أهلة نابلس... حرفة تصعد من الصاج إلى مآذن المساجد
9 يوليو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في شارع الساقية، وسط مدينة نابلس، لا مفرّ للعابرين أمام إطالة النظر على مكان يشبه الذاكرة. أهلة معدنية، ومآذن صغيرة، وقباب مصطفة أمام مشغل قديم، وأصوات طرق متلاحقة على صفائح الصاج، تشي بالمهنة العتيقة التي ما زالت تقاوم الغياب، وتواصل حضورها بين أيدي رجال ورثوا الصنعة كما تُورث الحكايات.
هناك، داخل مشغل "سمكرة الإخلاص"، يواصل الشقيقان يوسف وسعيد سليم الترتير حمل مهنة والدهما وأجدادهما في صناعة أهلة المساجد ومآذنها وقبابها. يقتربان من إتمام أربعة عقود في هذه الحرفة، كمصدر رزق وامتداد عائلي وروحي، وذاكرة ملموسة تركت أثرها فوق قباب مساجد كثيرة في نابلس وخارجها.
صنعة متوارثة
تعلم يوسف وسعيد الصنعة من والدهما مبكرا، والتحقا بالعمل بعد انتهاء دراستهما المدرسية. ومع مرور السنوات، لم تعد الحرفة بالنسبة إليهما مجرد ثني للصاج أو تشكيل للمعادن، بل صارت لغة دقيقة تحتاج إلى عين خبيرة ويد صبورة وحساب لا يحتمل الخطأ.
يقول يوسف الترتير إن أكثر ما يمنحه شعورا بالفخر هو أن يرى بصمة والده، أو بصمته هو وشقيقه، معلقة فوق مسجد يمر قربه. عندها يستحضر والده الراحل ويقول في نفسه: "رحم الله أبي، هذا إنجازه". هكذا تتحول المآذن والأهلة إلى شواهد حيّة على جهد عائلي طويل، وإلى ذاكرة معلقة في فضاء المدينة.
الهلال، الذي يراه الناس من بعيد قطعة معدنية تزين أعلى المئذنة، يحتاج إلى قياسات دقيقة وتصميم مضبوط وتشكيل حذر. خطأ بسيط، ولو كان سنتيمترا واحدا، قد يفسد النسبة والشكل.
في هذه المهنة، تبدو التفاصيل الصغيرة هي جوهر العمل كله. فالهلال، الذي يراه الناس من بعيد قطعة معدنية تزين أعلى المئذنة، يحتاج إلى قياسات دقيقة وتصميم مضبوط وتشكيل حذر. خطأ بسيط، ولو كان سنتيمترا واحدا، قد يفسد النسبة والشكل. لذلك لا يعتمد الشقيقان على السرعة، بل على خبرة تراكمت عبر سنوات طويلة من الممارسة.
وتحمل آلات المشغل نفسها شيئا من روح المهنة. فهي ليست آلات حديثة صامتة، بل ماكينات يدوية قديمة توارثها الشقيقان عن والدهما وجدهما، وبقيا متمسكين بها لأنها تمنحهما قدرة أكبر على التحكم في الصاج، خصوصا عند تنفيذ النقوش والزخارف وثني المعدن وفق الشكل المطلوب. فبعض الحرف، كما يقول يوسف، لا تكتمل بالآلة وحدها، بل تحتاج إلى يد تعرف كيف تصغي للمعدن وتروضه.
مشروع اللاجئ يتحول إلى علامة للمدينة
يحمل اسم المشغل بدوره حكاية عائلية ووطنية. فقد أطلق سليم الترتير، والد يوسف وسعيد، اسم "الإخلاص" على مشغله تيمّنا بابنته البكر، حين افتتحه عام 1968. يومها، لم يكن قد مضى على تهجيره من أرضه ومنزله في فلسطين المحتلة عام 1948 سوى عشرة أعوام. في نابلس، بدأ اللاجئ مشروعه الصغير، ومنه شق طريقه وحياة أبنائه، ليصير المشغل لاحقا واحدا من علامات الحرفة في المدينة.
ولا يقتصر عمل "سمكرة الإخلاص" على صناعة المآذن والأهلة والقباب، بل ينتج أيضا مداخن الصوبات وكل ما يمكن تشكيله من الصاج. لكن صناعة مئذنة واحدة تظل من أكثر الأعمال دلالة على مهارة الحرفة وتعقيدها؛ فهي تبدأ بماسورة معدنية، تتوسطها أطباق دائرية من الصاج، ثم قطع بيضاوية تعرف بـ"الرمانات"، قبل أن يعلوها الهلال المزخرف بعبارة التوحيد. وبين مرحلة وأخرى، تتدخل اليد في الثني والطرق والنقش واللحام، حتى تكتمل القطعة بشكلها النهائي.
في "سمكرة الإخلاص"، لا يبدو الصاج مادة جامدة. تحت المطرقة، يتحول إلى هلال وقبة ومئذنة. وتحت يد الحرفي، تصير المهنة ذاكرة عائلة، وسيرة لاجئ بدأ من جديد، وعلامة من علامات مدينة لا تزال تحفظ لأصحاب الحرف مكانتهم.
يرى سعيد الترتير أن المنتج المحلي المصنوع يدويا يتفوق على المستورد، لا من حيث الجمال فقط، بل من حيث المتانة أيضا. فالمستورد، كما يقول، غالبا ما يكون مجمّعا بالبراغي، ولا يمنح الحرفي الثقة الكافية عند تركيبه على مئذنة، لأنه قد يكون عرضة للكسر. أما العمل اليدوي المحلي، فيحمل دقة الصنعة وصلابة التجربة وجمالية التفاصيل.
غير أن هذه الحرفة، على رسوخها، لا تخلو من التحديات. فإغلاقات الطرق والحواجز العسكرية الإسرائيلية عطلت وصول الشقيقين إلى كثير من المواقع، وأثرت في حركة الإنتاج والتركيب، رغم أن أعمالهما وصلت إلى بلدات ومدن فلسطينية عديدة، من جنوب الضفة الغربية إلى شمالها، وحتى إلى مناطق داخل الخط الأخضر.
في "سمكرة الإخلاص"، لا يبدو الصاج مادة جامدة. تحت المطرقة، يتحول إلى هلال وقبة ومئذنة. وتحت يد الحرفي، تصير المهنة ذاكرة عائلة، وسيرة لاجئ بدأ من جديد، وعلامة من علامات مدينة لا تزال تحفظ لأصحاب الحرف مكانتهم. وبين صوت الطرق ورائحة المعدن، تواصل أهلة نابلس صعودها الهادئ نحو السماء، حاملة معها حكاية رجال آمنوا بأن الصنعة ليست عملا فقط، بل وفاء طويل للآباء وللمكان.