كيف يعيد نتنياهو هندسة مطبخ القرار الأمني في إسرائيل؟
17 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في أروقة السلطة الإسرائيلية، لا تأتي التعيينات الأمنية الكبرى بوصفها إجراءات إدارية عابرة، بل باعتبارها مؤشرات على تحولات أعمق في بنية الحكم وموازين النفوذ. وحين اختارت حكومة بنيامين نتنياهو بالإجماع شموئيل بن عزرا لرئاسة مجلس الأمن القومي ومنصب مستشار الأمن القومي، لم يكن الأمر مجرد ملء شاغر خلفه تساحي هنغبي، بل خطوة تعكس اتجاها متصاعدا لدى نتنياهو لإعادة رسم الدائرة الضيقة المحيطة به وفق معايير جديدة تجمع بين الولاء السياسي والخبرة التكنولوجية.
بن عزرا.. خبرة عقود في الأمن السيبراني والدفاع الصاروخي
يأتي هذا التعيين في لحظة معقدة تواجه فيها إسرائيل تحديات أمنية وعسكرية وقضائية متشابكة. فالحرب المستمرة، والتهديدات الإقليمية المتصاعدة، والتوترات الداخلية المتزايدة، دفعت نتنياهو إلى البحث عن شخصيات قادرة على إدارة الملفات الحساسة من موقع الثقة المطلقة. ومن هنا تبدو أهمية اختيار بن عزرا، الذي يحمل سجلا مهنيا طويلا في مجالات الأمن السيبراني والاستخبارات التكنولوجية وأنظمة الدفاع الصاروخي.
على امتداد سنوات عمله، تنقل بين مواقع قيادية في الجيش والأجهزة الأمنية، وأسهم في تطوير منظومات دفاعية متقدمة
ينتمي بن عزرا لأسرة يهودية من أصول مغربية، إلى جيل من المسؤولين الأمنيين الذين تشكلت خبراتهم في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وعلى امتداد سنوات عمله، تنقل بين مواقع قيادية في الجيش والأجهزة الأمنية، وأسهم في تطوير منظومات دفاعية متقدمة، من أبرزها منظومة "حيتس 3" لاعتراض الصواريخ، التي اعتُبرت إحدى الركائز الأساسية في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية، وحصلت عام 2017 على جائزة الأمن الإسرائيلي.
كما راكم خبرة واسعة خلال توليه رئاسة قسم التكنولوجيا والعمليات السيبرانية في جهاز الشاباك، حيث أشرف على ملفات مرتبطة بالأمن الرقمي والتقنيات الاستخباراتية الحديثة. وهذه الخلفية جعلت منه شخصية تجمع بين المعرفة التقنية والقدرة على إدارة ملفات أمنية معقدة، وهو ما يبدو متوافقا مع طبيعة التحديات التي تواجهها إسرائيل في المرحلة الحالية.
إعادة تشكيل مراكز النفوذ حول نتنياهو
غير أن قراءة هذا التعيين لا تكتمل دون العودة إلى الظروف التي أفضت إلى خروج سلفه تساحي هنغبي من المشهد. فالرجل الذي عُدّ لسنوات من أقرب حلفاء نتنياهو تحول تدريجيا إلى مصدر إزعاج سياسي داخل دوائر القرار. وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن الخلافات بين الطرفين اتسعت خلال اجتماعات المجلس الوزاري المصغر، خصوصا بشأن إدارة الحرب والخيارات العسكرية المطروحة في قطاع غزة، إضافة إلى الموقف من مفاوضات الأسرى والمحتجزين.
ومع أن هنغبي لم يتحول إلى معارض مباشر لنتنياهو، فإن مجرد إبدائه تحفظات على بعض السياسات الأمنية كان كافيا لإحداث شرخ في علاقة طالما قامت على الثقة والتنسيق. ولذلك بدا قرار إبعاده في أكتوبر/تشرين الأول 2025 جزءا من عملية أوسع لإعادة ترتيب مراكز القوة داخل مكتب رئيس الوزراء.
عكس تعيين شموئيل بن عزرا تحولا في أولويات القيادة الإسرائيلية، وطريقة إدارتها لمصادر القوة. فبينما تتزايد أهمية التكنولوجيا والفضاء السيبراني في الصراعات الحديثة، يختار نتنياهو أن يضع أحد أبرز خبراء هذا المجال في قلب منظومة اتخاذ القرار.
في هذا السياق، يكتسب تعيين بن عزرا دلالات سياسية تتجاوز مؤهلاته المهنية. فالرجل يوصف بأنه شخصية مهنية غير منخرطة في التجاذبات الحزبية، لكنه في الوقت نفسه يحظى بثقة نتنياهو ولا يُعرف عنه الدخول في مواجهات مع المستوى السياسي. وهذا ما يجعل وجوده في المنصب الجديد منسجما مع توجه رئيس الوزراء نحو إحكام السيطرة على دوائر صناعة القرار وتقليص هامش الاعتراض داخلها.
ومن المتوقع أن يترك بن عزرا بصمته على طبيعة عمل مجلس الأمن القومي نفسه. فالمجلس الذي انشغل تقليديا بالملفات السياسية والعسكرية قد يشهد حضورا أكبر للقضايا المرتبطة بالأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والاستخبارات التكنولوجية. كما أن خبرته في التنسيق مع المؤسسات الأمنية الأمريكية وشبكات التعاون الدولية قد تمنحه دورا مؤثرا في إدارة الملفات الإستراتيجية التي تتجاوز الحدود الإسرائيلية.
يعكس تعيين شموئيل بن عزرا تحولا في أولويات القيادة الإسرائيلية، وطريقة إدارتها لمصادر القوة. فبينما تتزايد أهمية التكنولوجيا والفضاء السيبراني في الصراعات الحديثة، يختار نتنياهو أن يضع أحد أبرز خبراء هذا المجال في قلب منظومة اتخاذ القرار. وبين الحاجة إلى الخبرة والرغبة في ضمان الولاء، يرسم هذا التعيين ملامح مرحلة جديدة يسعى فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى إحكام قبضته على مفاصل الأمن والسياسة في آن واحد.