مأزق الاحتلال في غزة: جيش عالق ومقاومة ترمم وسط الركام
25 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
يكشف تقرير عبري ميداني من شمال قطاع غزة أن الاحتلال الإسرائيلي لا يتعامل مع القطاع بوصفه جبهة انتهت، بل كساحة قتال مفتوحة لم تُحسم بعد، رغم سريان وقف إطلاق النار وتمركز قواته على امتداد ما يُعرف إسرائيليا بـ"الخط الأصفر" في الجزء الشرقي من غزة.
التقرير، الذي رافق جنودا من لواء المظليين في منطقة جباليا، ينقل عن ضباط إسرائيليين اعترافات لافتة بشأن استمرار نشاط المقاومة في القطاع، ومحاولات حركة حماس ترميم قوتها الميدانية، ومواصلة اختبار خطوط انتشار جيش الاحتلال عبر الاقتراب من مواقعه، وزرع العبوات، ومراقبة تحركات القوات.
جيش عالق في أرض مدمرة
وبخلاف الرواية الإسرائيلية التي طالما تحدثت عن "تفكيك قدرات حماس" و"إضعافها جذريا"، يقدّم التقرير صورة أكثر تعقيدا؛ إذ يقول بوضوح إن حماس "تتعافى وتراكم القوة من جديد، وتستعد للمواجهة المقبلة". وهي صياغة تحمل في ذاتها اعترافا بأن الحرب، بكل ما خلّفته من دمار هائل في غزة، لم تنجح في إنهاء قدرة الحركة على البقاء والعمل وإعادة بناء صفوفها.
وينقل التقرير عن أحد ضباط الكتيبة 101 في لواء المظليين قوله: "هذه ليست حربا هادئة، عندنا الضجيج عال، لكنها حرب بكل معنى الكلمة". هذه العبارة تختصر جانبا مهما من المشهد: ما يجري في غزة، من منظور الجنود الإسرائيليين أنفسهم، ليس مجرد انتشار عسكري أو مهمة مراقبة بعد وقف إطلاق النار، بل مواجهة يومية مستمرة، تتداخل فيها المراقبة مع الاشتباك، والخوف من العبوات مع البحث عن الأنفاق، والانتظار مع ترقب جولة جديدة.
التقرير يقر بأن حماس لا تزال تسيطر على الأرض على بعد مئات الأمتار فقط من مواقع انتشار الجيش. وهذه النقطة تحديدا تنسف ادعاء السيطرة الكاملة، وتكشف هشاشة الإنجاز العسكري الإسرائيلي حين يُقاس بمعيار القدرة على فرض واقع مستقر داخل القطاع.
بحسب التقرير، يعمل جيش الاحتلال منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ على امتداد "الخط الأصفر"، الذي يمتد في الجزء الشرقي من القطاع من بيت حانون شمالا حتى رفح جنوبا. غير أن اللافت أن التقرير نفسه يقر بأن حماس لا تزال تسيطر على الأرض على بعد مئات الأمتار فقط من مواقع انتشار الجيش. وهذه النقطة تحديدا تنسف ادعاء السيطرة الكاملة، وتكشف هشاشة الإنجاز العسكري الإسرائيلي حين يُقاس بمعيار القدرة على فرض واقع مستقر داخل القطاع.
ويقول ضابط إسرائيلي آخر إن عناصر المقاومة "يعرفون كيف يتوارون جيدا"، وإنهم يدركون وجود وسائل المراقبة الإسرائيلية، مضيفا "أنهم يبحثون عن فرص لمباغتة القوات أو زرع العبوة التالية". ويشير التقرير إلى استمرار قدرة المقاتلين على الحركة والمراقبة والاقتراب من خطوط الجيش، رغم كثافة الرصد والتجريف والانتشار العسكري.
وفي جانب آخر، يكشف التقرير أن جيش الاحتلال يواصل عمليات فحص وحفر في مناطق مختلفة خشية تجدد البنية التحتية للأنفاق. وينقل عن أحد الضباط قوله إن الجيش يجري عمليات حفر للتأكد من أن حماس لا تعيد بناء بنية أنفاق هجومية. كما يعترف بأن القوات لا تزال تعثر على أنفاق، وأنها تعمل بوتيرة عالية لمحاولة انتزاع هذه الأصول من يد الحركة.
فكرة تتجدد من بين الركام
الأكثر دلالة في التقرير هو إقرار أحد الضباط بأن حماس، بوصفها فكرة وتنظيما، لم تختفِ. يقول الضابط إن الحركة كانت تضم قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر عشرات آلاف المقاتلين من أعمار مختلفة، ثم يضيف أن الموجودين اليوم، وفق تقديره، هم من جيل أصغر سنا، في إشارة إلى امتداد جذور حماس والترميم المستمر.
بين استمرار الانتشار العسكري وغياب التصور السياسي لما بعد الحرب، يتكشف مأزق الاحتلال الأعمق؛ فهو لا يستطيع إعلان الحسم، ولا يملك طريقا واضحا للخروج، ولا ينجح في تحويل الدمار الواسع إلى انتصار مستقر.
في جباليا، كما يصف التقرير، بقيت البيوت مدمرة والبنى التحتية منهارة، فيما يواصل الجنود الإسرائيليون الخروج في الظلام والعودة في الظلام والمراقبة من مواقعهم. لكن بين هذا الركام، يرى الجنود كل حركة مدنية باعتبارها تهديدًا محتملا: شاحنة تمر، أشخاص يحملون أكياسا، أو من يبحثون في الأنقاض. هنا تظهر إحدى أخطر نتائج الحرب: الاحتلال لا يرى في المدنيين بشرا يحاولون النجاة وسط الخراب، بل عيونا محتملة، وكاميرات محتملة، وتهديدا محتملا.
هكذا تبدو غزة في المشهد الإسرائيلي الراهن: قطاع مدمّر، وجيش عالق في داخله بلا أفق واضح، ومقاومة لم تُنهَ رغم كل ما صُبّ عليها من نار. وبين استمرار الانتشار العسكري وغياب التصور السياسي لما بعد الحرب، يتكشف مأزق الاحتلال الأعمق؛ فهو لا يستطيع إعلان الحسم، ولا يملك طريقا واضحا للخروج، ولا ينجح في تحويل الدمار الواسع إلى انتصار مستقر.