عائلة الشيخ ماهر الخراز: نصف قرن من السجون والمنافي
17 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم يدر في خلد زوجة الشيخ ماهر الخراز، وهي تدخل بيتها الجديد في مدينة نابلس القديمة عروسا فتيّة، أن الهدوء الذي يسكن أيامها لن يطول، وستستبدله أحداث عاصفة لا تعرف السكون. ثلاث سنوات فقط عاشتها برفقة زوجها الشيخ ماهر كما تحلم أي زوجة شابة؛ بيت صغير، وأحلام تكبر بهدوء، ومستقبل تتضح ملامحه خطوة بخطوة. قبل أن تجد العواصف التي تدور رحاها في فلسطين طريقها إلى بيتها بسرعة، لتبدأ رحلة طويلة صعبة لم تنتهِ حتى اللحظة.
قرابة نصف قرن من الحياة المشتركة جمعت بين الشيخ ماهر الخراز وزوجته، كان معظمها مثقلا بتحديات الأسر والغياب والانتظار. تستعيدها الزوجة وكأنها شريط متواصل يُعرض أمام ناظريها بتؤدة، رغم ضياع كثير من تفاصيله من ذاكرتها. انتظار العودة من مقابلة لدى الحاكم العسكري قد تنهي باعتقال، وانتظار على أبواب سجون يتنقل بينها دون رغبة منه، وانتظار لخبر يطمئن العائلة عن زوج غاب خلف القضبان، وانتظار آخر لزيارة قد تُلغى في اللحظة الأخيرة، وانتظار الحصول على تصريح قد يُرفض دون سبب!
ع كل اعتقال جديد، كانت زوجته تجد نفسها في مواجهة مسؤوليات مضاعفة؛ تؤدي دور الأم والأب معا، وتكافح للحفاظ على تماسك الأسرة وتلبية احتياجاتها.
منذ أن بدأ الشيخ ماهر الخراز نشاطه الدعوي، لم تعد حياة أسرته تسير على إيقاع الاستقرار المعتاد. فسرعان ما أصبحت الملاحقات والاعتقالات جزءا ثابتا من يوميات العائلة، وتحولت الاقتحامات الليلية إلى مشاهد متكررة تطبع ذاكرة الأبناء. يفزع الأطفال على وقع طرقات الجنود العنيفة على الأبواب، قبل أن يقتحموا المنزل ويفتشوا غرفه ويقلبوا محتوياته رأسا على عقب. ومع كل اعتقال جديد، كانت زوجته تجد نفسها في مواجهة مسؤوليات مضاعفة؛ تؤدي دور الأم والأب معا، وتكافح للحفاظ على تماسك الأسرة وتلبية احتياجاتها، فيما كان زوجها يقضي شهورا وسنوات خلف القضبان والأسلاك الشائكة.
أصعب المحطات جاءت عام 1992
تقول زوجة الشيخ ماهر الخراز في لقاء خاص مع الميدان:" في ذلك العام كان الشيخ معتقلا في سجن النقب عندما قررت سلطات الاحتلال إبعاده إلى مرج الزهور جنوب لبنان ضمن قافلة المبعدين الفلسطينيين التي تتكون من قيادات وكوادر حركة المقاومة الإسلامية حماس، والجهاد الإسلامي. لم يصلني الخبر من إدارة السجن أو عبر اتصال هاتفي، بل عرفته كما عرفه آلاف الفلسطينيين عبر نشرات الأخبار وتناقلته وسائل الإعلام".
وتضيف:" استقبلت الخبر بمشاعر مثقلة بالهم والألم، قبل أن أحاول مواساة نفسي بنفسي. لم أسمح لليأس أن يتسلل إلي، وكنت أقول لنفسي: إن زوجي ليس وحده في المحنة، وأن بين المبعدين شيوخا وكبار سن ومرضى، وأن الابتلاء حين يعمّ يخفف بعضا من وطأته على القلوب".
وتردف أم طاهر زوجة الشيخ حديثها قائلة:" وبينما كان الشيخ يقيم في خيام مرج الزهور وسط البرد والثلوج والمعاناة، كنت أخوض معركة أخرى في نابلس؛ تربية الأبناء ومتابعة جل شؤونهم ومواجهة أسئلتهم وهم يبحثون عن والدهم في كل مناسبة وحدث".
تحت وطأة الغياب
أنجبت طاهر، وسعد، وزيد، وعروة، وأسيد، وفاطمة وزينب، وكانت تتمنى كما تقول لمن حولها أن تعيش حياة عادية هادئة، لا أكثر. بيت مستقر، وزوج حاضر، وأبناء يكبرون بعيدا عن السجون والملاحقات. لكن الواقع كان يفرض مسارًا مختلفا عاما بعد عام.
فلم تكد تنتهي من استقبال زوجها محررا، حتى يبدأ فصل جديد من الاستدعاءات والملاحقات ثم الاعتقال. ولم يتعرض الشيخ الخراز للاعتقال لدى الاحتلال فحسب، بل عاين الاعتقال لدى أجهزة أمن السلطة الفلسطينية أيضا في أكثر من محطة. ومع كل اعتقال كانت الأسرة تعود إلى دائرة القلق نفسها، وإلى رحلة البحث عن الأخبار والزيارات ومتابعة المحامين.
