كيف تؤسس إسرائيل جيشا لـ"هندسة الوعي" محليا وعالميا؟
17 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
تكشف وثيقة عطاء داخلية صادرة عن وزارة الدفاع الإسرائيلية، ونشر تفاصيلها موقع التحقيقات الإسرائيلي"The Hottest Place in Hell"، عن برنامج تدريبي واسع النطاق يستهدف إعداد كوادر متخصصة في عمليات التأثير النفسي وإدارة الوعي العام داخل إسرائيل وخارجها. وتظهر الوثيقة أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تنظر إلى معركة السرديات والرأي العام باعتبارها أحد ميادين الصراع التي يجري الاستثمار فيها بصورة مؤسسية ومنهجية.
وبحسب الوثيقة، فإن البرنامج التدريبي موجّه لجنود وعناصر أمنية ومسؤولين يعملون داخل إسرائيل وخارجها، إضافة إلى "شركاء أجانب" لم تُكشف هوياتهم، فيما تُقدّم الدورات باللغتين العبرية والإنجليزية على أيدي أكاديميين مدنيين غير منتسبين للمؤسسة العسكرية.
بناء منظومة مؤسسية للتأثير في الوعي
تسعى وزارة الدفاع الإسرائيلية، وفق العطاء، إلى التعاقد مع جهة أكاديمية متخصصة لمدة عامين قابلة للتمديد حتى أربع سنوات، على أن تبدأ أولى الدورات في أغسطس/آب 2025. وقد فُتح باب المنافسة أمام المؤسسات المعتمدة من مجلس التعليم العالي الإسرائيلي، مع اشتراط أن يحمل المحاضرون درجات الدكتوراه أو الأستاذية في مجالات التأثير، والوعي، والأمن، والإرهاب، والاتصال الجماهيري، والاتصال الرقمي والشبكي، إلى جانب خبرة مهنية لا تقل عن أربع سنوات في مجالات التأثير، أو استخبارات التأثير داخل مؤسسات أمنية مختلفة.
تشير الوثيقة إلى أن هذه الدورات لا تُبنى بصورة مستقلة عن التوجهات السياسية، إذ تذكر في أكثر من موضع أن البرامج التدريبية تُصاغ وتُنفذ وفق "اعتبارات وتوقعات المستوى السياسي".
ويتكون البرنامج من ثماني دورات سنوية موزعة على ثلاثة مسارات رئيسية: ثلاث دورات في عمليات التأثير، ودورتان في "استخبارات التأثير"، وثلاث دورات لتأهيل "الناشطين الإلكترونيين". وقد صُممت كل دورة لاستيعاب ما يصل إلى أربعين متدربا، ما يعني إمكانية تخريج نحو 320 متخصصا سنويا في مجال التأثير وصناعة الوعي.
وتشير الوثيقة إلى أن هذه الدورات لا تُبنى بصورة مستقلة عن التوجهات السياسية، إذ تذكر في أكثر من موضع أن البرامج التدريبية تُصاغ وتُنفذ وفق "اعتبارات وتوقعات المستوى السياسي"، بما يعكس ارتباطها المباشر بأولويات الحكومة الإسرائيلية وتوجيهاتها.
الحرب النفسية واستخبارات الوعي
يكشف المنهاج التدريبي عن مقاربة متكاملة تجمع بين الحرب النفسية والعمل الاستخباري والتقنيات الرقمية الحديثة.
ففي أحد المحاور التعليمية، يتلقى المشاركون تدريبا في أساسيات الحرب النفسية، والدعاية، والخداع، والشرعية، والدبلوماسية العامة وتقسيم الفئات المستهدفة، مع تركيز خاص على الجماهير الأجنبية. ويشمل ذلك دراسة السرديات المؤثرة، وتحليل الصور والرسائل الدعائية، والتعرف إلى عمليات التأثير المضادة، إضافة إلى تقنيات التزييف العميق (Deepfake) وأساليب الدعاية والخداع والحرب النفسية.
كما يتناول محور آخر آليات تخطيط الحملات وتنفيذها وتقييم نتائجها، ويتضمن تدريبات على فهم متطلبات المستوى السياسي، والاستفادة من الاستخبارات العسكرية والثقافية، وتوظيف قدرات جمع المعلومات والبحث لخدمة عمليات التأثير.
تتضمن البرامج التدريبية دورات متخصصة في كيفية التخطيط لعمليات معلوماتية تهدف إلى التأثير على الوعي العام في الساحتين المحلية والدولية، من خلال تصميم رسائل تتناسب مع خصائص الجمهور المستهدف، وتحديد وسائل نشرها، وقياس تأثيرها، ثم الاستفادة من النتائج في تطوير عمليات لاحقة.
