"لقد قتلنا عائلتك".. حين تصبح المعلومة أداة لتعذيب الأسرى
14 يوليو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
"لقد قتلنا عائلتك" قالها ضابط الشاباك ببرود تام ثم التزم الصمت، لم يرفع صوته ولم يصرخ بي، ولم يحاول إقناعي بشيء، فقد كان يعرف أن جملة واحدة تكفي لتزرع حرباً كاملة داخل رأسي، قبلها بأيام، وبعد أن واصلت رفض الاستجابة لطلبه المتكرر بالتعاون معه، أخبرني أنه يعرف مكان إقامة عائلتي في مدينة غزة، فهمت الرسالة على أنها تهديد جديد من بين عشرات التهديدات التي اعتدنا سماعها في غرف التحقيق، لكن هذه المرة عاد ليقول إن التهديد أصبح واقعا، وإن عائلتي لم تعد على قيد الحياة.
لم يكن بين يدي ما أكذبه به، ولم يكن لدي ما أصدقه أيضاً، ومنذ تلك اللحظة لم يعد السجن يحيط بجسدي فقط، وإنما سيطر على عقلي أيضاً، أصبحت أعيش داخل سؤال واحد لا أملك له جوابا، من أبقى الاستهداف منهم، وهل قُتلوا جميعا في قصف شقتي؟
كان عقلي يفعل ما تفعله عقول البشر جميعاً حين تُحرم من اليقين يملأ الفراغ بالخيال، ويحوّل الاحتمالات إلى وقائع، ويعيد كتابة العالم كل ليلة بصورة مختلفة أكثر قسوة من التي سبقتها.
مرّ يوم، ثم أسبوع، ثم شهر، ثم أربعة أشهر ونصف، ولم يصلني خبر واحد من العالم الخارجي، مئة وأربعة وثلاثون يوماً عشتها معلقاً بين احتمالين، أن يكون الضابط كاذباً، أو أن تكون الكارثة قد وقعت فعلاً، وفي غياب الحقيقة، كان عقلي يفعل ما تفعله عقول البشر جميعاً حين تُحرم من اليقين يملأ الفراغ بالخيال، ويحوّل الاحتمالات إلى وقائع، ويعيد كتابة العالم كل ليلة بصورة مختلفة أكثر قسوة من التي سبقتها.
وحين زارني المحامي للمرة الأولى والوحيدة بعد 134 يوما، لم أشعر بالطمأنينة، حتى وجوده بدا موضع شك، سألت نفسي: هل هو محامٍ حقاً؟ أم وجه جديد من وجوه الشاباك؟ هل ما سيقوله حقيقة، أم جزء آخر من التحقيق؟
لكنه كان أول إنسان يحمل إليّ معلومة منذ اعتقالي، قال "إن عائلتي بخير وإنه يحمل منهم سلاما خاصا" لم أصدقه فوراً، كان الشك قد صار جزءاً من طريقة تفكيري، ومع ذلك كانت تلك أول معلومة تصلني منذ اعتقالي، وأول ثقب صغير في جدار المجهول.
ومنذ السابع من أكتوبر، عاش آلاف الأسرى شهوراً، وبعضهم أعواماً، محرومين من أي خبر عن عائلاتهم أو العالم خارج السجن، ليتحول غياب المعلومة إلى أحد أكثر أشكال التعذيب صمتاً وفتكاً، وأكثرها قدرة على العبث بعقل الإنسان.
حين يفقد العقل مرجعيته ..
في الأيام الأولى من الاعتقال، يبدو التفكير المفرط في العائلة والعالم الخارجي استجابة طبيعية، يحاول الأسير فيها أن يعيد تركيب ما يجري خارج جدران السجن اعتماداً على آخر صورة حملها معه قبل الاعتقال، يتذكر الأماكن، والوجوه، والأحاديث الأخيرة، ثم يبني عليها عشرات الاحتمالات، لكن مع مرور الأيام، يبدأ المنطق بالتآكل تدريجياً، فحين تنقطع الأخبار طويلاً، يفقد العقل مرجعيته الوحيدة، ويصبح كل احتمال قابلاً للتصديق، حتى أكثرها قسوة.
خلال عام من الجحيم قضيته داخل سجون الاحتلال، لم يتوقف عقلي عن إعادة بناء العالم، ليلة أتخيل أن الحرب انتهت وأن الجميع عاد إلى بيته، وأخرى أتصور أن غزة بأكملها اختفت..
