أزمة الحريديم.. صدع داخلي يربك الحسابات الإسرائيلية
29 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
تواجه إسرائيل واحدة من أكثر أزماتها الداخلية حساسية، مع تصاعد رفض اليهود الحريديم للخدمة العسكرية، وتحول ملف التجنيد من خلاف قانوني قديم إلى مواجهة سياسية واجتماعية مفتوحة. فبينما تسعى الدولة إلى فرض الخدمة على الجميع، يتمسك الحريديم بإعفاء شامل وغير مشروط لطلاب المعاهد الدينية، معتبرين أن دراسة التوراة هي جوهر وجودهم وهويتهم الجماعية.
بلغت الأزمة ذروتها في الأسابيع الأخيرة، بعدما قررت المحكمة العليا الإسرائيلية تقليص تمويل المعاهد الدينية، التي تضم طلابا مؤهلين للتجنيد ويرفضون الالتحاق بالجيش. وفي هذا السياق، خرج الحاخام "موشيه هليل هيرش"، أحد أبرز قادة المجتمع الحريدي، ليعلن أمام طلاب المعاهد الدينية في القدس أن الحريديم "في حالة حرب"، موضحا أن المقصود ليس الحرب مع إيران، بل "الحرب التي يشنها من هم داخلنا ضدنا".
تعكس هذه العبارة عمق الشعور داخل المجتمع الحريدي بأن الدولة لم تعد تكتفي بالضغط القانوني والمالي، بل تسعى إلى كسر نمط حياة كامل. وفي المقابل، ترى قطاعات واسعة من المجتمع اليهودي الإسرائيلي أن استمرار إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية لم يعد مقبولا، خصوصا في ظل الحرب الطويلة، وأزمة قوات الاحتياط، وتنامي مطلب "تقاسم العبء".
إعفاء قديم يتحول إلى أزمة سياسية
تعود جذور الأزمة إلى السنوات الأولى لقيام إسرائيل، حين مُنح عدد محدود من طلاب المعاهد الدينية إعفاء من التجنيد. لكن هذا الاستثناء توسع تدريجيا، خاصة بعد وصول اليمين إلى الحكم عام 1977، وعودة الأحزاب الحريدية إلى الائتلافات الحكومية. ومع الوقت، تحول الإعفاء من ترتيب محدود إلى نظام واسع يشمل أعدادا متزايدة من الشبان الحريديم.
حاولت المحكمة العليا الإسرائيلية مرارا التدخل في هذا الملف، معتبرة أن الإعفاءات الواسعة تمس بمبدأ المساواة. وفي عام 2002 أُقر قانون لتنظيم تأجيل خدمة طلاب المعاهد الدينية، لكنه أُلغي لاحقا باعتباره غير دستوري. ومنذ ذلك الوقت، فشلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في إنتاج قانون ثابت يرضي الحريديم ولا تصطدم به المحكمة.
وصل التوتر إلى حد إعلان الأحزاب الحريدية انسحابها من الائتلاف والتهديد بتفكيك الكتلة اليمينية، ما جعل ملف التجنيد قادرا على زعزعة الحكومة من الداخل.
في تموز/يوليو 2023، انتهت صلاحية الإطار القانوني الذي كان ينظم الإعفاءات، من دون تمديده. وجاء ذلك في توقيت بالغ الحساسية، وسط أزمة التعديلات القضائية، وقبل أشهر قليلة من السابع من تشرين الأول/أكتوبر والحرب التي أعقبته. ومع غياب القانون، فتحت الأزمة الباب أمام تدخل أوسع من المحكمة العليا والمستشارة القضائية للحكومة، سواء عبر وقف تمويل المعاهد الدينية أو إلغاء امتيازات اجتماعية لعائلات يرفض فيها الآباء المثول للخدمة.
سياسيا، وضعت الأزمة نتنياهو أمام مأزق معقد. فهو يعتمد على الأحزاب الحريدية، مثل "شاس" و"يهدوت هتوراه"، لبقاء معسكره اليميني، لكنه عاجز عن تمرير قانون يمنحها الإعفاء الشامل الذي تطالب به. وقد وصل التوتر إلى حد إعلان الأحزاب الحريدية انسحابها من الائتلاف والتهديد بتفكيك الكتلة اليمينية، ما جعل ملف التجنيد قادرا على زعزعة الحكومة من الداخل.
