ما تبقى لنا من عرّابة... قرية يلتهمها الاستيطان
13 يوليو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
تواجه بلدة عرابة الواقعة جنوب غرب مدينة جنين، وتحديداً منطقة "الرأس الشمالي" المحاذية لمستوطنة "عومك دوتان"، هجمة استيطانية شرسة وتصاعداً خطيراً في اعتداءات المستوطنين. ولم تعد هذه الانتهاكات تقتصر على مضايقات عابرة، بل تحولت إلى مخطط ممنهج يستهدف أرزاق المواطنين، وممتلكاتهم، وحتى أمن أطفالهم اليومي، في محاولة واضحة لتهجير الأهالي قسرياً عن أرضهم.
وتقع بلدة عرابة جنوب غرب محافظة جنين، وتجاور من جهتها الشمالية الغربية مستوطنة "عومك دوتان" المقامة على أراضٍ فلسطينية محتلة. وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت وتيرة اعتداءات المستوطنين في محيط البلدة، بالتزامن مع توسع النشاط الاستيطاني في شمال الضفة الغربية، حيث تنوعت الانتهاكات بين الاستيلاء على الأراضي الزراعية، ومنع المزارعين من الوصول إليها، والاعتداء على المواطنين وممتلكاتهم، في إطار سياسة تفرض واقعاً جديداً على الأرض، يحد من الوجود الفلسطيني ويعزز السيطرة الاستيطانية تدريجياً.
سلب الأراضي وتدمير مصادر الرزق
في شهادته حول الواقع المرير، يروي المواطن خالد رحال حجم الخسائر التي تكبدها قائلاً: "لقد صادر المستوطنون 63 دونماً من أرضي الخاصة، وهي أراضٍ مشجرة بالزيتون، واللوزيات، والعنب، والخروب، وقاموا باقتلاع الأشجار وتخريبها بالكامل". ولا تتوقف الخسائر عند حدود الأرض، بل امتدت لتطال المنشآت الاقتصادية، حيث يضيف رحال: "هدموا براكسات العمل التي كنا نعتمد عليها لتأمين قوت يومنا. المضايقات مستمرة على مدار الساعة، حتى بات النوم يفارقنا؛ فنحن نبقى مستيقظين طيلة الليل، وفي النهار نعتمد نظام المناوبة والحراسة لحماية أنفسنا وعائلاتنا من أي اعتداء مفاجئ".
سياسة الحصار الصامتمن جانبه، يوضح المواطن فراس رحال، أحد سكان منطقة الرأس الشمالي القريبة من المستوطنة، كيف يتطور كابوس الاستيطان يوماً بعد آخر: "في البداية صادروا مساحات من الأرض ووضعوا خطاً أسود وطلبوا منا عدم تجاوزه، والتزمنا بذلك حرصاً على حياة أطفالنا، لكنهم لم يلتزموا. تمددت انتهاكاتهم لتشمل حصارنا داخل بيوتنا، حتى أصبحنا لا نستطيع التواجد في فناء المنزل الخلفي نهائياً".
ولا تبدو هذه الاعتداءات أحداثاً متفرقة أو ردود فعل فردية، بل تأتي ضمن نمط متكرر يقوم على خلق بيئة طاردة للسكان الفلسطينيين.
ويمتد الإرهاب الاستيطاني ليشمل تدمير البنية التحتية وملاحقة الثروة الحيوانية، حيث قام المستوطنون بإغلاق خطوط الصرف الصحي وتكسير أنابيب المياه، والأبواب، والنوافذ. كما يلاحقون الرعاة في محاولة لسرقة مواشيهم، مما دفع نسبة كبيرة من أصحاب المواشي في البلدة إلى ترحيلها وخروجها من المنطقة خوفاً عليها.
ولا تبدو هذه الاعتداءات أحداثاً متفرقة أو ردود فعل فردية، بل تأتي ضمن نمط متكرر يقوم على خلق بيئة طاردة للسكان الفلسطينيين. فالاستيلاء على الأراضي، وتخريب البنية التحتية، واستهداف الثروة الحيوانية، ومنع التوسع العمراني، جميعها أدوات تضغط على الأهالي اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً، وتدفعهم إلى مغادرة مناطقهم تحت وطأة الخوف وانعدام مقومات الحياة، دون إصدار قرارات تهجير مباشرة.
