زوجة الشهيد خضر عدنان تفتح ذاكرة الحب والفقد
25 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم تكن رندا موسى مجرد زوجة لأسير أمضى سنوات عمره في سجون الاحتلال، بل كانت كما كان يصفها الشهيد الشيخ خضر عدنان دائما؛ جيشه السند، ورفيقة دربه التي تفهمه بنظرة أو إشارة. استشهد زوجها داخل زنزانته في أيار 2023 عقب إضراب طويل عن الطعام استمر 86 يوما، واليوم تجلس أم عبد الرحمن في بيتها في جنين وتفتح قلبها لمنصة الميدان في مقابلة خاصة، تتنقل فيها بين تفاصيل حياتها الشخصية مع القائد والمناضل الشيخ خضر عدنان، ولحظات المحكمة الأخيرة، وثقل المسؤولية التي تركها خلفه، وصراع المشاعر أمام جثمان لا يزال الاحتلال يحتجزه في ثلاجاته.
تجلس أم عبد الرحمن، يحيط بها أطفالها ومنهم طفلها الصغير عمر الذي ما يزال يلاصقها ويسلم على ضيوفها، لتتلمس بقايا ذكرياتها، وتروي حكاية امتزج فيها الحب بالفقدان، والثبات بالوجع اللامتناهي.
الهنية الرضية.. زاد سنوات الغياب
تبدأ الحكاية من تفاصيل العلاقة الإنسانية الفريدة التي جمعت الزوجين وسط ملاحقات الاحتلال واعتقالاته. تسرد رندا ملامح تلك الأيام بنبرة يملأها الحنين والرضا: "الله يرضى عليه، كان الشيخ حريصا كل الحرص على مشاعري وعلى عدم زعلنا. طوال الأيام التي جمعتنا، لم ينم يوما غاضبا مني، فلم أعبس في وجهه يوما، بل كنت دائما حريصة على الابتسام والصفح السريع؛ لم أحتمل أن يمسه كدر. كان يفضل مناداتي بأم عبد الرحمن أو رنوش، ويصفني دائما بالعبارة التي لا تغادر قلبي: الهنية الرضية، الودود الولود".
وتكمل: "رسائله التي امتدت من عام 2005 حتى 2018 من السجون فاضت بكلمات الحب المتقنة ونقاء المشاعر.. كانت زادنا الحقيقي الذي يقطع سنوات الغياب الطويلة وأملنا في التثبيت".
هو في غرفة المحكمة في السجن، بينما تنعقد المحكمة في سالم ويتم التواصل بينهما بالفيديو؛ المشهد تتفطر له القلوب، حين بدت إرهاصات الموت واضحة تماما على الشيخ؛ هزال وضعف شديدين، حتى إنه أُغمي عليه ثلاث مرات خلال الجلسة.
لكن هذا الاستقرار العاطفي كان يمور دوما فوق أرض غير مستقرة من الملاحقة؛ من الاحتلال وأجهزة أمن السلطة. ففي المشوار الأخير الذي سبق اعتقاله الأخير لدى الاحتلال، كانا في السيارة، ودار بينهما ما تصفه زوجته بحديث الطريق، فقد سألته مباشرة إن كان سيضرب عن الطعام مجددا إذا ما اعتقل، ولم يكن يريد أن يفصح عما يدور في خلده لعلمه بما يثيره ذلك من مخاوف في نفسها، فما كان منه إلا أن قال: "لما أضرب بتعرفي". ورغم أنها كانت في كل الإضرابات السابقة داعمته الأولى وسنده، إلا أن هذا الإضراب الأخير حمل غصة إضافية، فهي لا تعترض على المبدأ، ولكن توقيت المعركة والظروف المحيطة هو ما أشعرها بالقلق والتوجس مما ستؤول إليه النتائج؛ فالشيخ كان يتعرض لتضييق ممنهج وسط حالة معقدة من الفلتان الأمني وغياب القيادات المؤثر، ولكن كان للشيخ وجهة نظر أخرى.
المشهد الأخير.. فلسفة الانتصارين
تنقلنا رندا إلى قاعة المحكمة، حيث كانت المحاكمة الأخيرة عبر شاشة الفيديو قبيل استشهاده بأيام، هو في غرفة المحكمة في السجن، بينما تنعقد المحكمة في سالم ويتم التواصل بينهما بالفيديو؛ المشهد تتفطر له القلوب، حين بدت إرهاصات الموت واضحة تماما على الشيخ؛ هزال وضعف شديدين، حتى إنه أُغمي عليه ثلاث مرات خلال الجلسة. وتستذكر رندا تلك اللحظات العاصفة بمزيج من عاطفة الزوجة وثبات المناضلة: "من خوفي عليه، قلت له في المحكمة: الله يرضى عليك، إذا في مجال تاخذ مدعمات مثل باقي الأسرى حتى تشد حيلك وتقدر تستمر وتنتزع حريتك". لكن الشيخ كان حازما جدا، غضب من طلبها وقال: "لا تعيدي هذا الكلام مرة أخرى.. روحي على البيت وخلي عينك على الأولاد".
