كيف تحوّل البحث عن العمل إلى رحلة موت للفلسطينيين؟
17 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
قبل ساعات قليلة من مقتله، كان عماد هارون اشتية يقف عند جدار الفصل حاملا على كتفيه ما تبقى له من أمل أكثر مما يحمل من متاع. خلفه متجر أغلق أبوابه بعد أن خنق الركود الأسواق، ومنزل قيد الإنشاء وخطط زواج مؤجلة، وأب يصارع السرطان. أما أمامه فكان يرتفع الجدار الإسمنتي الطويل، بوصفه آخر معبر متاح نحو فرصة عمل قد تنتشل أسرته من ضيق يتسع يوما بعد آخر.
صعد اشتية درجات السلم الملاصق للجدار كما فعل آلاف الفلسطينيين قبله، لكن الرحلة انتهت برصاصة أصابت فخذه ومزقت شريانا رئيسيا، ليسقط على مرأى من رفاقه الذين حملوه مسرعين إلى المستشفى، فيما كانت الضفة الغربية تضيف اسما جديدا إلى قائمة آخذة في الاتساع لعمال قُتلوا وهم يسعون وراء لقمة العيش.
تكثف قصة اشتية تحوّلا عميقا شهدته الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث لم تعد أزمة العمل مجرد مؤشر اقتصادي أو رقم في سجلات البطالة، بل واقعا يدفع آلاف الفلسطينيين إلى خوض طرق محفوفة بالمخاطر، ويحوّل جدار الفصل إلى خط تماس يومي بين الحاجة الإنسانية وسياسات الإغلاق الإسرائيلية.
الجدار.. بوابة البطالة والموت
منذ الأيام الأولى للحرب على غزة، أغلقت إسرائيل أبواب سوق العمل أمام عشرات آلاف العمال الفلسطينيين الذين كانوا يعتمدون على وظائفهم داخل الخط الأخضر كمصدر رئيسي للدخل. وبقرار واحد، وجد نحو 150 ألف عامل أنفسهم خارج سوق العمل، فيما دخل اقتصاد الضفة الغربية مرحلة من الركود والانكماش انعكست على مختلف القطاعات الإنتاجية والتجارية.
وتزامن ذلك مع استمرار إسرائيل في احتجاز مليارات الدولارات من أموال المقاصة الفلسطينية، الأمر الذي فاقم أزمة السيولة لدى السلطة الفلسطينية، وأثر على رواتب الموظفين العموميين ومداخيل آلاف العائلات. وفي ظل هذا الواقع، ارتفعت معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبح تأمين الاحتياجات الأساسية تحديا يوميا لشرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني.
في هذا السياق، عاد جدار الفصل ليؤدي دورا مختلفا. فقد تحول إلى بوابة غير رسمية يحاول آلاف الفلسطينيين عبورها للوصول إلى أماكن العمل داخل الأراضي المحتلة. ومنذ مطلع الألفية، اعتاد بعض العمال تسلق الجدار أو الالتفاف حوله لتجاوز نظام التصاريح الإسرائيلي، لكن السنوات الماضية شهدت تغيرا واضحا في طبيعة التعامل مع هذه المحاولات.
وفق بيانات الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، اعتقلت السلطات الإسرائيلية نحو 38 ألف عامل فلسطيني منذ السابع من أكتوبر، بعد ضبط بعضهم في مركبات خاصة أو شاحنات كانت تنقلهم إلى أماكن العمل.
وتشير بيانات الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، إلى مقتل أكثر من خمسين فلسطينيا أثناء محاولتهم عبور الجدار دون تصاريح خلال العامين والنصف الماضيين، فيما أصيب مئات آخرون. كما توثق الأمم المتحدة إصابة ما لا يقل عن 290 شخصا خلال محاولات العبور، بينما ترجح تقديرات عمالية أن تكون الأعداد الفعلية أعلى من ذلك بكثير.
وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعد استخدام الرصاص الحي ضد العمال الذين يحاولون اجتياز الجدار، في وقت تزايدت فيه أعداد الفلسطينيين الذين يلجؤون إلى هذه الوسيلة بحثا عن مصدر دخل. وقد سجل شهر مايو/أيار وحده مقتل أربعة فلسطينيين أثناء محاولات العبور، في مؤشر يعكس اتساع الظاهرة وتزايد كلفتها الإنسانية.
ولا تقتصر الإجراءات الإسرائيلية على إطلاق النار عند نقاط العبور، إذ تمتد إلى حملات اعتقال واسعة تستهدف العمال الفلسطينيين الذين ينجحون في الوصول إلى داخل إسرائيل أو يُضبطون أثناء محاولات التسلل. ووفق بيانات الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، اعتقلت السلطات الإسرائيلية نحو 38 ألف عامل فلسطيني منذ السابع من أكتوبر، بعد ضبط بعضهم في مركبات خاصة أو شاحنات كانت تنقلهم إلى أماكن العمل. وبينما أُفرج عن عدد منهم لاحقا، ما يزال آلاف آخرون محتجزين داخل السجون الإسرائيلية.
الجدار.. بين الحاجة للعمل وكلفة الوصول إليه
ويعكس استمرار هذه المحاولات حجم الفجوة الاقتصادية بين الضفة الغربية وسوق العمل الإسرائيلي. فالعامل الفلسطيني داخل إسرائيل يستطيع الحصول على أجر شهري يتراوح بين ستة وسبعة آلاف شيكل، وهو ما يزيد بأكثر من الضعف على متوسط الأجور في الضفة الغربية قبل الحرب، ويقترب حاليا من أربعة أضعاف ما يمكن أن توفره الوظائف المحلية المتاحة. في حين تشير تقديرات أمنية إسرائيلية إلى أن ما بين 60 و70 ألف فلسطيني يعملون حاليا داخل إسرائيل دون تصاريح رسمية.
غير أن الوصول إلى العمل لا ينهي المعاناة. فمعظم هؤلاء العمال يقضون أسابيع أو أشهرا داخل إسرائيل في ظروف غير مستقرة، متنقلين بين أماكن العمل والسكن المؤقت، وتحت تهديد الاعتقال أو الإبعاد في أي لحظة. ويتركز عدد كبير منهم في البلدات العربية داخل إسرائيل، حيث يسهل الاندماج والعمل بعيدا عن الأنظار.
تعكس الأرقام المتزايدة للقتلى والجرحى والمعتقلين حجم الكلفة التي بات يدفعها الفلسطينيون مقابل الوصول إلى مصادر الرزق. فكل تشديد على الحركة يولد مسارات بديلة، وكل انسداد اقتصادي يدفع مزيدا من العمال نحو خيارات أكثر خطورة.
في المقابل، تتجه الحكومة الإسرائيلية إلى تعويض النقص في اليد العاملة الفلسطينية عبر استقدام عشرات آلاف العمال الأجانب للعمل في قطاعات البناء والزراعة والخدمات، وهو مسار يعمّق أزمة البطالة في الضفة الغربية ويقلص فرص عودة العمال الفلسطينيين إلى وظائفهم السابقة.
وتكشف قصة عماد اشتية عن جانب من التحولات التي فرضتها الحرب على الواقع الاقتصادي والاجتماعي في الضفة الغربية. فالرجل الذي كان يدير مشروعه الخاص وجد نفسه بعد أشهر قليلة يقف أمام الجدار بحثا عن فرصة عمل مؤقتة.
وتعكس الأرقام المتزايدة للقتلى والجرحى والمعتقلين حجم الكلفة التي بات يدفعها الفلسطينيون مقابل الوصول إلى مصادر الرزق. فكل تشديد على الحركة يولد مسارات بديلة، وكل انسداد اقتصادي يدفع مزيدا من العمال نحو خيارات أكثر خطورة، لتتحول رحلة البحث عن العمل إلى واحدة من أكثر التجارب قسوة في الحياة الفلسطينية.
وفي ظل استمرار الإغلاق وتراجع الفرص الاقتصادية، يواصل آلاف العمال التوجه نحو الجدار يوميا، مدفوعين بالحاجة ذاتها التي دفعت الشهيد اشتية إلى تسلق السلم في صباحه الأخير.