الحرب كخيار سياسي... نتنياهو في مواجهة أزمات الداخل
19 يوليو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم تهزّ الحرب على إيران صورة بنيامين نتنياهو الأمنية فحسب، بل أصابت جوهر المشروع السياسي الذي بناه طوال سنوات. ومع اقتراب الانتخابات، يتجه رئيس الوزراء الإسرائيلي نحو تصعيد المواجهة مع القضاء والمؤسسات الرسمية وحزبه نفسه، في محاولة لتجنب انهيار سياسي قد ينهي مسيرته.
ارتبط اسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على امتداد مسيرته السياسية، بإيران أكثر من أي ملف آخر. فقد بنى خطابه الأمني والسياسي على تقديم طهران بوصفها تهديدا وجوديا دائما لإسرائيل، وحوّل البرنامج النووي الإيراني إلى محور رئيسي في حملاته الانتخابية وتحالفاته الدولية.
وعلى مدى سنوات، قاد نتنياهو حملة واسعة لإقناع الولايات المتحدة بالانسحاب من الاتفاق النووي، وهي الخطوة التي وصفها الجنرال الإسرائيلي المتقاعد إسحاق بن إسرائيل بأنها من أسوأ الأخطاء الاستراتيجية في تاريخ إسرائيل، بعدما أسهمت في دفع إيران إلى مزيد من التشدد والاقتراب من تطوير قدرات نووية يمكن استخدامها للردع.
كان نتنياهو يريد لهذه الحرب أن تكون ذروة مشروعه الأمني، والانتصار الذي يطوي صفحة الإخفاق العسكري والاستخباراتي في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
كما دأب نتنياهو على التحذير من أن امتلاك إيران سلاحا نوويا سيعني هجوما وشيكا على إسرائيل، متجاهلا أن إيران دولة كبيرة، يزيد عدد سكانها على 90 مليون نسمة، ولديها حسابات داخلية وإقليمية معقدة، وأن امتلاك السلاح النووي لا يعني بالضرورة استخدامه، كما يظهر من تجارب الدول النووية الأخرى.
ولم تكن فكرة شن حرب على إيران تحظى دائما بإجماع داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. فقد سبق لرئيس جهاز الموساد الأسبق مئير داغان أن حذّر، منذ عام 2011، من أن مهاجمة إيران قد تسرّع سعيها لامتلاك قنبلة نووية، واصفا خيار الحرب بأنه بالغ الخطورة والافتقار إلى الحكمة.
حرب كان يفترض أن تمحو إخفاق 7 أكتوبر
رغم هذه التحذيرات، نجح نتنياهو خلال سنوات حكمه الطويلة في إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، وتوسيع نفوذه داخلها، والدفع بشخصيات أكثر انسجاما مع توجهاته إلى مواقع حساسة.
كما استطاع تحويل الحرب على إيران إلى قضية تحظى بتأييد واسع داخل إسرائيل. وأظهرت استطلاعات رأي أُجريت في آذار/مارس أن أكثر من 80 في المئة من الإسرائيليين أيدوا الحرب، في وقت التقت فيه غالبية قوى المعارضة مع موقف الحكومة.
كان نتنياهو يريد لهذه الحرب أن تكون ذروة مشروعه الأمني، والانتصار الذي يطوي صفحة الإخفاق العسكري والاستخباراتي في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. فهزيمة إيران، في تصوره، كانت ستقدم للإسرائيليين رواية بديلة: قيادة أخفقت في منع هجوم 7 أكتوبر، لكنها أعادت بناء الردع وغيّرت وجه المنطقة.
لم يكن توقيت الحرب مرتبطا بإيران وحدها، بل بالحسابات الانتخابية الإسرائيلية أيضا. فقد كان نتنياهو يعوّل على تحقيق نصر عسكري يسمح له بإعادة تعبئة الشارع خلفه قبل الانتخابات المرتقبة في تشرين الأول/أكتوبر.
إلا أن الحرب لم تحقق أهدافها المعلنة، ولم تؤدِّ إلى إخضاع إيران أو إنهاء قدرتها على تهديد إسرائيل. وعلى العكس، خرجت طهران بموقع أقوى في بعض جوانب المواجهة مع واشنطن، وانتقلت إلى ممارسة ضغط مباشر على الولايات المتحدة حول طرق الملاحة في مضيق هرمز، فاتحة جبهة استنزاف لم تكن قائمة قبل اندلاع الحرب.
ولم يقتصر الفشل على النتائج العسكرية، بل امتد إلى انهيار التصور الأمني الذي بناه نتنياهو حول إيران. فالرجل الذي قدم نفسه لسنوات بوصفه السياسي الوحيد القادر على فهم الخطر الإيراني والتعامل معه، وجد أن الحرب التي أرادها تتويجا لمسيرته قد تتحول إلى الحدث الذي ينهيها.
من الحرب الخارجية إلى مواجهة مؤسسات الدولة
لم يكن توقيت الحرب مرتبطا بإيران وحدها، بل بالحسابات الانتخابية الإسرائيلية أيضا. فقد كان نتنياهو يعوّل على تحقيق نصر عسكري يسمح له بإعادة تعبئة الشارع خلفه قبل الانتخابات المرتقبة في تشرين الأول/أكتوبر.