وتزداد هذه الحالة قسوة لدى أسرى غزة، الذين يدركون أن عائلاتهم لا تعيش حياة اعتيادية، وإنما تعيش في أتون حرب إبادة طاحنة، وأن الموت يلاحق الناس في بيوتهم، ومراكز الإيواء، والطرقات، والمستشفيات، فيتحول الخوف من مجرد شعور إلى الاحتمال الأكثر حضورا، ومع كل يوم يمر بلا معلومة، يتسع الفراغ داخل العقل، فيملؤه بالسيناريو الأسوأ، حتى تغدو الكارثة المتخيلة أكثر إقناعاً من أي أمل لا يستند إلى خبر.
فخلال عام من الجحيم قضيته داخل سجون الاحتلال، لم يتوقف عقلي عن إعادة بناء العالم، ليلة أتخيل أن الحرب انتهت وأن الجميع عاد إلى بيته، وأخرى أتصور أن غزة بأكملها اختفت، مرة أرى عائلتي نازحة، وأخرى أراها تحت الأنقاض، لم يكن أي من هذه السيناريوهات قائماً على معلومة، لكنها كانت محاولات من العقل للهروب من عذاب الجهل ثم أعود فأقنع نفسي بأنهم بخير، قبل أن يهاجمني صوت المحقق من جديد: "لقد قتلنا عائلتك"
ضرورة الشائعة..
وتزامناً مع حرب الإبادة في غزة، خاض الأسرى شكلاً آخر من الإبادة، أقل ضجيجاً وأكثر قدرة على التسلل إلى الداخل، فقد حوّل الاحتلال المعلومة إلى سلعة نادرة، وإلى أداة للسيطرة النفسية لا تقل قسوة عن القيود والتجويع.
فداخل السجن، أصبحت المعلومة أثمن ما يمكن أن يصل إلى الأسير، كلمة يلتقطها أحدهم من جندي، أو عبارة عابرة يسمعها أسير أثناء نقله، أو ملامح غير مألوفة على وجه سجان، كانت تكفي لإشعال موجة من التأويلات، وخلال ساعات، تنتقل الرواية من غرفة إلى أخرى، ويضيف إليها كل راوٍ تفصيلاً جديدا استناداً إلى سيناريوهات عشعشت في عقله، حتى تستقر في أذهان الأسرى باعتبارها خبرا، رغم أن أحداً لا يعرف كيف بدأت ولا من أين جاءت.
أتذكر كيف كنا نفسر كل شيء، ارتفاع أصوات الطائرات يعني أن الحرب اشتدت، هدوؤها المفاجئ يعني أن وقف إطلاق النار اقترب، تأخر توزيع الطعام يحمل دلالة، وزيادة عدد الجنود في الساحة تحمل دلالة أخرى، حتى وجوه السجانين كانت تتحول إلى مادة للتحليل، ابتسامة عابرة قد تعني صفقة تبادل، وانفعال غير معتاد قد يعني سقوط قتلى في كمين في الشجاعية أو خان يونس.
مع مرور الوقت يتحول أي احتمال إلى فرضية يمكن أن تكون صحيحة في عقل الأسير، عندها تضعف المسافة بين الاحتمال والواقع، وتصبح الكارثة المتخيلة قادرة على استنزاف الإنسان كما لو أنها وقعت بالفعل.
بهذه الطريقة، يصبح العقل أسيرا لتحليل التفاصيل الصغيرة، لأنه فقد الوصول إلى الحقيقة الكبيرة، هذا الحرمان لا يحدث مصادفة فالعزل عن الأخبار جزء من منظومة السيطرة داخل السجون، فعندما يُحرم الإنسان من معرفة مصير عائلته، أو من إدراك ما يجري حوله، يفقد إحدى أهم وسائل التوازن النفسي، ويصبح أكثر هشاشة، وأكثر قابلية للتأثر بأي معلومة يقدمها المحقق أو السجان.
لم يكن كل ذلك مبالغة في التفكير، ولكنه كان نتيجة طبيعية لعقل حُرم طويلا من المعلومات، فالإنسان لا يحتمل الفراغ، وحين تنقطع الأخبار، يبدأ العقل بإنتاجها بنفسه، يحاول أن يربط بين أصوات الطائرات، وحركة السجانين، والشائعات المتداولة، ليصنع منها تفسيراً يمنحه شعوراً مؤقتاً باليقين.
ومع مرور الوقت يتحول أي احتمال إلى فرضية يمكن أن تكون صحيحة في عقل الأسير، عندها تضعف المسافة بين الاحتمال والواقع، وتصبح الكارثة المتخيلة قادرة على استنزاف الإنسان كما لو أنها وقعت بالفعل، ولهذا لا تنتشر الشائعات داخل السجن لأنها تُصدّق بسهولة، وإنما لأنها تمنح الأسرى تفسيراً مؤقتاً لعالم انقطعت أخباره عنهم.
