"جسور نيوز".. تكلم كما يريد الاحتلال
18 يوليو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
تقدّم منصة "جسور نيوز" نفسها بوصفها صوتا مستقلا يعكس نبض الشارع العربي، وتنشر يوميا عشرات المقاطع المصورة من مدن عربية مختلفة، مستندة إلى شهادات الناس وآرائهم المباشرة. لكن خلف هذه الصورة البسيطة، تكشف وثائق واتصالات مسرّبة عن شبكة أكثر تعقيدا، تتقاطع فيها الصحافة مع الدعاية السياسية، وتظهر فيها صلات بجهات أمنية ومؤسسات مؤيدة لإسرائيل.
بدأت القصة في أيار/مايو 2024، في وقت كان قطاع غزة يواجه واحدة من أشد أزماته الإنسانية. كانت المساعدات تتراجع، ومعدلات سوء التغذية ترتفع، بينما حذرت وكالات الأمم المتحدة من اقتراب المجاعة.
في تلك الأثناء، تواصل محرر بارز في "جسور" مع ناشط مناهض لحركة حماس في غزة، طالبا منه تصوير مشاهد محددة من الأسواق؛ فواكه وخضروات، أمهات يشترين الحليب، أطفال يلعبون بالماء، وأشخاص يطبخون ويتناولون الطعام.
أُطلقت المنصة رسميا في آذار/مارس 2024، وسرعان ما حققت انتشارا واسعا. تجاوز عدد متابعيها على فيسبوك المليون، وحصدت مقاطعها على يوتيوب عشرات الملايين من المشاهدات.
لم تكن المشكلة في تصوير الحياة اليومية بحد ذاتها، بل في انتقاء صورة منفصلة عن سياقها، يمكن أن تُستخدم لنفي الأزمة بدل تفسيرها. لم يرسل الناشط المواد المطلوبة، ولم تظهر هذه المقاطع لاحقا على المنصة، لكن الطلب كشف مبكرا عن طبيعة الزاوية التحريرية التي تسعى "جسور" إلى بنائها.
أُطلقت المنصة رسميا في آذار/مارس 2024، وسرعان ما حققت انتشارا واسعا. تجاوز عدد متابعيها على فيسبوك المليون، وحصدت مقاطعها على يوتيوب عشرات الملايين من المشاهدات.
يعتمد نموذجها على فيديوهات قصيرة وخفيفة الإيقاع، يظهر فيها مواطنون من الشارع العربي يتحدثون عن السياسة والمجتمع والحرب. كثير من هذه المقاطع يقدّم أصواتا تنتقد حماس أو حزب الله أو إيران، أو تدعو إلى التفاوض والتطبيع مع إسرائيل.
وتكمن قوة المنصة في بساطة الشكل: لا استوديوهات ضخمة، ولا نشرات مطولة، بل وجه عابر في شارع عربي، وكلمات قليلة تبدو تلقائية. غير أن هذه العفوية الظاهرة قد تخفي وراءها اختيارا دقيقا للأصوات والموضوعات واللحظات.
حضور داخل مناطق مغلقة
برز اسم "جسور" بصورة أكبر خلال تغطيتها لسوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، إذ تمكنت من الوصول إلى شخصيات سياسية ومسؤولين وناجين من السجون، وغطّت مناطق تخضع لقوى متباينة.
لكن التحول الأبرز جاء من قطاع غزة، عندما بدأت المنصة نشر تقارير من مناطق تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية الكاملة، ولا يُسمح لمعظم وسائل الإعلام الفلسطينية والدولية بدخولها.
قدّمت "جسور" تسجيلات ومقابلات من شرق رفح مع مجموعات مسلحة مناهضة لحماس تتلقى دعما من إسرائيل، من بينها مجموعة أبو شباب وميليشيات أخرى. ووصفت بعض قادتها بمصطلحات مثل "منسق منطقة إنسانية" أو "منسق منطقة آمنة"، وهي توصيفات تقترب من الخطاب الإسرائيلي بشأن المناطق الواقعة تحت سيطرة هذه الجماعات.
تشير مراسلات مسرّبة من "معهد دراسات الأمن القومي" الإسرائيلي إلى علاقة بين "جسور" و"مركز اتصالات السلام"، وهو مؤسسة أميركية يقودها الباحث جوزيف براود، وتعمل على تعزيز العلاقات العربية الإسرائيلية ومواجهة ما تصفه بالسرديات المتطرفة.
في المقابل، كثّفت المنصة تغطية انتهاكات حماس وسجونها، وعقدت مقارنات بينها وبين سجون نظام الأسد، لكنها لم تقدم تغطية مماثلة للانتهاكات الواسعة التي يتعرض لها الفلسطينيون والسوريون في السجون الإسرائيلية.
هذا التفاوت لا يثبت وحده وجود توجيه سياسي، لكنه يصبح أكثر دلالة عند قراءته إلى جانب الوثائق المسرّبة.
