فلاحو الضفة... معاول في وجه الاستيطان
15 يوليو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم تكن الأرض في فلسطين يوما مجرد امتداد من التراب، ولا رقعة جغرافية تُقاس بالحدود والمساحات، أو مجرد أرض تنبت محاصيل زراعية لأصحابها، بل كانت نبضا يسري في عروق أهلها، وذاكرة تحفظ أسماء الغائبين، وهوية لا تكتمل إلا بها، على ترابها كانت الحكايات، وكبر الصغار في رحاها، وعند أشجار الزيتون تعلق الفلسطيني بها كتعلق الجذور بأعماق الأرض.
ورغم هذا الارتباط العميق بالأرض، لم تسلم يوما من محاولات الاقتلاع والاستيلاء. فمنذ عقود، تتعرض الأراضي الفلسطينية لاعتداءات متواصلة، تصاعدت في الآونة الأخيرة على نحو غير مسبوق، مع إمعان قوات الاحتلال والمستوطنين في تجريف الحقول، واقتلاع أشجار الزيتون، وإحراق المحاصيل، ومصادرة الأراضي والاستيلاء عليها بالقوة.
في هذا التقرير، يروي عدد من المزارعين لـ"الميدان" ما تمثله الأرض في حياتهم، وكيف تحوّل الوصول إليها والعمل فيها إلى معركة يومية، يواجهون خلالها محاولات متواصلة لانتزاعها منهم وقطع صلتهم بها.
تغيير الوقائع على الأرض
وتُعدّ قرى شمال الضفة الغربية، ولا سيما في محافظات نابلس وجنين وطوباس وطولكرم، من أكثر المناطق تضررا من التوسع الاستيطاني، في ظل انتشار المستوطنات وشقّ الطرق الالتفافية التي تعزل القرى عن أراضيها الزراعية وتقطع التواصل بينها. وقد تصاعدت وتيرة الاعتداءات منذ بدء العملية التي أطلق عليها الاحتلال اسم "السور الحديدي" في 21 كانون الأول/ديسمبر 2025، إذ سعى إلى فرض واقع جديد في شمال الضفة عبر تدمير البنية التحتية وتوسيع إجراءات السيطرة والتضييق على السكان.
ذكرت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، نفذوا 1659 اعتداء ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم خلال شهر مايو الماضي، فيما استولى المستوطنين على ما يزيد 11520 دونما من الأراضي الزراعية.
في المقابل، ذكرت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن جيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، نفذوا 1659 اعتداء ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم خلال شهر مايو الماضي، فيما استولى المستوطنين على ما يزيد 11520 دونما من الأراضي الزراعية. وتفيد الإحصاءات فإنه تم شق 223 كم من الطرق الترابية دون ترخيص رسمي، ونصفها على أراض فلسطينية خاصة أو أراض ليست أراضي تابعة للدولة.
ومن المواطنين الذي عانوا من الاعتداء، شامخ حنايشة (34 عاما) من بيت دجن في مدينة نابلس، لديه بير ارتوازي بتكلفة 2 مليون شيكل، ولكن الجيش الإسرائيلي لم يسمح له العمل، فدمر البئر وأغلقه، بعد جهد أكثر من عامين لإنشائه، والمبرر إعطاء مياه لأراضي زراعية مهددة بالمصادرة.
شهادات مزارعين: لكل منهم حكاية مع الاعتداء
يقف فراس رحّال (45 عاما) في أرضه الواقعة في منطقة الرأس الشمالي ببلدة عرّابة، ويقلّب بين يديه ثمرة ليمون قطفها للتو من إحدى أشجاره. يقول: "أمتلك نحو خمسة دونمات، وتجاور أرضي أراضي أبناء عمومتي. في السابق، كنت أصطحب زوجتي وأولادي لقضاء الوقت هنا، أما اليوم فلا أستطيع الوصول إلى الأرض إلا في أيام محددة بسبب انعدام الأمان. أخشى عليهم من اعتداءات المستوطنين، ولذلك أرفض إلحاحهم المتكرر على مرافقتي".
ولا يختلف حال الناشط المجتمعي منال زيدان، صاحب أرض تُعرف باسم "قطعة الجمل" وتقع عند مدخل سهل رامين، عن حال كثير من المزارعين. وتبلغ مساحة أرضه سبعة دونمات، تغطيها أشجار الزيتون المثمرة والمعمّرة.
وبينما يتأمل صور أرضه التي كانت عامرة بأشجار الزيتون، يقول: "خلال موسم القطاف في العام الماضي، هاجمنا المستوطنون، فتصدّينا لهم، لكنهم عادوا لاحقا وأضرموا النار في المنطقة، وطالت النيران أرضي. كما كنت قد زرعت خمسين شتلة زيتون، إلا أن أحد المستوطنين أدخل قطيعا من الأغنام إلى الأرض واقتلع الشتلات جميعها".
