راية الهيكل: رمز اليمين الإسرائيلي الجديد لمعركة الأقصى
17 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
وسط البحر المألوف من الأعلام الإسرائيلية في "مسيرة الأعلام"، شكلت الراية الزرقاء التي ارتفعت حاملة رسم "الهيكل" علامة على طور جديد من الصراع؛ طور لم تعد فيه المعركة على القدس تُدار بالبنادق والحواجز وحدها، بل بالرموز أيضا، وباللافتات، وبالأناشيد، وبالهندسة البطيئة للوعي. فحين يظهر رسم "الهيكل" فوق قماش أزرق فاتح، تحمله أيدي آلاف الشبان القوميين المتدينين، فإن ذلك يكشف عن مشروع سياسي يتقدم بثبات: مشروع يريد تحويل المسجد الأقصى من قلب للهوية الفلسطينية والإسلامية إلى ساحة سيادة يهودية، ثم إلى مركز لنظام ديني جديد يعيد تشكيل الدولة والمكان والإنسان.
في القدس، لا تأتي الرموز بلا تاريخ. كل حجر يعرف حكايته، وكل زقاق يحمل ذاكرة الذين مروا عليه، وكل راية ترفع في المكان ليست بريئة من السؤال: لمن تكون السيادة؟ ومن يملك الحق في تسمية المدينة؟ لذلك لم يكن ظهور راية "الهيكل" بكثافة في مسيرة الأعلام الأخيرة مجرد تفصيل بصري. كان إعلانا عن انتقال حركة كانت تقيم طويلا على هوامش اليمين الإسرائيلي إلى قلب المشهد، وعن تحوّل فكرة كانت تبدو متطرفة ومعزولة إلى لغة مشتركة داخل معسكر واسع يمتد من الحاخامات والناشطين الأرثوذكس إلى القوميين الدينيين، ومن المستوطنين إلى شرائح علمانية ومحافظة في اليمين الإسرائيلي.
مسيرة الأعلام: استعراض سيادة يتحول إلى طقس تهويدي
منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، سعت إسرائيل إلى تثبيت سيادتها على المدينة بالقوة والرمز معا. جاءت "مسيرة الأعلام" في هذا السياق، بعد عام واحد فقط من الاحتلال، لكنها بقيت لعقود حدثا محدودا داخل التيار الصهيوني الديني. غير أن تحولات العقدين الأخيرين جعلت منها طقسا سياسيا مركزيا، لا يكتفي بالاحتفال بما تسميه إسرائيل "توحيد القدس"، بل يحوّل شوارع البلدة القديمة إلى مسرح لاستعراض القوة، وإلى لحظة احتكاك مقصودة مع الفلسطينيين، وإلى إعلان سنوي بأن القدس، في المخيال اليميني الإسرائيلي، ليست مدينة يعيش فيها شعبان، بل غنيمة يجب أن تكتمل السيطرة عليها.
في هذه المسيرة لا يتحرك المشاركون وحدهم؛ تتحرك معهم منظومة كاملة من الشعارات والأغاني والخرائط واللافتات. ومن بين هذه الرموز، أخذت راية "الهيكل" تحتل موقعا متقدما. صارت تظهر على السيارات، وعلى الجدران، وعلى لافتات وهمية على الطرق، وفي البؤر الاستيطانية، وكأنها تحاول أن تسبق الواقع إلى رسمه. فقبل أن يتغير الوضع في الأقصى بالقانون أو بالقوة، يجري تغييره في المخيال العام؛ وقبل أن يُفرض التقسيم مكانيا، يُزرع رمزيا في الوعي.
ما يتقدم اليوم هو مشروع سيادي كامل، يرى في المسجد الأقصى العقدة المركزية التي يجب حلها كي تكتمل هوية الدولة كما يتخيلها اليمين الديني.
تدرك الحركة التي تقف خلف هذه الراية أن السيطرة على الأقصى لا تبدأ من البوابة، بل من اللغة. لذلك لا تتعامل مع المسجد بوصفه مكان عبادة إسلاميا قائما منذ قرون، بل تعيد تسميته وتغليفه ضمن روايتها الخاصة: "جبل الهيكل". وحين تتكرر التسمية، وتتسع الزيارات، وتكثر الطقوس، ويظهر السياسيون في ساحاته، يتحول الاقتحام من فعل استفزازي إلى مشهد مألوف، ثم إلى مطالبة "طبيعية" بالصلاة، ثم إلى دعوة للتقسيم، ثم إلى مشروع أبعد: بناء "الهيكل الثالث" على أنقاض الوضع القائم.
هنا تحديدا يكمن جوهر الخطر. فالمسألة لم تعد متعلقة بجماعات هامشية تحلم بطقوس دينية في مكان مقدس. ما يتقدم اليوم هو مشروع سيادي كامل، يرى في المسجد الأقصى العقدة المركزية التي يجب حلها كي تكتمل هوية الدولة كما يتخيلها اليمين الديني. بالنسبة إلى هذا التيار، لم تعد إسرائيل الحالية كافية؛ الدولة التي نشأت كقوة استعمارية حديثة لا بد أن ترتقي، في خيالهم، إلى دولة توراتية صريحة، يحكمها المعنى الديني، ويقودها الوعد، وتتمركز حول "الهيكل" بوصفه ذروة السيادة.