وتبرز في هذا السياق دورة خاصة تُعنى بما يُعرف بتقنيات "القبعة السوداء "(Black Hat)، وهي أساليب تُستخدم للالتفاف على القواعد والضوابط التي تفرضها المنصات الرقمية لمكافحة الجرائم الإلكترونية أو الأنشطة الضارة. ووفق الوصف الوارد في العطاء، يتدرب المشاركون على "نشر وترويج محتوى غير شرعي باستخدام أدوات وحلول تكنولوجية عبر مسارات تتجاوز فيسبوك وغوغل".
كما تتضمن البرامج التدريبية دورات متخصصة في كيفية التخطيط لعمليات معلوماتية تهدف إلى التأثير على الوعي العام في الساحتين المحلية والدولية، من خلال تصميم رسائل تتناسب مع خصائص الجمهور المستهدف، وتحديد وسائل نشرها، وقياس تأثيرها، ثم الاستفادة من النتائج في تطوير عمليات لاحقة.
وتُولي الوثيقة أهمية خاصة لما تسميه "الاستخبارات الثقافية"، حيث يتعلم المتدربون تحليل المجتمعات المستهدفة وفق رموزها الثقافية وحساسياتها الاجتماعية وسياقاتها السياسية، بهدف صياغة رسائل أكثر قدرة على النفاذ والتأثير والإقناع.
من جمع المعلومات إلى إدارة الإدراك
لا يقتصر البرنامج على تدريب المشاركين على إنتاج الرسائل الدعائية أو النفسية، بل يربطها بصورة عضوية بالمنظومة الاستخبارية الإسرائيلية.
فدورة "استخبارات التأثير" مصممة لتدريب المشاركين على استخدام أنظمة جمع المعلومات التابعة للجيش من أجل تزويد حملات التأثير بالبيانات اللازمة، مع متابعة التطورات الجارية في مناطق مختلفة من العالم.
وتكشف الوثيقة عن نموذج عمل يقوم على حلقة مغلقة ومتواصلة: تبدأ بجمع البيانات حول الجماهير المستهدفة، ثم تصميم الرسائل والحملات المناسبة للتأثير في تصوراتها وسلوكها، قبل العودة مجددا إلى أدوات الاستخبارات لقياس أثر الرسائل وتقييم فعاليتها وإدخال التعديلات المطلوبة عليها بشكل مستمر.
كما خصصت وزارة الدفاع الإسرائيلية عددا من الدورات باللغة الإنجليزية لصالح "شركاء أجانب" لم تُحدد هوياتهم. ولهؤلاء المشاركين وُضع منهاج خاص يتناول ما تسميه الوثيقة "المقاربة الأمريكية"، بما يشمل دراسة المنظورات الثقافية الأمريكية وآليات تنفيذ حملات التأثير في الساحة الدولية.
ورغم تصنيف هذه الدورات بأنها "غير سرية" لإتاحة مشاركة الجهات الأجنبية، فإن العطاء يفرض إجراءات صارمة للفصل بين المحاضرين والمتدربين. إذ تُمنع المؤسسات الأكاديمية من كشف المواقع أو الوظائف التي يشغلها المشاركون داخل الأجهزة الأمنية والاستخبارية، كما لا يُزوّد المتعاقدون سوى بالأسماء الأولى للمتدربين دون أي إشارة إلى الوحدات التي ينتمون إليها.
وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي نفذت بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وديسمبر/كانون الأول 2024 عملية تأثير نفسي استهدفت جمهورا إسرائيليا ودوليا تحت غطاء مؤسسة إعلامية غير ربحية.
وفي تعليقه على البرنامج، وصف متحدث باسم الجيش الإسرائيلي هذه الدورات بأنها "برامج أكاديمية مخصصة للعاملين في جهود التأثير والوعي داخل الجيش"، مؤكدا أن هدفها يقتصر على "الإثراء الشخصي"، وأنها تُنفذ وفق القانون وبتوجيه من المستوى السياسي.
غير أن تحقيقا سابقا نشره الموقع ذاته يضع هذه التصريحات موضع تساؤل. فقد كشف التحقيق أن وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي نفذت بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وديسمبر/كانون الأول 2024 عملية تأثير نفسي استهدفت جمهورا إسرائيليا ودوليا تحت غطاء مؤسسة إعلامية غير ربحية.
ووفق التحقيق، جرى خلال تلك العملية نشر عشرات المقاطع المصورة التي تروج للرواية الرسمية للجيش الإسرائيلي المتعلقة بالحرب على غزة، دون الإفصاح عن مصدرها الحقيقي، كما تم تجنيد مؤثرين داخل إسرائيل وخارجها لتضخيم رسائل صيغت مباشرة من قبل المؤسسة العسكرية.
وتشير المعطيات الجديدة الواردة في العطاء إلى أن ما بدا سابقا مبادرة محدودة أو عملية منفصلة، قد يكون في الواقع جزءا من مشروع أوسع تسعى من خلاله المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى إضفاء الطابع المؤسسي على عمليات التأثير النفسي وإدارة الوعي، ليس داخل إسرائيل فحسب، بل على المستوى الدولي أيضا.