إسرائيل خارج التسوية: حين يختار نتنياهو الحرب الأبدية
7 يوليو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في الوقت الذي تنخرط فيه الولايات المتحدة وإيران في محادثات ترسم ملامح مرحلة إقليمية جديدة، تبدو إسرائيل كمن يقف خارج الغرفة، يراقب ترتيبات لا يملك التحكم بها كما اعتاد. هذا التحول، بحد ذاته، يكشف اهتزازا عميقا في الموقع الذي احتله الاحتلال الإسرائيلي لعقود داخل المعادلة الأميركية والإقليمية؛ موقع الطرف الذي تُصاغ السياسات الكبرى بما يراعي مخاوفه، ويمنحه هامشا مفتوحًا للعدوان، ويحوّل سرديته الأمنية إلى حقيقة سياسية لا تُناقش.
تفاهمات لا تمر عبر تل أبيب
لكن المحادثات الأميركية الإيرانية الأخيرة وضعت إسرائيل أمام حقيقة قاسية: ليست كل ترتيبات المنطقة تمر من خلالها، وليست كل الحروب التي تريدها قابلة لأن تتحول تلقائيا إلى سياسة أميركية. بالنسبة إلى الوعي الإسرائيلي، ولا سيما بعد السابع من أكتوبر، لم تكن الصدمة في مضمون التفاهمات وحدها، بل في كون إسرائيل ليست طرفا مباشرا فيها، وأن مستقبل المنطقة يمكن أن يُناقش، ولو جزئيا، من فوق رأسها.
هذا التطور يمثل تحولا غير مسبوق في ميزان القوى السياسي. فإسرائيل بنت طوال السنوات الماضية تصورا يقوم على أن إيران تمثل تهديدا وجوديا دائما، وأن أي عدوان إسرائيلي ضدها أو ضد حلفائها في المنطقة يجب أن يُفهم مسبقا باعتباره دفاعا مشروعا عن النفس. غير أن ما يجري اليوم يشير إلى أن هذه الرواية لم تعد تحظى بالقبول التلقائي نفسه، حتى داخل دوائر أميركية طالما وفرت للاحتلال غطاءً سياسيا وعسكريا واسعا.
في الإعلام الإسرائيلي، حضرت المحادثات مع إيران بوصفها فشلا لنتنياهو، لا بوصفها سؤالا أخلاقيا أو سياسيا حول معنى استمرار الحروب في المنطقة.
المفارقة أن إدارة ترامب، رغم استمرار دعمها للعدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان، تبدو في الوقت نفسه منخرطة في مسار تفاوضي مع طهران يتجاوز الرغبات الإسرائيلية. أما التصريحات الحادة لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، حين قال إن إسرائيل لا تستطيع أن "تقتل طريقها" للخروج من كل مشكلة أمنية تواجهها، فقد بدت كإشارة إلى تصدع ما في اللغة الأميركية التقليدية تجاه الاحتلال. ليست القطيعة قد وقعت، ولا الدعم الأميركي انتهى، لكن مجرد ظهور هذه النبرة كان كافيًا لإثارة شعور واسع داخل إسرائيل بالخيانة والخذلان.
في الإعلام الإسرائيلي، حضرت المحادثات مع إيران بوصفها فشلا لنتنياهو، لا بوصفها سؤالا أخلاقيا أو سياسيا حول معنى استمرار الحروب في المنطقة. عاد النقاش، كما هي العادة، إلى الداخل الإسرائيلي: هل فشل نتنياهو في منع الاتفاق؟ هل فقد القدرة على التأثير في واشنطن؟ هل بات معزولا عن مركز القرار الأميركي؟ غير أن هذا النقد ظل محصورا في إدارة المعركة، لا في أصلها. فالمشكلة بالنسبة إلى أغلب التيار الإسرائيلي السائد ليست في العدوان، ولا في الحرب، ولا في الإبادة الجارية في غزة، بل في أن إسرائيل قد تجد نفسها مضطرة إلى مواصلة الحرب وحدها.
نتنياهو وعقيدة القتل المفتوح
هنا يظهر الإجماع الأعمق. فرغم الخلافات الحزبية الحادة داخل إسرائيل، ورغم تآكل مكانة نتنياهو لدى قطاعات واسعة، لا يزال هناك توافق صلب داخل المجتمع اليهودي الإسرائيلي على أن الاحتلال يحتاج إلى "حرية عمل كاملة" في المنطقة. هذه العبارة، التي تكررت في الخطاب الأمني الإسرائيلي لعقود، تعني عمليا الحق في القصف والاغتيال والاجتياح والتجويع والحصار متى شاءت إسرائيل، ومن دون أن تخضع لمساءلة فعلية أو قيود دولية جدية.
في مقابلة نادرة مع القناة 14، وهي منصة يمينية متطرفة مكرسة لتمجيد نتنياهو ومهاجمة خصومه، قدّم رئيس حكومة الاحتلال خلاصة هذا التصور بأوضح عباراته. وحين سُئل عن موعد انتهاء الحرب، لم يتحدث عن غزة فقط، ولا عن لبنان، ولا عن إيران. قال إن "السعي إلى النصر الكامل لن ينتهي أبدا"، مضيفا أن من يريد العيش في العالم والشرق الأوسط يجب أن يكون "قويا جدا، جدا".
هذه العبارة تكثف عقيدة إسرائيلية كاملة بعد السابع من أكتوبر. فالحرب، في تصور نتنياهو، لم تعد ظرفا سياسيا مؤقتا، ولا ردا على تهديد محدد، بل صارت شرطا للوجود. أن تعيش إسرائيل يعني أن تبقى في حرب دائمة. أن تكون آمنة يعني أن تهاجم بلا توقف. أن تحافظ على بقائك يعني أن تمنح نفسك حق القتل المفتوح، وأن تجعل من القوة العارية قانونا أعلى من كل قانون.