وقد تعزز هذا التحول بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة عام 2005، حين رأى قطاع واسع من القوميين الدينيين أن الدولة "خانت" رسالتها المقدسة. منذ تلك اللحظة، أخذ جزء من هذا التيار ينظر إلى الدولة لا باعتبارها أداة يجب خدمتها فحسب، بل باعتبارها كيانا يجب إعادة صياغته من الداخل. لم تعد المهمة هي حماية إسرائيل القائمة، بل دفعها نحو صورة أكثر تطرفا: دولة يهودية ثيوقراطية، تتجاوز القانون المدني، وتستدعي النصوص التوراتية لتبرير السيطرة والقتل والطرد.
من هامش المستوطنين إلى مركز القرار الإسرائيلي
لهذا لا يمكن فصل راية "الهيكل" عن العنف الذي يرافق مسيرة الأعلام. فالهتافات التي تنادي بحرق القرى، والاعتداءات على الفلسطينيين في البلدة القديمة، هي انعكاس لثقافة سياسية أخذت تنضج داخل المجتمع الإسرائيلي وتتمدد في مؤسساته. وما كان يُهتف في شوارع القدس صار يسمع في غزة، وما كان يكتب على الجدران صار يمارس في الضفة، وما كان حلما لتيارات الهيكل صار يجد له ممثلين في الشرطة والجيش والحكومة.
خلال العقدين الماضيين، شهد الجيش الإسرائيلي تحولا اجتماعيا عميقا. أعداد متزايدة من الشبان القوميين المتدينين دخلوا إلى الوحدات القتالية عبر مدارس دينية وأكاديميات تحضيرية تجمع بين التدريب العسكري والتعبئة العقائدية. لم يدخل هؤلاء الجيش بوصفهم جنودا عاديين، بل بوصفهم حملة رسالة. ومع الوقت، لم يعد حضورهم مقتصرا على الرتب الدنيا، بل بدأ يظهر في مواقع القيادة، وفي وحدات النخبة، وفي أجهزة الأمن والاستخبارات. وهكذا انتقلت الأيديولوجيا من الشارع إلى البندقية، ومن المدرسة الدينية إلى غرفة العمليات، ومن الحلم الرمزي إلى القرار العسكري.
حين تُفتح أبواب الشرطة أمام ناشطي "الهيكل" للعمل في الوحدة المسؤولة عن الأقصى، وحين يُمنح وزير مثل إيتمار بن غفير نفوذا مباشرا في ترتيبات المكان، يصبح الحديث عن "الحفاظ على الوضع القائم" مجرد غطاء لفظي لتآكله المستمر.
الأخطر أن هذا التغلغل لم يعد يجري من أسفل فقط. فحين تُفتح أبواب الشرطة أمام ناشطي "الهيكل" للعمل في الوحدة المسؤولة عن الأقصى، وحين يُمنح وزير مثل إيتمار بن غفير نفوذا مباشرا في ترتيبات المكان، يصبح الحديث عن "الحفاظ على الوضع القائم" مجرد غطاء لفظي لتآكله المستمر. فالوضع القائم لا يسقط دفعة واحدة؛ يُنهك بالتدريج. يُخدش باقتحام، ثم يُعاد تعريفه بزيارة، ثم يُقضم بصلاة صامتة، ثم يُدفع نحو التقسيم، حتى يجد الفلسطيني نفسه أمام واقع جديد قيل له طويلا إنه مستحيل.
إن ما يجري في القدس لا ينفصل عما يجري في غزة والضفة. فالراية ذاتها التي ترفع في مسيرة الأعلام ترفرف، بصورة أو بأخرى، فوق البؤر الاستيطانية التي تطرد الرعاة من أراضيهم، وفوق الجنود الذين يهدمون البيوت، وفوق الخطاب الذي يبرر الحرب بوصفها حربا توراتية. العنف هنا ليس فائضا عن المشروع؛ إنه أداته. والتهجير ليس انحرافا عن الدولة؛ إنه سياسة تتقدم كلما شعرت إسرائيل أن اللحظة مواتية لإعادة رسم الجغرافيا والديموغرافيا معا.
تكشف راية "الهيكل" عن حقيقة أعمق من مجرد صعود تيار ديني. إلى حد انتقال اليمين الإسرائيلي من إدارة الاحتلال إلى تخيل نظام جديد يقوم على الحسم: حسم هوية القدس، وحسم وضع الأقصى، وحسم الوجود الفلسطيني نفسه.
وهكذا، تكشف راية "الهيكل" عن حقيقة أعمق من مجرد صعود تيار ديني. إلى حد انتقال اليمين الإسرائيلي من إدارة الاحتلال إلى تخيل نظام جديد يقوم على الحسم: حسم هوية القدس، وحسم وضع الأقصى، وحسم الوجود الفلسطيني نفسه. وما كان يقال همسا في حلقات المتطرفين صار يقال علنا في المسيرات، وما كان شعارا هامشيا صار يقترب من مركز القرار.
لكن في مقابل هذه الراية، تقف رواية أخرى أقدم وأعمق: رواية شعب يعرف أن القدس لا تُختصر في علم يرفع فوقها، ولا في خريطة يرسمها المستوطنون، ولا في نص سياسي يكتبه المحتل. القدس في الوعي الفلسطيني ليست مدينة محتلة فقط؛ إنها امتحان دائم للذاكرة والإرادة. والأقصى ليس ساحة صراع على الطقوس وحدها؛ إنه مرآة الصراع كله بين مشروع يريد اقتلاع المكان من أهله، وشعب يتمسك بحقه في أن يبقى، وأن يسمي أرضه بلغته، وأن يحرس مقدساته بذاكرته وجسده وصوته.