لكن نتائج الحرب بدأت تدفع ميزان القوى لمصلحة المعارضة، في ظل تراجع موقع الحكومة وفشلها في تقديم إنجاز حاسم. وأمام هذا التحول، اختار نتنياهو فتح جبهة أخرى، لا تستهدف خصوما خارجيين، بل مؤسسات الدولة الإسرائيلية نفسها.
في مراحل سابقة، استخدم نتنياهو خطاب الهوية والانقسام الاجتماعي لإضعاف النخب التقليدية، ودفع شخصيات يمينية وأيديولوجية إلى مواقع مؤثرة في القضاء والإعلام والأجهزة الرسمية. لكن صراعه مع المؤسسات بلغ مستوى جعل حتى بعض الشخصيات التي عيّنها بنفسه تنقلب عليه.
ويبرز في هذا السياق المستشار القضائي السابق للحكومة أفيحاي ماندلبليت، الذي وصل إلى منصبه بدعم من نتنياهو، قبل أن يقرر توجيه لوائح اتهام ضده في قضايا فساد.
يواجه نتنياهو أزمة موازية داخل حزب الليكود. فاستطلاعات الرأي لا تمنح الحزب نتائج مريحة، ما دفعه إلى محاولة تعديل نظام الانتخابات التمهيدية، بصورة تتيح له تعيين ثمانية مرشحين مباشرة في قائمة الحزب.
بعد ذلك، انتقل نتنياهو من محاولة تغيير النخب إلى إضعاف المؤسسات ذاتها، عبر تقليص صلاحيات المستشارة القضائية للحكومة، واستهداف هيئة البث العام، ومواصلة الهجوم على الجهاز القضائي والمحكمة العليا.
وقد ذهب وزراء في حكومته مؤخرا إلى التلويح بعدم الالتزام بأحكام المحكمة العليا، بما يهدد باندلاع أزمة دستورية مفتوحة بين السلطتين التنفيذية والقضائية.
وتزامن ذلك مع تصريحات منسوبة إلى رئيس جهاز الشاباك دافيد زيني، الذي عيّنه نتنياهو، أشار فيها إلى أن اختياره للمنصب ارتبط بقدرته على الحفاظ على ولائه للمستوى السياسي المنتخب. وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في ظل احتمال توسع المواجهة بين الحكومة والقضاء، ودخول الأجهزة الأمنية على خط أزمة الشرعية داخل إسرائيل.
أزمة التجنيد واهتزاز الليكودعلى الرغم من نفوذ نتنياهو الواسع داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية، فإنه لم يتمكن من احتواء مطالبة قيادة الجيش بفرض التجنيد على الحريديم.
فالحروب المتواصلة منذ 7 أكتوبر فاقمت أزمة نقص الجنود، وأرهقت قوات الاحتياط، ورفعت الحاجة إلى توسيع قاعدة التجنيد. لكن نتنياهو يرفض المخاطرة بخسارة الأحزاب الحريدية التي يعتمد عليها ائتلافه، ويدفع بدلا من ذلك نحو قوانين تمنح امتيازات إضافية للشبان الحريديم الذين يمتنعون عن الخدمة العسكرية بحجة التفرغ لدراسة التوراة.
ويواجه نتنياهو أزمة موازية داخل حزب الليكود. فاستطلاعات الرأي لا تمنح الحزب نتائج مريحة، ما دفعه إلى محاولة تعديل نظام الانتخابات التمهيدية، بصورة تتيح له تعيين ثمانية مرشحين مباشرة في قائمة الحزب.
وأثارت هذه الخطوة مخاوف من تمرد داخلي، خصوصا لدى قيادات ترى أن نتنياهو يحاول إحكام قبضته على الحزب، ومنع صعود أي بديل محتمل له.
انهيار الرواية التي بناها نتنياهو
لا ينظر نتنياهو إلى إخفاق الحرب على إيران باعتباره تعثرا عسكريا عابرا، بل تهديدا وجوديا لمسيرته السياسية. فإيران لم تكن ملفا من ملفات حكمه، وإنما الركيزة الأساسية للرواية التي قدم بها نفسه للإسرائيليين: القائد القادر على حماية الدولة، وقراءة المخاطر قبل غيره، واتخاذ القرارات التي يخشى الآخرون اتخاذها.
ومع انهيار هذه الرواية، يبدو نتنياهو مستعدا للذهاب بعيدا في صراعه من أجل البقاء. وتكشف خطاباته خلال السنوات الأخيرة عن إحساس متزايد بالدور التاريخي والقدر الشخصي، وعن قناعة بأنه يمثل مرحلة مفصلية في تاريخ إسرائيل.
وفي ظل هذا المشهد، قد تتحول معركة نتنياهو المقبلة من مواجهة مع إيران إلى مواجهة مع الدولة الإسرائيلية نفسها، ومؤسساتها وقوانينها وتوازناتها، في محاولة أخيرة لتجنب سقوطه السياسي والشخصي.
لكن بيت الأوراق الذي بناه بدأ يتداعى؛ فالحرب لم تحقق النصر، والمؤسسة العسكرية تطالب بقرارات لا يستطيع اتخاذها، والقضاء يواصل ملاحقته، والليكود يشهد تململا داخليا، فيما تستعيد المعارضة قدرتها على المنافسة.
وفي ظل هذا المشهد، قد تتحول معركة نتنياهو المقبلة من مواجهة مع إيران إلى مواجهة مع الدولة الإسرائيلية نفسها، ومؤسساتها وقوانينها وتوازناتها، في محاولة أخيرة لتجنب سقوطه السياسي والشخصي.