وبحسب التقارير فإنه خلال 2023_2025، أقيمت 185 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، وغالبيتها مزارع وبؤر استيطانية جبلية، وتسيطر هذه المزارع على أكثر من مليون دونم، أي 18% من اجمالي مساحة الضفة الغربية.
"نصب المستوطنون خيمة بمحاذاة أرضي في 19 نيسان/أبريل 2026، وبعد نحو أسبوع هدمها جيش الاحتلال، فعادوا ونصبوا خيمة أخرى داخل أرضي، بعدما اقتلعوا عددا من أشجار التين والزيتون. كما يهاجمون المنازل يوميا بالحجارة، وقد هدموا جزءاً من منزلي وأحرقوا سيارة كانت متوقفة داخله".
أما محمود الطوباسي (61 عاما)، وهو مزارع من قرية شادي جالود قضاء نابلس، فقد أُصيب خلال انتفاضة الأقصى عام 2001، ما تسبب له بشلل في قدمه اليسرى. وتمثل الأرض مصدر رزقه الأساسي، ولا سيما بعد قطع مخصصات الجرحى، إذ لم يعد لديه مورد دخل آخر يعتمد عليه.
ورث الطوباسي عن والده أرضا تبلغ مساحتها 13 دونما، لكنه بات يواجه محاولات متواصلة للاستيلاء عليها. ويقول بمرارة: "نصب المستوطنون خيمة بمحاذاة أرضي في 19 نيسان/أبريل 2026، وبعد نحو أسبوع هدمها جيش الاحتلال، فعادوا ونصبوا خيمة أخرى داخل أرضي، بعدما اقتلعوا عددا من أشجار التين والزيتون. كما يهاجمون المنازل يوميا بالحجارة، وقد هدموا جزءاً من منزلي وأحرقوا سيارة كانت متوقفة داخله".
تخريب ومحاولة للإرهاب
ولم يسلم حسام البذور، من قرية رابا قضاء جنين، من اعتداءات المستوطنين المتكررة على أهالي البلدة في أراضيهم وممتلكاتهم الخاصة. وتقع أرضه في منطقة "رأس المطل" شمال شرقي البلدة، بالقرب من طريق زراعي حوّله المستوطنون بالقوة إلى ممر لهم، وعلى مقربة من أراض سبق أن استولى عليها الاحتلال.
ويقول بأسى: "حطّموا عددا من الأشجار في أرضي، وخلعوا باب بئر المياه بالقوة وفتحوه. لم نعد نعرف ما الذي قد يضعونه داخله، ولذلك توقفنا عن الشرب من مياهه خشية أن يلقوا فيه مواد سامة".
في شمال الضفة الغربية، لم يعد الاستيطان مجرد تمدد عمراني، بل غولا يلتهم الأرض تحت حماية السلاح. وفي فلسطين، لا ينظر المزارع إلى أرضه بوصفها ترابا فحسب، بل باعتبارها جزءا من روحه وذاكرته ومصدر رزقه.
وفي السياق ذاته، يقول رئيس مجلس قروي زبوبا قضاء جنين، زكي جرادات، إن القرية تتعرض منذ بداية الحرب لهجمة متصاعدة، بدأت بمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم الواقعة ضمن مسافة مئة متر من الجدار، وسط إطلاق قوات الاحتلال النار على كل من يحاول الاقتراب منها.
ولم تقتصر الاعتداءات على التخريب والاعتقالات، بل امتدت إلى تجريف الأراضي واقتلاع أشجار الزيتون؛ إذ أزال الاحتلال في البداية أشجارا من مساحة خمسة دونمات، ثم وسّع عمليات التجريف لتطول 60 دونما، ولاحقا 126 دونما. ولا يزال خطر الاقتلاع يهدد ما تبقى من أشجار الزيتون المحيطة بالقرية من الجهتين الغربية والشمالية المحاذيتين للجدار.
في شمال الضفة الغربية، لم يعد الاستيطان مجرد تمدد عمراني، بل غولا يلتهم الأرض تحت حماية السلاح. وفي فلسطين، لا ينظر المزارع إلى أرضه بوصفها ترابا فحسب، بل باعتبارها جزءا من روحه وذاكرته ومصدر رزقه. لذلك، فإن استهدافها لا يعني خسارة مساحة جغرافية فقط، وإنما محاولة لاقتلاع الإنسان من ماضيه، وقطع الصلة التي تربطه بمستقبله.
ومع ذلك، تبقى الأرض تعرف أصحابها، كما تعرف أشجار الزيتون الأيدي التي غرستها وسقتها. وتظل الجذور، مهما حاصرتها الجرافات وامتدت إليها أيدي المستوطنين، تشق طريقها نحو الضوء، شاهدة على أن ما زُرع بالمحبة والانتماء لا يمكن اقتلاعه بالقوة.