حسن يوسف.. شيخ الضفة الذي لم تكسره السجون
25 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
بدا الإفراج عن الشيخ حسن يوسف من سجون الاحتلال الإسرائيلي مساء الخميس، كأنه استعادة مكثفة لسيرة فلسطينية طويلة، عبرت من منبر المسجد إلى ساحات العمل الوطني، ومن خيام الإبعاد في مرج الزهور إلى مقاعد المجلس التشريعي، ثم عادت مرارا إلى الزنازين التي أرادها الاحتلال قدرا دائما لرجل ظل حاضرا في المشهد الفلسطيني، حتى حين كان خلف القضبان.
خرج القيادي البارز في حركة حماس بعد نحو 32 شهرا من الاعتقال الإداري، بجسد أنهكته سنوات السجن الأخيرة. إذ فقد نحو 30 كيلوغراما من وزنه، وخرج مصابا بتمزق في أوتار ذراعه، قبل أن يُنقل مباشرة إلى أحد مستشفيات رام الله لإجراء فحوص طبية. غير أن المشهد في الوعي الفلسطيني جاء كشهادة أخرى على ما يفعله الاعتقال الإداري بالأجساد والأعمار؛ ذلك النمط من السجن المفتوح على التمديد، حيث لا تهمة واضحة، ولا محاكمة عادلة، ولا أفق مؤكد للحرية.
حسن يوسف.. سيرة موجزة
وُلد حسن محمد يوسف في قرية الجانية غرب رام الله، في الرابع عشر من نيسان/أبريل عام 1955، في بيت ارتبط مبكرا بالمنبر والدين والناس. كان والده الشيخ يوسف داوود إماما وخطيبا ومؤذنا في مسجد القرية، ومن تلك البيئة تشكل وعي الفتى الذي سيتولى، وهو في عمر مبكر، مسؤولية الإمامة في أحد مساجد رام الله. لم تكن بداياته السياسية منفصلة عن تكوينه الديني والاجتماعي؛ فقد جاء إلى العمل العام من باب الدعوة والإصلاح وخدمة المجتمع، قبل أن تدفعه سنوات الاحتلال والتحولات الفلسطينية الكبرى إلى قلب الفعل الوطني المنظم.
درس الشريعة الإسلامية في كلية الدعوة وأصول الدين التابعة لجامعة القدس في أبو ديس، وعمل في التعليم والدعوة والأوقاف، ونسج عبر ذلك حضورا اجتماعيا واسعا في رام الله والبيرة ومحيطهما. ومع صعود الحركة الإسلامية في الضفة الغربية خلال الثمانينيات، كان يوسف من الوجوه التي انتقلت من الإطار الدعوي إلى العمل السياسي المقاوم، في مرحلة تشكلت فيها حركة حماس بوصفها امتدادا تنظيميا وفكريا جديدا داخل المشهد الفلسطيني. وقد ظل الشيخ يوسف، في روايته لتلك المرحلة، حريصا على التأكيد أن تأسيس الحركة جاء في سياق مواجهة الاحتلال، لا في سياق إلغاء الحالة الوطنية الفلسطينية أو الحلول محلها.
من الإبعاد إلى منبر التشريعي
كانت محطة مرج الزهور عام 1992، واحدة من المنعطفات الحاسمة في سيرته. حين قررت حكومة الاحتلال إبعاد مئات الناشطين من حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى جنوب لبنان، وجد حسن يوسف نفسه بين أولئك الذين حوّلوا المنفى القاسي إلى مدرسة سياسية مفتوحة. في الخيام الباردة، وعلى تخوم الحدود، كانت التجربة مختبرا لصقل القيادات، وتبادل الخبرات، وتكثيف الشعور بأن الاحتلال لا يلاحق الأفراد فقط، بل يحاول كسر البنية الاجتماعية والسياسية التي تنتجهم.
عاد يوسف من مرج الزهور أكثر حضورا في الضفة الغربية. ومع اندلاع الانتفاضة الثانية، برز بوصفه أحد أهم الوجوه الإعلامية والسياسية لحركة حماس في الضفة. امتلك قدرة لافتة على صياغة الموقف السياسي بلغة واضحة أمام الإعلام العربي والدولي والإسرائيلي، وعلى تحويل المقابلة الصحفية إلى مساحة لمخاطبة الرأي العام وفضح سياسات الاحتلال. لكنه لم يكن في الوقت ذاته، صوتا حزبيا مغلقا على نفسه؛ فقد عُرف بعلاقاته الواسعة مع قادة فتح والفصائل اليسارية، وبحضوره في الأطر الوطنية المشتركة، وبإصراره على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة في أكثر المراحل الفلسطينية تعقيدا.
تعرّض الشيخ حسن يوسف للاعتقال مرات كثيرة منذ سبعينيات القرن الماضي، وأمضى ما يزيد على عقدين ونصف في سجون الاحتلال بصورة متقطعة.
في عام 2006، خاض الانتخابات التشريعية الفلسطينية ضمن قائمة التغيير والإصلاح وهو داخل سجون الاحتلال، فحصل على أعلى الأصوات في دائرة رام الله والبيرة. حمل ذلك الفوز دلالة سياسية تتجاوز الأرقام؛ فقد صوّت الناس لرجل غائب جسديا، لكنه حاضر في ذاكرتهم اليومية بوصفه خطيبا ووسيطا وناطقا وأسيرا. ومنذ ذلك الوقت، تعززت صورته كأحد أبرز رموز الاعتقال الإداري، إذ لم تكن حريته إلا فواصل قصيرة بين اعتقال وآخر، ولم يكن الإفراج عنه في كثير من الأحيان نهاية المطاف، بل استراحة مؤقتة قبل مداهمة جديدة، وتمديد جديد وملف سري جديد.
تعرّض الشيخ حسن يوسف للاعتقال مرات كثيرة منذ سبعينيات القرن الماضي، وأمضى ما يزيد على عقدين ونصف في سجون الاحتلال بصورة متقطعة. واللافت في تجربته أن السجن لم يكن مرتبطا بمحطة سياسية واحدة، بل رافقه عبر معظم تحولات القضية الفلسطينية: من صعود الحركة الإسلامية، إلى الانتفاضة الأولى، إلى مرج الزهور، إلى الانتفاضة الثانية، إلى الانتخابات التشريعية، وصولا إلى الحرب على غزة وما رافقها من حملة اعتقالات واسعة في الضفة الغربية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
لا تختصر سيرة حسن يوسف في انتمائه التنظيمي وحده، ولا في عدد سنوات أسره فقط. إنها سيرة رجل تحرك في مساحة شديدة التعقيد من التاريخ الفلسطيني: شيخا، ومربيا، وقياديا سياسيا، وأسيرا، ومبعدا، ونائبا منتخبا، ووجها إعلاميا، وصوتا ظل يدعو إلى وحدة الصف حتى في ذروة الانقسام. وبين كل اعتقال وإفراج، كانت صورته تتشكل مجددا في الوعي الفلسطيني بوصفها جزءا من حكاية أوسع: حكاية شعب يريد الاحتلال أن يحاصر قادته في الزنازين، فإذا بالزنازين تتحول إلى فصل آخر من فصول الحضور.