الهدنة التي لم تبدأ أصلا
29 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
تتصدر شاشات التلفزة العالمية وصحفها الكبرىٰ عناوين براقة تتحدث عن "تهدئة"، "مفاوضات"، و"هدنة إنسانية". يجلس المحللون في استوديوهاتهم المكيفة يتبادلون الآراء حول شروط الاتفاق ونسب النجاح، ويظن العالم للحظة أن المأساة قد توقفت، أو علىٰ الأقل أخذت استراحة محارب. لكن هنا، علىٰ الأرض، حيث تُقاس الساعات بعدد القذائف وأصوات الطائرات المسيرة (الزنانة) التي لا تغادر السماء، نعرف جيدًا أننا نعيش في "الهدنة التي لم تبدأ أصلًا". إنها هدنة في عقول من صاغوها ووهمٌ تسلىٰ به العالم ليغسل يده من دمائنا، أما في واقعنا، فالحرب مستمرة، وجبروت الآلة العسكرية لم يتوقف للحظة عن حصد الأرواح وتفكيك ما تبقىٰ من ملامح الحياة.
من "الخط الأصفر" إلىٰ عبثية الاستهداف المفتوح
في بداية هذه المأساة، كان سياق الموت يُغلف بمبررات "أمنية" واهية، وكان يُصنع له سياق قانوني مزيف. كان يُقال للناس إن القصف يستهدف من يتجاوز "الخط الأصفر"، أو من يقترب من مناطق معينة، أو من يخالف "التعليمات والتحذيرات". كان العالم يبتلع هذه الأكاذيب ويبرر للاحتلال اعتداءاته تحت ذريعة "تجاوز الحدود المسموحة". كانت اللعبة الخبيثة تقضي بإشعار الضحية بأنه هو المذنب لمجرد أنه تحرك خطوة إضافية نحو أرضه أو بيته.
هذا التحول يكشف الحقيقة العارية التي حاول العالم تغطيتها بكلمة "هدنة": الهدف ليس ضبط "الخطوط"، بل سحق الإمكانية الإنسانية للبقاء، وجعل كل شيء متحرك أو ساكن هدفًا مشروعًا للقتل.
ولكن، سرعان ما سقطت هذه الأقنعة وتلاشت المبررات تمامًا. اليوم، لم يعد هناك خط أصفر، ولا أحمر، ولا أخضر؛ الاستهداف أصبح معولمًا ومفتوحًا علىٰ كل تفاصيل الحياة اليومية بلا أي تبرير أو منطق. الشقق السكنية المكتظة بعائلات نازحة تحاول التقاط أنفاسها تُقصف وتُهدم فوق الرؤوس بلا إنذار. التجمعات البسيطة للمواطنين الذين يبحثون عن شربة ماء أو حصة إغاثية أو حتىٰ يبسطون ببعض الخضار لإطعام أطفالهم تصبح هدفًا مباشرًا لغارة غادرة. السيارات التي تنقل الجرحىٰ أو تبحث عن ممر آمن تُباد في عرض الطريق، والشوارع نفسها تحولت إلىٰ مصائد للموت. هذا التحول يكشف الحقيقة العارية التي حاول العالم تغطيتها بكلمة "هدنة": الهدف ليس ضبط "الخطوط"، بل سحق الإمكانية الإنسانية للبقاء، وجعل كل شيء متحرك أو ساكن هدفًا مشروعًا للقتل.
"ما زلنا...": تأبيد المؤقت وفصول المعاناة تحت القماشالهدنة في مفهومها البشري تعني عودة الحياة، أو علىٰ الأقل استعادة الأنفاس والخصوصية. لكننا ما زلنا نعيش في الخيام. ما زلنا نلتحف النايلون والقماش المهترئ الذي يحول الصيف إلىٰ جحيم يُطاق داخل الصوبات البلاستيكية، ويتحول في الشتاء إلىٰ غرق مستمر. كلمة "ما زلنا" تلخص بشاعة تحول "المؤقت" إلىٰ "دائم".
ما زلنا نستيقظ في الخامسة فجرًا لنبدأ رحلة الطوابير اللامتناهية؛ طابور للمياه الصالحة للشرب، وطابور للحمام المشترك الذي يفتقر لأدنىٰ مقومات النظافة، وطابور للحصول علىٰ ربطة خبز قد لا تأتي. هذه التفاصيل اليومية ليست مجرد مشقة، بل هي استنزاف ممنهج للكرامة الإنسانية. في الخيمة، لا توجد جدران تحجب الأسرار، ولا أبواب تُغلق علىٰ الحزن؛ الحياة كلها مكشوفة، والخصوصية رفاهية منسية. "ما زلنا" نكتشف كل يوم أن العالم تواطأ علىٰ تسمية عذابنا اليومي المستمر بـ "الهدنة"، بينما الهدنة الحقيقية لم تطأ أرضنا بعد.
الفقد المفتوح: بيوت غادرتنا قبل أن نغادرها
ومن أعمق فصول المعاناة التي يتغافلها الجميع في الحديث عن "الهدوء المزعوم" هو سياق الفقد المستمر. نحن لا نفقد أرواحًا فحسب، بل نفقد الذاكرة والمكان. في كل غارة تحدد "الهدنة الكاذبة" ملامحها، يسقط شهداء يُدفنون في مقابر جماعية، أو في ساحات المستشفيات، أو حتىٰ علىٰ حواف الطرقات دون وداع يليق بهم. غابت طقوس العزاء؛ فالجميع معزّون والجميع ضحايا.
