آيزنكوت بديلا لنتنياهو: تغيير في الوجه لا في العقيدة
29 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في إسرائيل التي أنهكتها حروب نتنياهو المفتوحة، يصعد الجنرال المتقاعد غادي آيزنكوت في استطلاعات رأي الجمهور الإسرائيلي. فالرجل الذي خرج من قلب المؤسسة العسكرية، وحمل معه صورة القائد "الهادئ" و"النزيه"، يتقدم اليوم بوصفه أحد أبرز المرشحين لوراثة مرحلة نتنياهو، في لحظة إسرائيلية مضطربة تتداخل فيها آثار الحرب على غزة، ولبنان وإيران، مع أزمة ثقة عميقة في القيادة السياسية.
تمنح الاستطلاعات الأخيرة حزب آيزنكوت "يشار" موقعا متقدما داخل معسكر المعارضة، قريبا من "الليكود" ومتفوقا على قوى تقليدية أخرى. غير أن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تكفي وحدها للقول إن إسرائيل تقف أمام تحول سياسي حاسم. فالتصويت لآيزنكوت من زاوية مقابلة هو تصويت ضد نتنياهو، وضد صورة القيادة الصاخبة المتغطرسة التي ارتبطت به خلال السنوات الأخيرة.
آيزنكوت.. بديل لنتنياهو لا لنهجه
هنا تحديدا تكمن مفارقة آيزنكوت. فهو يظهر في الوعي الإسرائيلي كبديل أخلاقي وشخصي أكثر منه بديلا سياسيا أو أيديولوجيا. لا يقدّم الرجل مشروعا جديدا لحل الصراع، ولا رؤية مغايرة جذريا لموقع القوة في العقيدة الإسرائيلية. الفارق الأبرز بينه وبين نتنياهو، كما يراه بعض المعلقين الإسرائيليين، ليس في جوهر السياسة بل في أسلوب إدارتها: نتنياهو يقول الشيء نفسه بصخب وغرور، وآيزنكوت يقوله بهدوء وانضباط عسكري.
بهذا المعنى، فإن صعوده يعبر عن تعب إسرائيلي من شخص نتنياهو أكثر مما يعبر عن مراجعة إسرائيلية لسياساته. الناخب الذي يبحث عن آيزنكوت قد لا يبحث عن سلام، ولا عن نهاية للاحتلال، بل عن إدارة أقل فوضوية للسيطرة، وعن جنرال يبدو قادرا على إعادة الانضباط إلى دولة فقدت كثيرا من توازنها الداخلي تحت وطأة الحرب والفساد والاستقطاب. إنه طلب على "الشكل" قبل الجوهر، وعلى مدير أزمة لا صاحب قطيعة. وهذه بالضبط حدود اللحظة الإسرائيلية الراهنة: تغيير في الواجهة، لا في البنية العميقة.
آيزنكوت ليس مدنيا صاعدا من هامش السياسة، إنما أحد أبناء المؤسسة العسكرية الأكثر تأثيرا في العقود الأخيرة.
وتزيد خلفية آيزنكوت الشخصية من رمزيته السياسية. فقد ولد عام 1960 في طبريا لعائلة يهودية من أصول مغربية، ما يفتح سؤالا لافتا في إسرائيل: هل يمكن أن يصبح أول رئيس حكومة من اليهود الشرقيين ذوي الأصول العربية؟ منذ قيام إسرائيل، ظل منصب رئاسة الوزراء محكوما إلى حد بعيد بنخب إشكنازية غربية، بينما بقي اليهود الشرقيون، رغم ثقلهم الديموغرافي والسياسي، خارج قمة الهرم التنفيذي. لذلك، فإن وصول آيزنكوت، إن تحقق، سيحمل دلالة اجتماعية داخلية لا تقل أهمية عن دلالته السياسية.
لكن هذه الرمزية لا ينبغي أن تحجب حقيقة الرجل الأمنية. فآيزنكوت ليس مدنيا صاعدا من هامش السياسة، إنما أحد أبناء المؤسسة العسكرية الأكثر تأثيرا في العقود الأخيرة. بدأ في لواء "غولاني"، وتدرج في مواقع القيادة حتى أصبح رئيسا لهيئة الأركان بين عامي 2015 و2019، وقبلها قاد الجبهة الشمالية وشغل مواقع حساسة في الضفة الغربية. وهو من الجنرالات الذين لم يكتفوا بتنفيذ العقيدة الأمنية، بل ساهموا في صياغتها وتطويرها.
