بين صافرة الحكم وصوت القصف: كيف تشاهد غزة كأس العالم
11 يوليو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في غزة، لطالما كانت بطولة كأس العالم لكرة القدم أكثر بكثير من مجرد حدث رياضي عابر. سيخبرك الفلسطينيون أنها مناسبة ينتظرونها بشغف كل أربع سنوات، إذ تمنحهم لحظات نادرة من الفرح واستراحة مؤقتة من قسوة حياة تتخللها الغارات الإسرائيلية والحصار. ومع اقتراب النسخة الحالية من البطولة من مراحلها النهائية، يتضح أن ثلاث سنوات من الإبادة الجماعية لم تُطفئ شغف الغزيين باللعبة.
وسط الخيام، وفي المدارس التي صارت مراكز إيواء، وعلى أطراف المقاهي المدمرة التي عادت للعمل بإمكانات بسيطة، يجتمع الفلسطينيون حول شاشة لمتابعة المباريات، بل تمسكا بلحظة إنسانية نادرة وسط خراب طويل وممتد.
دائما ما انتظر الغزيون كأس العالم كل أربع سنوات، بوصفه مساحة للفرح العائلي والجماعي. كانت البيوت تمتلئ بالأصوات، وتحضر القهوة والمكسرات، وتبدأ النقاشات حول المنتخبات واللاعبين والنتائج. لكن الحرب غيّرت كل شيء. لم تعد الشاشة متاحة كما كانت، ولا الكهرباء مضمونة، ولا الإنترنت حاضرا بما يكفي، ولا البيت نفسه قائما في كثير من الأحيان. صار المشهد مختلفا بالكامل: هاتف محمول، بطارية مهددة بالنفاد، بث متقطع، وخوف لا يغادر المكان.
كرة القدم في غزة.. لحظة حياة تنتزع من تحت الركام
ومع ذلك، لم تنطفئ الرغبة في المشاهدة. في غزة، متابعة مباراة اليوم ليست ترفا، بل فعل مقاومة للحصار النفسي والمعنوي الذي تفرضه الحرب. فحين يلتف عشرات النازحين حول شاشة صغيرة، أو يصفق أطفال داخل مدرسة تحولت إلى مأوى، فإنهم لا يحتفلون بكرة عابرة إلى الشباك فقط، بل يحتفلون بقدرتهم على انتزاع لحظة حياة من فم الموت.
المفارقة القاسية أن العالم يحتفل بالأهداف، بينما تعد غزة شهداءها. في الملاعب البعيدة، ترتفع الأعلام وتضج المدرجات بالهتاف، أما في القطاع المحاصر، فيراقب الناس المشهد من عالم آخر؛ عالم لا تشبه لياليه ليالي البطولة، ولا تنتهي صافرة المباراة فيه بعودة آمنة إلى البيت. بعد كل مباراة، يعود الناس في العالم إلى منازلهم ليناقشوا النتيجة، بينما يعود الغزيون إلى الخوف ذاته: قصف محتمل، خيمة مهددة، طريق غير آمن، وليل طويل لا ضمانة للنجاة منه.
لقد طالت الحرب كل ما يتصل بالرياضة في غزة. توقفت الأنشطة الكروية المنظمة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتبعثرت أحلام اللاعبين بين النزوح والإصابة وفقدان العائلة وإغلاق المعابر. لاعبون كانوا ينتظرون فرصا للاحتراف أو للانضمام إلى أندية خارج القطاع وجدوا أنفسهم في الخيام، منشغلين بتأمين الماء والطعام لأطفالهم. كرة القدم التي كانت مشروع حياة تحولت إلى ذكرى مؤلمة، وحلم الملاعب صار مؤجلا خلف سؤال البقاء اليومي.
تشير تقديرات رياضية فلسطينية إلى استشهاد أكثر من ألف رياضي فلسطيني، بينهم مئات من لاعبي ومدربي كرة القدم. كما دُمّر نحو 90 في المئة من البنية التحتية الرياضية في غزة، بما يشمل الملاعب والأندية والمقار الإدارية والأكاديميات.
ولم تقتصر الخسارة على توقف المسارات الرياضية، بل امتدت إلى أرواح الرياضيين أنفسهم. فقد خسر الوسط الرياضي في غزة مئات اللاعبين والمدربين والكوادر، وبينهم أسماء تركت أثرا واسعا في كرة القدم الفلسطينية. بعضهم كان يحلم بمباراة قادمة، وبعضهم كان يدرّب جيلا جديدا، وبعضهم كان يمثل فلسطين في بطولات عربية ودولية. انتهت أحلامهم بغارات لم تفرّق بين لاعب وطفل ومشجع ونازح.
وتشير تقديرات رياضية فلسطينية إلى استشهاد أكثر من ألف رياضي فلسطيني، بينهم مئات من لاعبي ومدربي كرة القدم. كما دُمّر نحو 90 في المئة من البنية التحتية الرياضية في غزة، بما يشمل الملاعب والأندية والمقار الإدارية والأكاديميات. تحولت منشآت كانت مخصصة للتدريب والمباريات إلى ركام، أو إلى مراكز إيواء لعائلات فقدت بيوتها.