من يقف خلف "جسور"؟
تشير مراسلات مسرّبة من "معهد دراسات الأمن القومي" الإسرائيلي إلى علاقة بين "جسور" و"مركز اتصالات السلام"، وهو مؤسسة أميركية يقودها الباحث جوزيف براود، وتعمل على تعزيز العلاقات العربية الإسرائيلية ومواجهة ما تصفه بالسرديات المتطرفة.
إحدى الرسائل المسرّبة تحدثت عن سعي براود إلى إقامة شراكات مع جهات أمنية وسياسية إسرائيلية لدعم نشاط المركز. وذكرت وثيقة أخرى أن المعهد ساعد في ربطه بمصادر داخل المؤسسة الاستخباراتية الإسرائيلية، بهدف دعم مشاريع تروّج لفكر مؤيد للغرب وإسرائيل في دول المنطقة.
وتظهر وثائق أخرى أن "جسور" لم تكن مجرد منصة تنشر بعض المواد التابعة للمركز، بل أداة أساسية في نشاطه الإعلامي.
في أيلول/سبتمبر 2025، عُقد اجتماع سري في قبرص ضم صحفيين وباحثين ومؤثرين من الأردن وإسرائيل، بحضور مسؤول دبلوماسي إسرائيلي. ووفق ملخص مسرّب، نظم الاجتماع "مركز اتصالات السلام" و"جسور"، وناقش إنتاج مقاطع تهدف إلى تحسين صورة إسرائيل في الأردن، ودحض ما وُصف بنظريات المؤامرة المعادية لها.
لا تبدو "جسور"، في ضوء هذه المعطيات، مجرد منصة عربية ذات خط تحريري مثير للجدل، بل نموذجا أكثر تطورا للإعلام السياسي المعاصر: منصة تتحدث بلهجة محلية، تستخدم وجوها عربية، وتقدّم رسائلها في صورة شهادات عفوية، بينما تتحرك داخل شبكة من المؤسسات والتمويلات والأهداف السياسية غير المعلنة.
كما تكشف بيانات الشفافية على فيسبوك أن صفحة "جسور" أُنشئت أصلا عام 2019 باسم "المجلس العربي للتكامل الإقليمي"، وهو مشروع سابق للمركز، عمل على انتقاد حملات مقاطعة إسرائيل والمساهمة في تهيئة المناخ لاتفاقيات التطبيع.
أما رئيسة تحرير "جسور"، هديل عويس، فتعمل مباشرة لدى "مركز اتصالات السلام"، ويعرّفها المركز بأنها المسؤولة عن اتصالاته العربية.
صحفيون لا يعرفون الجهة الحقيقية
ربما تكون النقطة الأكثر حساسية في القضية هي أن بعض المتعاونين مع "جسور" في سوريا وغزة قالوا إنهم لم يكونوا على علم بهذه الروابط.
عمل هؤلاء باعتبارهم مراسلين أو مصورين لمنصة يعتقدون أنها مستقلة، مقابل رواتب شهرية أو مبالغ عن كل تقرير. لكن بعضهم اكتشف أن المواد التي ينتجونها تخضع لانتقاء تحريري صارم، خصوصا حين يتعلق الأمر بانتقاد إسرائيل.
وقال أحد المتعاونين من غزة إن انتقاد حماس وإسرائيل معا قد يؤدي إلى حذف الجزء المتعلق بإسرائيل، والإبقاء على النقد الموجه إلى حماس وحدها.
الخطر هنا لا يكمن فقط في الانحياز، فكل مؤسسة إعلامية تحمل زاوية ما، بل في تقديم مشروع سياسي منظم على أنه صحافة مستقلة، وفي تحويل أصوات الشارع العربي إلى غطاء لرسائل صيغت في أماكن أخرى.
كما أن مراسلي المنصة في غزة لا يحملون عادة ميكروفونات تظهر شعارها، ما يعني أن بعض الأشخاص قد يظهرون في تقاريرها من دون أن يعرفوا هوية الجهة التي تجري المقابلة معهم، الأمر الذي قد يعرّضهم للخطر.
لا تبدو "جسور"، في ضوء هذه المعطيات، مجرد منصة عربية ذات خط تحريري مثير للجدل، بل نموذجا أكثر تطورا للإعلام السياسي المعاصر: منصة تتحدث بلهجة محلية، تستخدم وجوها عربية، وتقدّم رسائلها في صورة شهادات عفوية، بينما تتحرك داخل شبكة من المؤسسات والتمويلات والأهداف السياسية غير المعلنة.
الخطر هنا لا يكمن فقط في الانحياز، فكل مؤسسة إعلامية تحمل زاوية ما، بل في تقديم مشروع سياسي منظم على أنه صحافة مستقلة، وفي تحويل أصوات الشارع العربي إلى غطاء لرسائل صيغت في أماكن أخرى.