وعن اعتقال أبنائها، تقول أم طاهر إن أبناءها ساروا في الطريق ذاته الذي سار فيه والدهم، فعرفوا السجون والملاحقة منذ سنوات مبكرة. وتضيف أن طاهر، وأسيد، وزيد، وعروة وسعد، اعتقلوا في مراحل مختلفة من حياتهم، حتى أصبح مشهد الزيارة واللقاء عبر الزجاج وبين الأسلاك جزءا مألوفا من تفاصيل أيامها. وفي بعض الفترات، كان أكثر من ابن لها يقبع في سجون الاحتلال في الوقت نفسه، فتنتقل بين السجون وهي تحمل همومهم جميعا دفعة واحدة، تتابع أخبارهم وتنتظر زياراتهم، وتحاول أن تكون سندا لهم ولعائلاتهم.
"اليوم يقبع أربعة من أبنائي خلف القضبان، وإلى جانبهم اثنان من أحفادي، أما ابني سعد فقد مضى شهيدا إلى ربه".
وتتابع: "ولم تقتصر المعاناة على سجون الاحتلال، فقد شهدت سنوات أخرى وجود أكثر من واحد من أبنائي في سجون أجهزة أمن السلطة في الوقت ذاته. كانت لحظات قاسية على أي أم، لكنني كنت أستمد قوتي من إيماني بالله وأواسي نفسي بأن الفرج لا بد أن يأتي مهما طال الانتظار".
تتنهد طويلا قبل أن تستجمع كلماتها وتقول: "اليوم يقبع أربعة من أبنائي خلف القضبان، وإلى جانبهم اثنان من أحفادي، أما ابني سعد فقد مضى شهيدا إلى ربه، نسأل الله أن يتقبله. أشعر أحيانا أن القلب استنفد قدرته على حمل المزيد من الأسى، لكننا تعلمنا أن نُسلِّم أمرنا لله، ونحمده في السراء والضراء، فالحمد لله على كل حال".
أعالج أحزان الفقدان بالإيمان
تقول أم طاهر إنها عندما استشهد سعد قبل ثلاث سنوات تقريبا، شعرت أن جزءا من قلبها قد ارتحل معه. لم يكن مجرد ابن، بل رفيق سنوات طويلة من الصبر والانتظار والمعاناة. مضيفة: "كان الفقد موجعا إلى حد لا تصفه الكلمات، لكنني احتسبته عند الله، وتمسكت بالإيمان الذي كان دائما سندي في مواجهة المحن، فبه وحده استطعت أن أواصل حياتي بعد هذا الفراق الكبير".
اليوم، وبعد ما يقارب خمسة عقود من الحياة المشتركة، تنظر أم طاهر إلى عائلتها فتجد أن السجن ما يزال ضيفا ثقيلا على تفاصيلها. أبناءها ما يزالون يواجهون الاعتقال، واثنان من أحفادها يقبعان خلف القضبان أيضا. وبين شهيد ارتقى، وأسرى ينتظرون الحرية، ومطاردين يلاحقهم شبح الاعتقال، تبدو حكاية العائلة وكأنها فصلٌ ممتد من الصبر والغياب والانتظار، لم يُكتب له أن ينتهي بعد.
"أنا واحدة من آلاف النساء الفلسطينيات اللاتي حملن مسؤولية الأسرة في غياب أزواجهن، وتقاسمن أوجاع الانتظار والقلق والفقد. تعلمنا، نحن الأمهات، كيف نكتم دموعنا أمام أبنائنا، وكيف نزرع الطمأنينة في قلوبهم فيما كانت قلوبنا مثقلة بالخوف والحزن والدعاء".
وتعقب قائلة: "ورغم كل ما مررت به من محطات قاسية، لا أحب أن يُنظر إليّ باعتباري حالة استثنائية أو بطلة مختلفة عن غيري. فأنا واحدة من آلاف النساء الفلسطينيات اللاتي حملن مسؤولية الأسرة في غياب أزواجهن، وتقاسمن أوجاع الانتظار والقلق والفقد. تعلمنا، نحن الأمهات، كيف نكتم دموعنا أمام أبنائنا، وكيف نزرع الطمأنينة في قلوبهم فيما كانت قلوبنا مثقلة بالخوف والحزن والدعاء".
ولكن في حقيقة الأمر، فإن سيرة نصف قرن من الصبر والثبات والتحدي تقول شيئا آخر. إنها تؤكد على أن وراء الشيخ ماهر الخراز امرأة وقفت في مواجهة العواصف الشعواء، بلا أسلحة إلا من يقينها بالله وبعدالة القضية التي وهبت العائلة نفسها إليها، وآثرت أن تخوض معركتها اليومية بصمت؛ تحرس البيت حين يغيب أصحابه، وتبقي الضوء مشتعلا داخل غرف المنزل، انتظارا لعودة لا تعرف متى تأتي.