كان الشيخ خضر يرى أن الأهل يجب أن يكونوا مصدر قوة وثبات أمام المحتل، لا مصدر ضعف. كان يرى في درب الإضراب معركة انتصارين وليس انتصارا واحدا؛ الانتصار الأول: هو عدم الانكسار للسجان والرفض القاطع للتراجع أمامه، والانتصار الثاني: هو نيل الشهادة التي يتمناها أي مقاوم ومقاتل. كان يقول لزوجته على الدوام: "أنتِ تعرفين أني لا أتراجع، حتى لو كنت أرى الموت بعيني".
لا يغيب الشيخ عن تفاصيل حياة العائلة، حتى أن أم عبد الرحمن تراه في المنام كثيرا، يوصيها بعدم الزواج والحفاظ على أبنائها ورعايتهم.
رحل الشيخ متمسكا بانتصاره، وتاركا خلفه إرثا ثقيلا؛ تسعة من الأبناء تجد أم عبد الرحمن نفسها اليوم مسؤولة عن توجيه دفة سفينتهم وحدها بلا معين. وتشرح مرارة هذا التحول قائلة: "تربية الأولاد وتدريسهم والاهتمام بيومياتهم أمر مقدور عليه، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في أن أكون صاحبة القرار الوحيدة في القرارات المصيرية التي تخصهم. إنها نعمة ونقمة؛ نعمة لأن القرار نافذ بيدكِ دون تدخل، ونقمة لأنكِ تتمنين وجود الشريك ليشاطركِ هذا الحمل ويتحمل معكِ النتائج في قضايا مصيرية مثل تزويج البنات، وتخصصات الأولاد الجامعية، أو علاج ابني في الأردن، كلها قرارات مفصلية تجعلني أفتقده بشدة".
لا يغيب الشيخ عن تفاصيل حياة العائلة، حتى أن أم عبد الرحمن تراه في المنام كثيرا، يوصيها بعدم الزواج والحفاظ على أبنائها ورعايتهم، بحسب ما روت لمميدان، وأضافت: "حتى إن تفاصيل اختيار تخصص ابنتنا معالي الدراسي كان حاضراً فيها ونحن نستخير الله ونستلهم سيرته".
صراع المشاعر وغصة الثلاجات
اليوم، لا يزال الاحتلال يحتجز جثمان الشيخ خضر عدنان في ثلاجاته، ليضع العائلة أمام صراع نفسي وحق مسلوب. تصف رندا هذا الوجع الممتد الذي لا تطيقه الجبال لمرارته: "أعيش صراعا داخليا معقدا وصعبا جدا. نتمنى أن يكون للشيخ قبر نزوره ونحتضنه.. ابنتي الصغيرة تسألني دائما: ماما ليش بابا ما له قبر نروح عليه؟ لكن في الوقت نفسه، ثمة شعور آخر يصارعني؛ لم أكن أحب أن يراه أولاده بالصورة التي كان عليها في أيامه الأخيرة من ضعف وهزال، وشعر طويل ولحية نالت منها زنازين الإضراب. كنت أريدهم أن يحفظوا في ذاكرتهم صورته القوية الجميلة. فأن تكون قطعة من قلبك متجمدة في ثلاجاتهم، هي غصة تفوق أي ألم، ونسأل الله ألا يكلفنا ما لا نطيق".
تختتم رندا حكايتها بكلمات تمنت لو أن الوقت أسعفها لتقولها له بصوت عال في المحكمة "إنها تحبه، وباقية على عهده وعهد عائلته وأولاده مهما حييت".
وتصمت قليلا قبل أن تنهي حديثها بوفاء يعبر عن عمق الرابط الذي جمع بينهما قائلة: "الحمد لله، لم أزعله يوما ولم يغضب مني قط، وكان يردد دائما: 'اللي ما اتزوج مثل أم عبد الرحمن، ما عاش العيشة صحيحة. كنت أتمنى لو أنه بيننا اليوم ليرى أولاده وهم يكبرون، كنت أظن أنه ما زال أمام الشيخ متسع من الوقت معنا، فحري بمن هو مثله ألا يرحل سريعا.. لكنه قدر الله وقضاؤه الذي نرضى به ونستسلم أمامه، وسيبقى خضر حيا فينا ما حيينا، حتى يجمعنا الله به في جنات النعيم".