل تحرس تفاصيل البيوت والقلوب التي تركوها وراءهم كأمانة غالية.
وتختتم إسراء حديثها الممزوج بالفخر والاعتزاز قائلة: "أقول لابنتي دائما لترفع رأسها عاليا: أنتِ عبير ياسر الطويل، هذا الاسم الذي هز الأرض ولن ينسى، الرجل الذي كان هينا لينا حنونا مع أحبابه وأهله، شديدا صلبا على أعدائه. ونحن اليوم على هذه الأرض المباركة لا نعرف مصيرنا أو متى سنلتحق به، لكنني أسأل الله عز وجل أن يخلد ذكراه في قلوب الناس".
ترحل أجساد المقاومين وتوارى تحت الثرى، لكن أرواحهم تظل تحرس تفاصيل البيوت والقلوب التي تركوها وراءهم كأمانة غالية. تمضي إسراء اليوم في طريقها الصعب والشائك، متسلحة بذكرى زوجها الحية، وبعطر سترته التي لم تبرد بعد، وبملامح ابنتها "عبير" التي تكبر يوما بعد يوم على عهد أبيها البطل.
إنها قصة تختزل حال آلاف الزوجات الصابرات في غزة؛ نساء يعشن بنصف قلب في الدنيا ونصف قلب في السماء، ينتظرن اللقاء المؤجل في الفردوس الأعلى، ومعهن يقين ثابت لا يتزعزع بأن غياب الفارس لا يعني أبدا غياب الفكرة، وأن السيرة الطيبة للمقاوم هي الإرث الحقيقي الوحيد الذي لا يموت ولا يندثر بمرور السنين.