الشرطة في مواجهة الشارع الحريدي
لم تبق الأزمة داخل المحاكم والكنيست، بل انتقلت إلى الشارع. فقد أعلن مفوض الشرطة داني ليفي استئناف توقيف الحريديم المتهربين من التجنيد وتسليمهم إلى الشرطة العسكرية، بعد فترة طويلة من الامتناع العملي عن ذلك. وردا على الإعلان، دعا "موشيه غافني"، رئيس فصيل "ديغل هتوراه"، إلى تعليق التعاون مع الشرطة.
منذ تلك اللحظة، تصاعدت المواجهة بين الشرطة والمجتمع الحريدي. فالشاب الحريدي الذي يرفض التجنيد لا يتصرف، في نظر مجتمعه، كفرد متمرد على القانون، بل كجزء من موقف جماعي ديني واجتماعي. وإذا قرر الالتحاق بالجيش، قد يواجه النبذ داخل عائلته وبيئته. أما إذا رفض، فإنه يصبح ملاحقا من الدولة. بهذا المعنى، يجد الشاب الحريدي نفسه عالقا بين ضغط الجماعة وضغط القانون.
بلغ التصعيد مستوى صادما حين حاول عشرات المتظاهرين الحريديم اقتحام منزل قاضي المحكمة العليا "نوعام سولبرغ" في مستوطنة "ألون شفوت"، بعد قراراته المرتبطة بزيادة اعتقال المتهربين من التجنيد. ورغم أن المنفذين ينتمون إلى تيار هامشي داخل المجتمع الحريدي، فإن ضعف الإدانة من القيادات الدينية والسياسية كشف عمق الشرخ بين الحريديم والجهاز القضائي.
"الإنذار الأسود" وتعطيل الدولة
أخطر مظاهر الأزمة يتمثل في ظهور نظام هاتفي يسمى "الإنذار الأسود"، أنشأته جهات حريدية متشددة لإبلاغ المشتركين فور اعتقال أي متهرب من التجنيد. يضم أكبر خطين من هذه الشبكات أكثر من 130 ألف مشترك، وبمجرد صدور التنبيه يستطيع مئات أو آلاف المتظاهرين الوصول إلى موقع الاعتقال خلال دقائق، ومحاصرة الشرطة، ومحاولة تخليص المعتقل.
تقف خلف هذا النظام جماعة "الفصيل الأورشليمي"، وهي تيار حريدي متشدد يرى أن مواجهة التجنيد يجب أن تكون صدامية ومباشرة. وقد نجح هذا التيار في قيادة احتجاجات مفاجئة أغلقت طرقا رئيسية، ودفعت الشرطة إلى استخدام العنف، في مشاهد تحولت إلى مادة رئيسية في نشرات الأخبار الإسرائيلية.
تكشف أزمة الحريديم صدعا داخليا في الإجماع العسكري الإسرائيلي، وتضع نتنياهو واليمين أمام اختبار قد لا يقل خطورة عن أزمات الحرب نفسها.
تكمن خطورة المشهد في احتمال انتقال هذه الاحتجاجات من الهامش الحريدي المتشدد إلى التيار الحريدي الأوسع. فإذا استمرت الاعتقالات، فقد تتحول كل عملية توقيف إلى شرارة احتجاج قادرة على تعطيل الطرق وإرباك الشرطة وشل الحياة اليومية.
ولا يشبه رفض الحريديم للتجنيد رفض الخدمة بدافع الضمير أو معارضة الحرب؛ فكثير من الشبان الحريديم يميلون إلى اليمين المتطرف، ويؤيدون المشروع الاستيطاني، من دون أن يرغبوا في دفع كلفة الخدمة العسكرية. ومع ذلك، فإنهم يشكلون اليوم أكبر كتلة يهودية رافضة للتجنيد داخل إسرائيل.
لهذا، لا تقتصر الأزمة على سؤال: هل سينجح الجيش في تجنيد الحريديم؟ بل تمتد إلى سؤال أعمق: ماذا يحدث لدولة جعلت الخدمة العسكرية أساسا للمواطنة والانتماء، حين ترفض جماعة يهودية واسعة هذا الأساس، وتنجح في تهديد الحكومة والشارع والشرطة معا؟ هنا تكشف أزمة الحريديم صدعا داخليا في الإجماع العسكري الإسرائيلي، وتضع نتنياهو واليمين أمام اختبار قد لا يقل خطورة عن أزمات الحرب نفسها.