إلى أخي الأسير.. ما زلنا نسكب قهوتك كل صباح
12 يوليو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لا أدري كيف يستطيع البيت أن يبقى على هيئته القديمة وأنت لست فيه، في الواقع لا يبقى البيت كما كان، وإنما يحاول بائسا التظاهر بأن شيئا لم يتغير؛ مستعينا بطقوسه اليومية، فالباب في مكانه، والممر في مكانه، وحتى نافذتك التي كنت تقف عندها في كل صباح لا تزال تملك الإطلالة نفسها، لكني أدرك بكل جوارحي أن شيئا عميقا في روحه قد تبدل، فالبيوت يا أخي ليست كما يظن بعض الناس مبنية من الحجارة والإسمنت، وإنما تبنى من أصوات أصحابها وخطواتهم وتفاصيل حياتهم، ومن كل موضع يتركون فيه أثرا، فنظل نحن نراه حاضرا معنا رغم غيابهم.
وأحسب أن البيت نفسه يشعر بغيابك، ففي مكانك على الطاولة يجلس الآن فراغ له وزن وله صوت يخترق السكون لنسمعه بقلوبنا لا بآذاننا، وحين تهب الرياح من الشباك تدفع الستارة كأنها تفتش عنك.
الكرسي يعرف غيابك؛ فهو لم يعد مجرد مقعدِ خشبي، بل صار حارسًا لمكانك، يرفض أن يجلس عليه أحد سواك، كأن له ذاكرةً تحتفظ بجلستك المعتادة، فلا يجرؤ أحد في البيت على الجلوس عليه، ليس لاتفاقٍ بيننا وإنما لأن الكرسي نفسه يبدو وكأنه ينتظر صاحبه.
وأحسب أن البيت نفسه يشعر بغيابك، ففي مكانك على الطاولة يجلس الآن فراغ له وزن وله صوت يخترق السكون لنسمعه بقلوبنا لا بآذاننا، وحين تهب الرياح من الشباك تدفع الستارة كأنها تفتش عنك.
وفنجان قهوتك الصباحية يبرد على الطاولة وهو ينتظرك، ليس لأن حرارته تتلاشى مع مرور الوقت، وإنما لشعوره بالقشعريرة فالشفاه التي اعتادها لم تأتِ بعد، نعم يا أخي ما زلنا نسكب قهوتك في كل صباح، وما يزال فنجان قهوتك يبرد في طقس صامت لا يشبه إلا الانتظار.
وعلى قائم الباب الخشبي ما تزال خطوط القلم القديمة تحفظ أطوالنا ونحن صغار، خط رسمه أبي عند بلوغك سن التاسعة، وخطوط رسمتها أنت كلما زاد طولي سنتيمترا، كأنك تكمل طقسا بدأه أبي، ولم أعرف منه إلا أثره على الخشب، واليوم يقف الباب صامتا لا يعلوه خط جديد، وكأن الزمن توقف عن القياس وهو ينتظرك لترسم خطا جديدا.
وأمنا التي صارت حارسة للذكريات تترك الأشياء في أماكنها خشية أن يكتمل الغياب، تمر أحيانا بجوار فنجان قهوتك فتتحسسه بأطراف أصابعها كأنها تحاول الإمساك بدفء مضى، دفء يديك الذي كان امتدادا لدفء فقدناه مع رحيل أبي، وكلما سمعت صوت مفتاح في الباب رفعت رأسها قليلا ثم أعادته إلى صبرها حين تدرك أن القادم ليس أنت.
هي لا تصرخ ولا تشكو بل صار كلامها قليلا، لكن صمتها أبلغ من الكلام، وكأنها تخبئ حزنها في صمتها وفي دعاء تضع فيه اسمك قبل أسمائنا جميعا، تواصل أمنا يومها وهي تعرف أن الانهيار ترف لا تلكه الأمهات، تخبز لنا رغيف الخبز لا لتطعمنا فحسب وإنما لنستذكر رائحة طفولتنا العالقة في البيت، فالذاكرة ما تزال قادرة على منح الفقد شيئًا من الدفء.
رائحة خبز أمي تشبه رسالة تعبر إليك متجاوزة القضبان، فيما تظل الذاكرة المخبز الوحيد الذي لا يمكن للسجان أن يغلقه فتغدو مؤنة نعيش عليها حتى تعود.
أما أنا فأحمل اسمك في صدري كما يحمل المصباح آخر ما تبقى من الزيت، أدرك أن القيد يحاول أن يجرد الإنسان من اسمه ويختزله برقم بارد، لكن ذكر اسمك بيننا في البيت ولو همسا يشبه تمردا صغيرا على غيابك الجسدي، فنستعيد بيننا طفولتك وضحكتك وخطواتك والرغيف الذي تقاسمناه ذات يوم، هكذا يبقى اسمك حيا بيننا ويعجز السجان عن انتزاعه منك.