هنا يجد المحقق فرصته، فهو لا يحتاج إلى أن يقنع الأسير بكذبة كبيرة، وإنما يكفيه أن يلقي في عقله معلومة واحدة لا يستطيع التأكد منها، بعدها يتولى الخوف بقية المهمة، يبدأ الأسير بطرح الأسئلة، ثم يبحث عن الإجابات بنفسه، ويملأ الفراغ باحتمالات لا تنتهي، حتى تتحول الكذبة الصغيرة إلى واقع كامل يعيشه في ذهنه.
لم يعد المحامي مجرد محامٍ ولكنه تحول إلى نافذة على العالم، لم يكن أول سؤال يدور في أذهاننا متعلقاً بالقضية أو بالمحكمة، وإنما بالعائلة، من بقي حياً؟ ماذا حدث للمدينة وأهلها؟ هل ما زال البيت قائما؟ هل انتهت الحرب؟
ولهذا يكون الخوف من غياب الخبر أقسى أحيانا من سماع خبر سيئ، فالخبر المؤلم يضع الإنسان أمام حقيقة واحدة، أما غياب الخبر فيتركه يعيش عشرات الحقائق المحتملة، ويعيد الخوف إليه كل يوم بصورة جديدة.
وخلال التحقيق، استغل المحققون هذا الفراغ مراراً، كانوا يلمحون إلى مقتل أشخاص، أو إلى تدمير مناطق كاملة، أو إلى أن أحداً لم يعد يبحث عنا، لم يكن الهدف دائماً انتزاع معلومة، ولكن كان الهدف زعزعة يقين الأسير، ودفعه إلى الشك في كل ما يؤمن به.
ومع مرور الأشهر، يبدأ أثر الحرمان من الأخبار بالتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، يصبح الوقت أثقل، ويصبح الانتظار هو النشاط الوحيد الذي يمارسه الأسير بإتقان، ينتظر موعد الطعام، ثم ينتظر العد، ثم ينتظر الليل، ثم ينتظر صباحاً جديداً لا يحمل جديداً، ينتظر أن يدخل محامي إلى القسم بطرف معلومة، وبعد ذلك ينتظر خبراً قد لا يأتي.
نافذة اسمها المحامي ..
في تلك الظروف، لم يعد المحامي مجرد محامٍ ولكنه تحول إلى نافذة على العالم، لم يكن أول سؤال يدور في أذهاننا متعلقاً بالقضية أو بالمحكمة، وإنما بالعائلة، من بقي حياً؟ ماذا حدث للمدينة وأهلها؟ هل ما زال البيت قائما؟ هل انتهت الحرب؟
وحين دخل المحامي عليّ بعد 134 يوما، لم أكن أبحث عن أي شيء سوى جواب واحد هل حقاً عائلتي بخير؟ كانت الزيارة قصيرة جداً فقط عشر دقائق هو الوقت المسموح فيه لكل أسير، لكنها أعادت ترتيب العالم كله داخلي، أخبرني أن عائلتي ما تزال على قيد الحياة، ولكن الحرب لم تنته، ولم تنته المعاناة، لكن تلك الكلمات الأربع كانت كافية لأن أتنفس للمرة الأولى منذ أشهر، أدركت عندها أن الإنسان يستطيع احتمال الجوع، والألم، والإرهاق، لكنه ينهار عندما يُترك طويلاً في مواجهة المجهول.
كان أصعب ما واجهته في السجن ليس ما رأيته بعيني وحسب، وإنما ما صنعه خيالي في غياب الحقيقة، فالجسد كان يعرف حدود ألمه، أما العقل، عندما يُترك وحيداً معزولاً في فراغ طويل، فلا يعرف أين يتوقف.
علمتني تجربة الاعتقال أن الاحتلال لا يحاول السيطرة على جسد الأسير فقط، وإنما على وعيه أيضاً، فالمعلومة والأخبار ليست رفاهية، ولكنها حاجة إنسانية أساسية، وحين تُحجب عمداً، تتحول إلى وسيلة تعذيب لا تترك أثراً على الجلد، لكنها تعيد تشكيل العقل من الداخل.
وربما لهذا السبب، كان أصعب ما واجهته في السجن ليس ما رأيته بعيني وحسب، وإنما ما صنعه خيالي في غياب الحقيقة، فالجسد كان يعرف حدود ألمه، أما العقل، عندما يُترك وحيداً معزولاً في فراغ طويل، فلا يعرف أين يتوقف.