ولم يسلم حتى الحلم ببناء مأوى من هذه الاعتداءات، إذ يتابع فراس رحال بحسرة: "اضطررت لإيقاف بناء بيتي الذي وضعت فيه كل ما أملك بعد أن سرق المستوطنون حديد البناء وخربوا خزانات المياه. لقد ناشدنا كل الجهات الحقوقية والدولية ولكن لا حياة لمن تنادي. إنهم يهدفون لتهجيرنا، لكننا نقول لهم: أرضنا مجبولة بدم الشهداء، وهنا باقون ما بقي الزعتر والزيتون".
طفولة مأسورة داخل الجدران
الخوف والقلق طالا الشريحة الأضعف في المجتمع وهم الأطفال. فالطفلة رهف، التي حرمت من عيش طفولتها كباقي قريناتها، تلخص هذا الخوف بكلمات بسيطة ومؤثرة قائلة: "من المفترض أن أقضي عطلتي الصيفية في اللعب مع صديقاتي، لكنني لا أستطيع الخروج من المنزل نهائياً بسبب المستوطنين، وكلما سمعت أصواتهم أهرب مسرعة للاختباء في حضن أمي".
ولم تعد آثار هذه الاعتداءات تقتصر على الخسائر المادية، بل امتدت لتطال النسيج الاجتماعي والحياة اليومية للأهالي. فالسهر لحراسة المنازل، والخوف الدائم من اقتحام المستوطنين، وحرمان الأطفال من اللعب، وتعطل الزراعة والرعي، كلها مؤشرات على واقع يعيش فيه السكان تحت ضغط نفسي مستمر، يحول تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة مفتوحة من أجل البقاء.
مواجهة بصدور عاريةوفي سياق متصل، يستمر أهالي البلدة في الدفاع عن وجودهم بما أوتوا من قوة وصمود. يقول المواطن محمد أبو مونس: "تعرضنا لهجوم عنيف من عشرات المستوطنين، واعتدوا على والدي المسن وحاولوا سرقة أغنامنا. في كل اعتداء نحاول الوقوف أمامهم بصدور عارية لمنع هذه السرقات". ولحماية مصدر رزقه الوحيد، يوضح أبو مونس أنه اضطر لاستئجار براكس في منطقة أخرى ونقل الأغنام إليه لحمايتها من قرصنة المستوطنين المستمرة.
وتشير تقارير حقوقية فلسطينية ودولية إلى أن اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية شهدت تصاعداً ملحوظاً خلال العامين الأخيرين، خصوصاً في المناطق الريفية المحاذية للمستوطنات والبؤر الاستيطانية، حيث تستهدف هذه الاعتداءات المزارعين والرعاة والممتلكات الزراعية، وترافقها في كثير من الأحيان قيود على الوصول إلى الأراضي، ما يجعل المجتمعات الفلسطينية الأكثر قرباً من المستوطنات عرضة لخطر التهجير القسري وفقدان مصادر رزقها.
تجسد بلدة عرابة اليوم نموذجاً حياً لسياسة التضييق والتهجير الصامت التي ينفذها المستوطنون بحماية ودعم من قوات الاحتلال، وسط مناشدات متواصلة من الأهالي بضرورة توفير حماية دولية عاجلة تكفل وقف هذه الاعتداءات.
وتكشف الوقائع في عرابة أن الصراع لم يعد يقتصر على السيطرة على الأرض فحسب، بل بات يستهدف تفريغها من أصحابها عبر سياسة استنزاف طويلة الأمد، تعتمد على الاعتداءات المتكررة، والإضرار بمصادر الرزق، وفرض حالة من انعدام الأمن. وبينما يواصل الأهالي التشبث بأرضهم رغم الخسائر، تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار هذه الانتهاكات، في ظل غياب المساءلة الدولية الفاعلة، إلى ترسيخ واقع استيطاني جديد يصعب تغييره مستقبلاً.
وتجسد بلدة عرابة اليوم نموذجاً حياً لسياسة التضييق والتهجير الصامت التي ينفذها المستوطنون بحماية ودعم من قوات الاحتلال، وسط مناشدات متواصلة من الأهالي بضرورة توفير حماية دولية عاجلة تكفل وقف هذه الاعتداءات، وتمكنهم من البقاء في أرضهم والدفاع عن حقهم في الحياة الآمنة، في مواجهة مخططات تستهدف اقتلاعهم من جذورهم.