من المدرجات إلى خيام غزة
في المقابل، تواصل غزة التقاط إشارات التضامن القادمة من الخارج بحساسية عالية. حين يرفع مدرب أو لاعب علم فلسطين، أو حين يُهدى انتصار رياضي إلى الشعب الفلسطيني، لا يُقرأ الأمر في غزة كلفتة رمزية عابرة. بالنسبة إلى المحاصرين تحت القصف، تتحول هذه اللحظات إلى تذكير بأنهم لم يُمحوا من الذاكرة، وأن هناك من لا يزال يراهم وسط ضجيج البطولة. لذلك قد تترك عبارة تضامن واحدة أثرا عميقا في مدرسة مكتظة بالنازحين أو مقهى بسيط يلتف حوله المشجعون.
لكن هذا التضامن، على أهميته، لا يلغي شعورا واسعا بالخذلان. فبينما يمضي العالم في احتفالاته، تبدو غزة وحيدة في ألمها. يعرف الجمهور أسماء اللاعبين وإحصاءاتهم وعدد أهدافهم، لكنه لا يعرف أسماء الأطفال الذين قُتلوا، ولا العائلات التي مُحيت، ولا اللاعبين الذين انتهت مسيرتهم قبل أن تكتمل. خلف كل خيمة وبيت مدمر قصة إنسان كان يملك حياة عادية، أحلاما بسيطة، وطقوسا صغيرة تشبه طقوس كل الناس قبل أن تبتلعها الحرب.
تقدّر وزارة الصحة في غزة أن آلاف الأشخاص تعرضوا لبتر أطراف نتيجة الهجمات الإسرائيلية، بينهم نسبة كبيرة من الأطفال، ما يجعل الحاجة إلى برامج تأهيل طويلة الأمد مسألة إنسانية ملحة
حتى أولئك الذين فقدوا أطرافهم وجدوا في كرة القدم طريقا جديدا لمقاومة الانكسار. فرق المبتورين، ومنها فرق نسائية، تحولت إلى مساحة لاستعادة الثقة والجسد والمعنى. في غزة، لا تعني العودة إلى الملعب بعد البتر مجرد تدريب رياضي؛ إنها إعلان بأن الحرب لم تنجح في مصادرة الإرادة كاملة. كل تمرين يصبح انتصارا صغيرا، وكل حركة فوق العشب أو الرمل محاولة لاستعادة جزء من الذات.
وتقدّر وزارة الصحة في غزة أن آلاف الأشخاص تعرضوا لبتر أطراف نتيجة الهجمات الإسرائيلية، بينهم نسبة كبيرة من الأطفال، ما يجعل الحاجة إلى برامج تأهيل طويلة الأمد مسألة إنسانية ملحة. غير أن الرياضة، رغم قسوة الظروف، تمنح بعض الناجين مساحة نفسية لمواجهة الفقد.
ومع استمرار نقص الكهرباء وضعف الإنترنت، تتحول مشاهدة كل مباراة إلى تحد لوجستي. أصحاب مقاه دُمّرت منشآتهم أعادوا فتح بدائل متواضعة في خيام أو أماكن مؤقتة، محاولين توفير شاشة واتصال إنترنت ومصدر طاقة. وفي كل مرة ينجحون فيها في إبقاء البث حتى صافرة النهاية، يمنحون الناس أكثر من مباراة؛ يمنحونهم شعورا مؤقتا بالجماعة والدفء والانتماء إلى العالم.
المباراة في غزة ليست تسعين دقيقة فقط. إنها سؤال مفتوح عن العالم: كيف يمكن أن نحتفي بالأهداف، بينما تُدفن الأحلام تحت الركام؟
لكن الخوف يبقى حاضرا. فالمقهى قد يُقصف، والطريق إلى الخيمة قد لا يكون آمنا، والتجمع نفسه قد يتحول في لحظة إلى هدف. ومع ذلك، يواصل الناس المشاهدة. ليس لأنهم نسوا الحرب، بل لأنهم يرفضون أن تختصرهم الحرب وحدها. يصفقون حين تُسجل الأهداف، يبتسمون حين ينتصر فريق يحبونه، ويتأثرون حين يرفع أحدهم علم فلسطين. ثم يعودون إلى واقعهم القاسي، حاملين معهم لحظة صغيرة من الحياة.
في غزة، لا تُشاهد كأس العالم كما تُشاهد في بقية العالم. هناك، لا تنفصل الكرة عن الفقد، ولا الفرحة عن النجاة، ولا المدرجات البعيدة عن الخيام القريبة. وبينما يحتفل العالم بالبطولة، تذكّر غزة الجميع بأن الرياضة لا تكتمل إنسانيتها إذا أدارت ظهرها لمن حُرموا حتى من حقهم في اللعب والحلم والمشاهدة بأمان.
فالمباراة في غزة ليست تسعين دقيقة فقط. إنها سؤال مفتوح عن العالم: كيف يمكن أن نحتفي بالأهداف، بينما تُدفن الأحلام تحت الركام؟