ولا ننسىٰ البيوت التي أفنىٰ الناس أعمارهم في بنائها، وجمعوا تفاصيلها حجرًا حجرًا، وصنعوا فيها ذكريات أطفالهم، تحولت في ثوانٍ إلىٰ تلال من الركام. إن فكرة أن تعود لتتفقد ركام بيتك فلا تجد حتىٰ ألبوم صورك العائلية أو ألعاب أطفالك، هي موت من نوع آخر. هذا الفقد لا يتوقف في الهدنة، بل إن أيام الهدنة المزعومة هي الوقت الذي يملك فيه الناس دقائق إضافية ليتأملوا حجم الدمار الذي حلّ بحيواتهم، فتصبح "الهدنة" زمنًا لتجرع جرعات مكثفة من القهر والصدمة.
عتمة الزنازين: قضية الأسرىٰ المنسية في ظلال الاتفاقياتبينما يتبادل السياسيون الحديث عن صفقات التبادل وأرقام القوائم، يقبع آلاف الأسرىٰ في سجون ومعتقلات تحولت إلىٰ مسالخ بشرية حقيقية. إن الحديث عن الهدنة في ظل غياب الحرية الكاملة والكرامة لأسرانا هو نوع من النفاق. الأسرىٰ اليوم، وخصوصًا أولئك الذين تم اختطافهم من مراكز الإيواء والمستشفيات والممرات الآمنة في غزة، يواجهون ظروفًا من التنكيل والتعذيب الممنهج والتجويع الإجباري التي لم تشهدها البشرية في عصرها الحديث.
أي هدنة هذه التي تترك المئات ينزفون جوعًا ومرضًا تحت سياط الجلاد دون أن يجرؤ مؤسسات المجتمع الدولي علىٰ زيارتهم أو معاينة جراحهم؟
إنهم ليسوا مجرد أرقام في ملفات التفاوض، بل هم آباء وأبناء وأمهات يُمارس بحقهم عزل كامل عن العالم، ويُحرمون من أبسط الحقوق الإنسانية. وفي الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن "نجاح جهود التهدئة"، تستمر مصلحة السجون في مصادرة أعمارهم وتعذيب أجسادهم. أي هدنة هذه التي تترك المئات ينزفون جوعًا ومرضًا تحت سياط الجلاد دون أن يجرؤ مؤسسات المجتمع الدولي علىٰ زيارتهم أو معاينة جراحهم؟
السند الحقيقي: عن المجاهدين الذين يصدون طوفان الموتفي مقابل هذا الخذلان الدولي والصمت العالمي المطبق، تبرز الحقيقة الوحيدة التي تعيد للأرض توازنها: المجاهدون. هؤلاء الشباب الذين يخرجون من تحت الأرض ومن بين الركام، حفاة الأقدام، لكنهم يحملون عقيدة وجسارة تحطم هيبة العتاد الحربي الأكثر تطورًا في العالم. في الوقت الذي يتوهّم فيه العالم أن الهدوء يعود بقرار سياسي، يعلم الجميع هنا أن الهدوء النسبي أو تراجع آليات الاحتلال في بعض المحاور ما كان ليكون لولا تلك الضربات النوعية والكمائن المحكمة التي يسطرها المقاومون.
بينما يدرك النازح في خيمته أن القانون الدولي قد خذله، يجد في صمود المقاتل في الميدان بصيص الأمل الوحيد بأن هذه الأرض لها أصحاب يحمونها بأرواحهم، وأن الكلمة الأخيرة لن تكون للجلاد.
هم يقاتلون في ظروف مستحيلة؛ بلا خطوط إمداد، بلا غطاء جوي، وببطون خاوية، لكنهم يمثلون خط الدفاع الأخير عن كرامة هذه الأمة وعن بقاء هؤلاء الناس في خيامهم. إنهم السند الذي يستند إليه الشيخ والمرأة والطفل؛ فبينما يدرك النازح في خيمته أن القانون الدولي قد خذله، يجد في صمود المقاتل في الميدان بصيص الأمل الوحيد بأن هذه الأرض لها أصحاب يحمونها بأرواحهم، وأن الكلمة الأخيرة لن تكون للجلاد.
الحقيقة العارية التي لا تغطيها الورق
إن الهدنة الحقيقية ليست حبرًا علىٰ ورق في أروقة العواصم، وليست تصريحًا صحفيًا يلقيه ناطق رسمي متأنق أمام عدسات الكاميرات. الهدنة الحقيقية هي التي يلمسها ويعيشها من هم تحت القماش والنايلون، هي التي تتوقف فيها "الزنانة" عن اختراق الرؤوس، وهي التي يستطيع فيها الأب أن يعد أطفاله بنوم آمن دون أن يستيقظوا علىٰ لهيب النار والشظايا.
ما يعيشه شعبنا اليوم هو "استمرار الحرب بأساليب أخرىٰ" وبوتيرة هادئة تناسب الرأي العام العالمي، كي لا يزعجه منظر الدم الكثيف. إنها عملية قتل بطيء وممنهج، تُستهدف فيه مقومات الحياة والروح الإنسانية. لذلك، سيبقىٰ هذا العنوان شاهدًا علىٰ حقبتنا: نحن لم نمر بهدنة، ولم يتوقف الموت يومًا عن الطواف بين خيامنا وشوارعنا، وكل ما في الأمر أن العالم قرر أن يغلق عينيه ويوهم نفسه بأن كل شيء علىٰ ما يرام، بينما الحقيقة العارية تصرح بملء فمها: الحرب لم تنتهِ، والهدنة لم تبدأ أصلا.