بيوت معلقة.. حكايات النزوح من مخيمات الشمال
8 يوليو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم تعد الأزقة الضيقة في مخيمات جنين وطولكرم مجرد ممرات عابرة تختزل حكايات اللجوء الممتدة منذ النكبة، بل تحولت بفعل آلة الحرب "الإسرائيلية" إلى ساحات لمواجهات ضارية شهدت أعتى عمليات التدمير الممنهج للبنية التحتية والمربعات السكنية وكل مظاهر الحياة فيها. ومع زحف الجرافات العسكرية العملاقة التي تولت جرف وتدمير كل ما يعترض طريقها إلى قلب المخيمات، فلم تدع شجرًا ولا حجرًا، وجدت آلاف العائلات الفلسطينية نفسها تعيش فصولاً متجددة من التهجير القسري، في مشهد أعاد للأذهان النكبات المتتالية التي عاشها الشعب الفلسطيني.
مفاتيح البيوت وشهادات المخيم
في إحدى الغرف الضيقة التي تحولت إلى مأوى مؤقت في مدينة جنين، تجلس أم محمد قرب حقيبة باتت مستودعًا لممتلكاتها. تفتحها بين الحين والآخر لتتأكد من وجود مفتاح منزلها، الذي أصبح أكثر من قطعة معدنية؛ بل وعد بالعودة، وذكرى لحياة توقفت فجأة عند لحظة النزوح.
تقول أم محمد إنها غادرت منزلها على عجل، دون أن تتمكن من أخذ ملابس لأطفالها أو حتى الوثائق الرسمية المهمة أمام تهديد السلاح وزمجرة الجرافات العسكرية الضخمة. وبينما كانت تغادر، التقطت مفتاح المنزل عن الطاولة. "لم أفكر بشيء آخر"، تقول، "شعرت أن المفتاح يعني أنني سأعود قريبًا، لكن الشهور مرت وما زلت أحمله معي أينما ذهبت".
وفي لقاء لمنصة الميدان مع الصحفي فادي ياسين، من مخيم طولكرم، شدد على أن تغطية النزوح من مخيمي طولكرم ونور شمس، لم تكن بالنسبة له مهمة صحفية فحسب، بل تجربة عاشها شخصيًا كواحد من أبناء المكان.
"سكان مخيمي طولكرم ونور شمس لجأوا في البداية إلى بيوت الأقارب وبعض المساجد والمدارس، قبل أن توفر الجهات الرسمية مدارس للإيواء، بينما لجأت بعض الأسر خارج المخيمات إلى منازل غير مهيأة للسكن".
ويصف الأيام الأولى للنزوح بأنها كانت من أكثر المراحل قسوة على أهالي المخيمين، إذ خرجت غالبية العائلات على عجل، دون أن تتمكن من أخذ شيء من مقتنياتها أو حتى احتياجاتها الأساسية.
ويشير إلى أن معظم القصص التي وثقها كانت مؤلمة، خاصة لكبار السن الذين وجدوا أنفسهم يواجهون للمرة الثالثة في حياتهم تجربة التهجير بعد النكبة والنكسة، رغم تمسكهم بالمخيم باعتباره المحطة الأخيرة قبل تحقيق حلم العودة إلى قراهم ومدنهم الأصلية، ما ضاعف من وطأة الحدث نفسيًا وإنسانيًا.
ويضيف أن سكان مخيمي طولكرم ونور شمس لجأوا في البداية إلى بيوت الأقارب وبعض المساجد والمدارس، قبل أن توفر الجهات الرسمية مدارس للإيواء، بينما لجأت بعض الأسر خارج المخيمات إلى منازل غير مهيأة للسكن، وتفتقر لأبسط مقومات الحياة كالمياه والكهرباء والنوافذ والأرضيات، ما أجبر العائلات على العيش في ظروف صعبة بانتظار تجهيز تلك المنازل أو انتهاء فترة النزوح.
أطفال النزوح وسؤال العودة
وعن تأثير النزوح في الجانب التعليمي، يوضح ياسين أن مدارس الأونروا داخل المخيمات المستهدفة أصبحت تحت سيطرة الاحتلال، ومُنعوا من الوصول إليها، ما دفع وزارة التربية والتعليم إلى توزيع الطلبة على المدارس الحكومية في مدينة طولكرم، ولكن اعترضت طريقهم عقبات منها صعوبات في الوصول للمدارس الجديدة لبُعد أماكن السكن المؤقتة وارتفاع تكاليف المواصلات. فيما اضطر آخرون إلى الاعتماد على التعليم عن بعد رغم عدم توفر الإنترنت أو الأجهزة الذكية أو الكهرباء بشكل منتظم لدى العديد من الأسر.
ويخلص الصحفي ياسين إلى أن النزوح لم يحرم الناس من بيوتهم فقط، بل مزق تفاصيل حياتهم اليومية وروابطهم العائلية والشعور بالاستقرار والانتماء، وترك آلاف العائلات معلقة بين ذاكرة المكان وأمل العودة.
وفي مدينة جنين، تقول والدة أحمد (11 عامًا) إن طفلها ما زال يحتفظ بدفتره المدرسي داخل حقيبة صغيرة ترافقه منذ نزوحه من المخيم. وتضم صفحاته رسومات وأسماء أصدقاء ومعلمين يشتاق إليهم، ولا يعلم أين فرقتهم ظروف النزوح.