مع شعور الاحتلال بأنه بات متروكا خارج بعض الترتيبات، فإن العالم نفسه يتحول في خطاب نتنياهو إلى مجال تهديد. كأن الرسالة تقول: إذا لم يقف العالم معنا في حربنا المفتوحة، فسيصبح هو أيضًا جزءًا من الجبهة المعادية.
الأخطر أن هذا الخطاب لم يواجه بمعارضة جوهرية داخل إسرائيل. لم يخرج خصوم نتنياهو برسالة سياسية مضادة تقول إن الحرب الأبدية تقود إسرائيل إلى الهاوية، أو إن الإبادة في غزة لا يمكن أن تكون أساسًا لمستقبل آمن، أو إن منطق القوة المطلقة لا ينتج إلا مزيدا من العزلة والمقاومة. حتى الليبراليون الإسرائيليون، الذين يهاجمون نتنياهو بوصفه خطرا على الديمقراطية الإسرائيلية، لا يذهبون غالبا إلى مساءلة البنية الاستعمارية نفسها التي تجعل الحرب ضرورة دائمة في الوعي الإسرائيلي.
بعد ما يقرب من ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، يتضح أن إسرائيل لا تواجه أزمة قيادة فقط، بل أزمة وعي جماعي. هناك شعور راسخ بأن "العالم" معادٍ لإسرائيل، وأن هذا العداء قديم ومطلق، لا علاقة له بالاحتلال أو الاستيطان أو الإبادة أو الحصار أو نظام الفصل العنصري. ومن داخل هذه السردية، يصبح أي نقد دولي دليلا جديدا على الكراهية، وأي محاولة لكبح العدوان تخليا عن إسرائيل، وأي تفاوض مع خصومها خيانة لها.
لهذا لم يكن عابرا أن يذكر نتنياهو "العالم" إلى جانب "الشرق الأوسط" حين تحدث عن الحاجة إلى القوة. ففي خطابه التقليدي، كانت إسرائيل تقدم نفسها بوصفها جزءا من الغرب، وقاعدته المتقدمة في مواجهة ما تسميه "الهمجية" أو "الخطر على الحضارة اليهودية المسيحية". أما الآن، ومع شعور الاحتلال بأنه بات متروكا خارج بعض الترتيبات، فإن العالم نفسه يتحول في خطاب نتنياهو إلى مجال تهديد. كأن الرسالة تقول: إذا لم يقف العالم معنا في حربنا المفتوحة، فسيصبح هو أيضًا جزءًا من الجبهة المعادية.
إسرائيل في مواجهة العالم
ورغم أن إسرائيل لا تزال قادرة على قتل المزيد من الفلسطينيين واللبنانيين، ولا تزال تملك قدرة هائلة على التخريب وعرقلة أي تفاهمات إقليمية، فإن قدرتها على فرض إرادتها وحدها ليست بلا حدود. فهي تعتمد، في جوهر قوتها، على شبكة دعم دولية سياسية وعسكرية واقتصادية. وكلما مضت أبعد في منطق الحرب الدائمة، ضاق الهامش الأخلاقي والسياسي أمام حلفائها، وتراجعت قدرتهم على تبرير جرائمها أمام شعوبهم والعالم.
المفارقة أن إسرائيل التي تقدم نفسها بوصفها قلعة محاصرة، هي ذاتها التي تختار العزلة. وهي التي تزعم أنها تدافع عن وجودها، بينما تبني هذا الوجود على إنكار وجود الآخرين. وهي التي تتحدث عن الأمن، بينما تجعل من الحرب قدرا دائما لشعوب المنطقة. في غزة، كما في لبنان، كما في الضفة الغربية، لا ترى إسرائيل بشرا يملكون حق الحياة والحرية، بل ساحات اختبار لقوتها ورسائل دموية إلى خصومها.
غير أن الحرب الأبدية ليست استراتيجية بقدر ما هي مأزق. فهي قد تمنح الاحتلال وقتا إضافيا، وقد تؤجل لحظة الحساب، لكنها لا تنتج شرعية ولا استقرارا. وكلما توسعت دائرة العدوان، اتسعت معها دائرة العداء لإسرائيل، لا بوصفه كراهية مجردة، بل بوصفه وعيا متزايدا بحقيقة المشروع الاستعماري الذي يريد أن يعيش فوق القانون وفوق الجغرافيا وفوق حقوق الشعوب.
تبدو إسرائيل اليوم كمن ينسحب تدريجيا من أي أفق سياسي، ويتمسك بدلا منه بقواعد الحرب المفتوحة. لكنها، مهما امتلكت من قوة، لا تستطيع أن تخوض حربا أبدية وحدها.
ما تكشفه المحادثات الأميركية الإيرانية ليس فقط احتمال تراجع قدرة نتنياهو على التأثير في واشنطن، بل انكشاف إسرائيل أمام سؤالها الأعمق: ماذا يبقى من دولة لا ترى لنفسها مستقبلًا إلا الحرب؟ وماذا يبقى من مجتمع يصفق لقادته وهم يخبرونه أن القتل لن ينتهي؟
تبدو إسرائيل اليوم كمن ينسحب تدريجيا من أي أفق سياسي، ويتمسك بدلا منه بقواعد الحرب المفتوحة. لكنها، مهما امتلكت من قوة، لا تستطيع أن تخوض حربا أبدية وحدها. فالفجوة بين الشعور الإسرائيلي بالقوة وبين حدود الواقع ستتسع، ومعها سيتضح أن الاحتلال، حين يختار الحرب قدرا دائما، لا يصنع أمنا، بل يؤجل انهيار الوهم الذي عاش عليه طويلا.