يخبروننا بأن الجدران عالية والحديد قاس والطريق إليك ممنوع، لكنهم لا يعرفون أن الجدران على علوها تضيق أمام اتساع روحك، والحديد بقسوته يخجل من صمودك، وأن الأبواب الثقيلة هي التي تشعر بالحصار لعجزها عن منع طيفك من زيارتنا في كل مساء، فالأخ لا يحاصر في مكانه بل يسكن في العصب وفي الذاكرة وفي رغيف الطفولة، وفي ضحكاتنا التي كنا نروح بها عن أنفسنا من تعب الأيام.
فرغيف الطفولة لم يكن مجرد طعام، بل كان أول عهد بيننا وأول شيء نتشاركه في بيت واحد، ورائحة خبز أمي تشبه رسالة تعبر إليك متجاوزة القضبان، فيما تظل الذاكرة المخبز الوحيد الذي لا يمكن للسجان أن يغلقه فتغدو مؤنة نعيش عليها حتى تعود.
أشتاق إليك لا كما يشتاق الغائب إلى غائب، وإنما كما تشتاق اليد إلى يد تؤنسها والكتف إلى كتف يسنده والصوت إلى صداه الأول، وحينما انتزعوك من بيننا صار في داخلي باب لا يفتح إلا باسمك، وكلما حاولت طمأنة نفسي ومن حولي أدرك أن السؤال أكبر من الجواب، ومع كل مساء يجول في عقلي السؤال نفسه: كيف ينام أخي؟ وهل يرى من نافذته خيط سماء؟ فلربما يكون ذلك الخيط الشيء الوحيد الذي لا يستطيع السجان حجبه فيضحي حبلا سريا يربط زنزانتك البعيدة بغرفتك في البيت.
يا أخي أنا أملك يقينا راسخا بأن القيد لن ينال من روحك وأن عتمة الزنزانة لن تهزمك، فكلما ظنوا أن العزلة قادرة على محو الإنسان ظهر أثرك في مكان آخر: في أم ترفع كفيها بالدعاء، وفي بيت يذكر كل من فيه اسمك مع كل همسة، وفي أخ يكتب كي لا يسمح للغياب بالانتصار، وفي ذاكرة أسرة تأبى أن تسلم مكانك للفراغ، فأنت أوسع من الزنزانة وأبقى من عتمتها وأقوى من وحشة الليالي الطويلة، وإن حاصرتك الجدران فإنك لاتزال معنا بفكرك وروحك، وبذلك الحضور الذي لا تقوى الأقفال على طرده من القلوب.
يومها سيعود البيت إلى نفسه، ويغادر الصمت الزوايا التي سكنها طويلا، ويستعيد الكرسي صاحبه، وحينها سيبرد فنجان القهوة لانشغالك بالحديث معنا لا لأن الغياب قد سبقك إليه.
وفي كل دعاء نرفع أيدينا إلى السماء راجين لأبي الرحمة ولك الحرية، وكأن الدعاء صار السبيل الوحيد إليكما معًا، ندعو بالرحمة والسكينة لأبي ونرجو الله أن يعيدك إلينا سالما، وبين الرحمة والحرية صرنا نعيش على رجائين: رجاء يذهب إلى السماء، ورجاء ينتظر أن يفتح له الباب.
نعم يا أخي سنظل نعد الأيام حتى تعود، ولا نعدها استسلاما للوجع بل ننحت صورتك على جدار الانتظار، فكل يوم يمر يترك خدشا صغيرا في قفل الغياب، ونحافظ على مكانك بعيدا عن غبار اليأس، ونبني سلم العودة درجة درجه حتى يكتمل ذات يوم فتصعد إلينا.
وحين ترجع، لن أقول لك: كم طال الغياب بل سأحتضنك كما يحتضن الإنسان جزءا من روحه كان بعيدا عنه، وسأخبرك بأن مكانك بقي حيا وبقيت أنت فينا حرا، كما كنت وكما ستظل.
يومها سيعود البيت إلى نفسه، ويغادر الصمت الزوايا التي سكنها طويلا، ويستعيد الكرسي صاحبه، وحينها سيبرد فنجان القهوة لانشغالك بالحديث معنا لا لأن الغياب قد سبقك إليه، وستنظر أمنا إليك طويلا محاولة استرداد كل الأيام التي حرمت فيها من رؤيتك، وعندها سيتوقف البيت عن التظاهر بأنه بخير.