أكد أن سكان المخيم لم يغادروا منازلهم طوعًا، بل أُجبروا على النزوح تحت وطأة العمليات العسكرية، فيما دفع بعضهم حياته ثمنًا لتمسكه بالبقاء في منزله، إذ ارتقى شهداء بعد رفضهم الرحيل.
وتشير الباحثة رئام بدو، من دائرة شؤون اللاجئين، إلى أن قصص الأطفال تكشف جانبًا آخر من معاناة النزوح لا يقل قسوة عن فقدان المأوى. فالتنقل المستمر بين أماكن السكن المؤقتة، والتكيف مع بيئات اجتماعية جديدة، والانقطاع المتكرر عن الدراسة، كلها عوامل تركت آثارًا عميقة على حياتهم اليومية. وتوضح أن كثيرًا من الأطفال فقدوا شعورهم بالأمان، وبات سؤالهم المتكرر لذويهم: "متى سنعود؟" يعكس حجم التعلق بالمكان والحنين إلى تفاصيل حياتهم السابقة في المخيم. ورغم الظروف الصعبة، لا يزالون يتمسكون بكل ما يربطهم بذكرياتهم وبيئتهم التي اضطروا إلى مغادرتها.
ويشير نهاد أبو شاويش رئيس اللجنة الشعبية في مخيم نور شمس إلى أن تداعيات النزوح لم تقتصر على فقدان المأوى، بل امتدت لتطال مصادر الرزق أيضًا، إذ فقدت غالبية عائلات المخيم أعمالها لاعتمادها على العمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948، والذي أوقفه الاحتلال بالكامل منذ العدوان على غزة.
ويضيف إن هذا الواقع دفع كثيرًا من الأسر إلى دائرة الفقر والعوز بعد أن فقدت مصدر دخلها الوحيد.
وأكد أن سكان المخيم لم يغادروا منازلهم طوعًا، بل أُجبروا على النزوح تحت وطأة العمليات العسكرية، فيما دفع بعضهم حياته ثمنًا لتمسكه بالبقاء في منزله، إذ ارتقى شهداء بعد رفضهم الرحيل. ويرى شاويش أن ما تعرض له أهالي المخيم لم يكن مجرد تهجير مؤقت، بل اقتلاع قسري من البيوت ومصادر الرزق وشبكات العلاقات الاجتماعية التي شكلت حياتهم على مدى عقود.
المخيّم ذاكرة لا تهجّر
ويضيف: "نريد أن نعود حتى لو لم يبقَ من المخيم سوى الركام، يمكننا أن ننصب خيام ونعيش فيها، المهم أن نرجع". بالنسبة له، لا تمثل العودة مجرد استعادة لمكان السكن، بل استعادة لحياة كاملة انقطعت فجأة.
ويتحدث طوير عن الشوق الذي بات يرافق أبناء المخيم أينما حلوا، قائلاً إن لقاء أحد الجيران بعد التهجير أصبح حدثًا مؤثرًا، يدفعه إلى احتضانه طويلًا وكأنه يستعيد جزءًا من حياته المفقودة.
أما الأطفال، فيراهم من أكثر الفئات تضررًا، بعدما حُرموا من أصدقائهم وألعابهم وأزقة المخيم التي شكلت عالمهم الصغير، فغدت ملامح الحزن واضحة على وجوه كثير منهم.
رغم مرارة الفقد، يتشبث النازحون بأمل العودة؛ لا لاسترداد الجدران، بل لإحياء تفاصيل حياتهم المعلقة هناك؛ جلسات الجيران المسائية، صخب الأطفال، ورائحة خبز الصباح.
ولا تختلف معاناة كبار السن كثيرًا، بحسب طوير، ترك النزوح آثارًا نفسية قاسية عليهم. ويشير إلى أن بعضهم تدهورت صحته بعد مغادرة المخيم، فيما فقد آخرون القدرة على الحركة كما كانوا من قبل. ويقول: "هناك من يشعر وكأنه فقد الحياة نفسها".
وبين تنقله القسري من مكان إلى آخر، يشعر طوير بأنه فقد الإحساس بالسكينة التي كان يمنحه إياها البيت والمخيم. ويختتم شهادته بالقول إن النزوح ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل تجربة قاسية تقتلع الإنسان من تفاصيل حياته اليومية ومن شبكة العلاقات التي تمنحه الشعور بالحياة والأمل، مضيفًا: "النزوح صعب... صعب جدًا".
بين أزقة هُجر أهلوها، وأبواب أُوصِدت على ذكرياتهم، يتجاوز النزوح فقدان المسكن ليكون اقتلاعاً للهوية والذاكرة معاً. ورغم مرارة الفقد، يتشبث النازحون بأمل العودة؛ لا لاسترداد الجدران، بل لإحياء تفاصيل حياتهم المعلقة هناك؛ جلسات الجيران المسائية، صخب الأطفال، ورائحة خبز الصباح... عدا عن الشوق لروح المخيم وتكافله الفريد، حيث المحنة والأفراح همًا وفرحًا جماعيًا يتقاسمونه معًا، ويتعاضدون في مواجهته. هذه التفاصيل، التي قد تبدو للغريب تفاصيل عابرة، هي جوهر الوطن ونبضه الإنساني الذي ينتظرون بعثه مع أول خطوة عودة، مهما طال الغياب.