عقيدة الضاحية: وجه آيزنكوت العسكري
الاسم الأكثر التصاقا به هو "عقيدة الضاحية"، التي ارتبطت بحرب لبنان عام 2006، وتقوم على استخدام قوة تدميرية غير متناسبة ضد البنى التحتية والبيئات المدنية بذريعة الردع ومنع الخصم من استخدام محيطه الاجتماعي والعمراني. هذه العقيدة، التي وجدت لاحقا تطبيقات واسعة في غزة، تكشف أن آيزنكوت لا يقف خارج منطق القوة الإسرائيلي، بل في قلبه. إنه ليس نقيضا للعنف المؤسسي، بل أحد منظّريه.
من هنا، تبدو صورته كبديل لنتنياهو معقدة للغاية. صحيح أنه انتقد إدارة الحرب على غزة، واعتبر أن إسرائيل تحقق إنجازات تكتيكية من دون أفق استراتيجي، وهاجم خطط احتلال مدينة غزة بوصفها حماقة سياسية وعسكرية. لكنه لم يفعل ذلك من موقع رفض الحرب، بل من موقع المطالبة بإدارتها بفاعلية أعلى وربطها بأهداف سياسية أكثر وضوحا. اعتراضه ليس أخلاقيا على التدمير، بل استراتيجي على غياب الحصيلة.
جنرال دفع ثمن الحرب من بيته، في مقابل نتنياهو الذي تتهمه المعارضة بإدارة المعارك من أجل بقائه السياسي بينما يعيش نجله خارج البلاد.
وقد تعززت مكانته الداخلية بعد مقتل نجله غال في غزة في ديسمبر 2023، ثم مقتل أحد أقاربه بعد يوم واحد. في مجتمع إسرائيلي يمنح التضحية العسكرية قيمة رمزية كبرى، تحولت خسارته الشخصية إلى عنصر إضافي في صورته العامة: جنرال دفع ثمن الحرب من بيته، في مقابل نتنياهو الذي تتهمه المعارضة بإدارة المعارك من أجل بقائه السياسي بينما يعيش نجله خارج البلاد.
أما في ملف لبنان وإيران، فقد ظهر آيزنكوت أكثر حدة تجاه نتنياهو، خصوصا حين هاجمه بسبب قبوله طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقف إطلاق النار في لبنان، واعتبر ذلك "استسلاما" وتكبيلا ليد الجيش. هذا الموقف لا يكشف اعتدالا، بل يكشف العكس: آيزنكوت يريد يدا عسكرية أوسع، لا أقل، ويرى أن حزب الله هدف مشروع في الضاحية وبعلبك وكل مكان ينتشر فيه.
قد يكون آيزنكوت البديل الذي تبحث عنه إسرائيل المتعبة من نتنياهو، لكنه ليس البديل الذي يحتاجه الفلسطينيون أو المنطقة.
قد يكون آيزنكوت أقل فسادا، أقل صخبا، وأقل افتتانا بنفسه، لكنه ليس بالضرورة أقل عدوانية. قد يعيد ترتيب المؤسسة ويمنحها خطابا أكثر عقلانية، لكنه سيبقى ابن العقيدة ذاتها: عقيدة ترى الأمن في التفوق، والردع في التدمير، والسياسة في إدارة الصراع لا إنهائه.
والحقيقة التي تطرح نفسها، قد يكون آيزنكوت البديل الذي تبحث عنه إسرائيل المتعبة من نتنياهو، لكنه ليس البديل الذي يحتاجه الفلسطينيون أو المنطقة. إنه وجه أكثر هدوءا لمعادلة قديمة، وجنرال يحاول دخول السياسة من باب النزاهة الشخصية، بينما يحمل في سيرته واحدة من أكثر العقائد العسكرية قسوة في تاريخ الحروب الإسرائيلية الحديثة.