ين أزمة التجنيد وصراع البقاء.. إسرائيل أمام استحقاق سياسي جديد
10 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في الأنظمة السياسية المستقرة، تأتي الانتخابات عادة في موعدها المحدد، بوصفها محطة دورية لتجديد الشرعية وإعادة تشكيل التوازنات السياسية. أما حين يصبح البرلمان نفسه ساحة للصراع على البقاء، فإن الدعوة إلى انتخابات مبكرة تتحول من إجراء ديمقراطي اعتيادي إلى مؤشر على أزمة أعمق تضرب قلب النظام السياسي. وهذا ما يبدو أنه يحدث اليوم في إسرائيل، حيث فتحت مصادقة الكنيست بالقراءة الأولى على مشروع قانون حل نفسه الباب أمام مرحلة سياسية جديدة، قد تنتهي بإسدال الستار على عمر الحكومة الحالية والدخول في جولة انتخابية جديدة.
الطريق إلى حل الكنيست
الخطوة التي أقدم عليها الكنيست لم تكن مفاجئة بالكامل، لكنها حملت دلالات لافتة. فقد حظي مشروع القانون بتأييد واسع بلغ 106 أصوات من أصل 120 عضوا، من دون تسجيل أي معارضة، وهو مشهد نادر في الحياة السياسية الإسرائيلية التي تتسم عادة بالاستقطاب الحاد. غير أن هذا الإجماع الظاهري لا يعكس حالة من التوافق السياسي بقدر ما يكشف حجم الأزمة التي وصلت إليها المنظومة الحاكمة، حيث وجدت قوى متعارضة نفسها متفقة على ضرورة فتح الباب أمام انتخابات جديدة.
الطريق إلى الانتخابات لا يزال مفتوحا على احتمالات متعددة. فحتى اللحظة لم يُحسم موعد التصويت النهائي، كما لم يُحدد تاريخ الانتخابات المقبلة بصورة رسمية.
ورغم أهمية التصويت، فإن الكنيست لم يُحل بعد من الناحية القانونية. فما جرى لا يعدو كونه المرحلة الأولى من مسار تشريعي يتطلب المرور بقراءتين إضافيتين قبل أن يصبح القانون نافذا. ووفقا للإجراءات المعمول بها، سيُعاد مشروع القانون إلى لجنة الكنيست لمناقشته وصياغته النهائية، قبل عرضه مجددا على الهيئة العامة للتصويت بالقراءتين الثانية والثالثة، وهما المرحلتان الحاسمتان اللتان تحددان مصير البرلمان الحالي.
وتكشف هذه الآلية التشريعية أن الطريق إلى الانتخابات لا يزال مفتوحا على احتمالات متعددة. فحتى اللحظة لم يُحسم موعد التصويت النهائي، كما لم يُحدد تاريخ الانتخابات المقبلة بصورة رسمية. ومع ذلك، تشير التقديرات المطروحة داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية إلى أن موعد الاقتراع قد يقع بين شهري سبتمبر وأكتوبر المقبلين، مع وجود نقاشات حول عدة تواريخ محتملة تتأثر باعتبارات سياسية وحزبية وأخرى لوجيستية تتعلق بعمل لجنة الانتخابات المركزية.
أزمة التجنيد تفكك الائتلاف
لكن الجانب القانوني لا يفسر وحده ما يجري. فخلف الإجراءات البرلمانية تقف أزمة سياسية متصاعدة تهدد تماسك الائتلاف الذي يقوده بنيامين نتنياهو. وتتمحور الأزمة حول قضية إعفاء طلاب المدارس الدينية اليهودية من الخدمة العسكرية، وهي القضية التي تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى نقطة خلاف مركزية بين الحكومة والأحزاب الحريدية.
ففي الوقت الذي يواجه فيه الجيش الإسرائيلي تحديات متزايدة نتيجة الحروب المفتوحة على أكثر من جبهة، تتصاعد الضغوط السياسية والشعبية لإخضاع الحريديم لقوانين التجنيد. وفي المقابل تتمسك الأحزاب الدينية بالحفاظ على الامتيازات التاريخية التي تتيح لطلاب المعاهد الدينية الإعفاء من الخدمة العسكرية. ومع تعثر التوصل إلى صيغة توافقية، بدأت الأحزاب الحريدية تلوّح بسحب دعمها للحكومة، الأمر الذي هدد الأغلبية البرلمانية التي يستند إليها نتنياهو.
قناعة متزايدة داخل المعسكر الحريدي بأن فرص تمرير قانون الإعفاء باتت محدودة، وأن الذهاب إلى انتخابات جديدة قد يكون الخيار الأكثر جدوى من البقاء في ائتلاف عاجز عن تحقيق مطالبه الأساسية.
ويبدو أن قرار الزعيم الروحي للحريديم الليتوانيين، الحاخام "دوف لاندو"، منح الضوء الأخضر للتحرك نحو حل الكنيست شكّل نقطة تحول في مسار الأزمة. فهذه الخطوة عكست قناعة متزايدة داخل المعسكر الحريدي بأن فرص تمرير قانون الإعفاء باتت محدودة، وأن الذهاب إلى انتخابات جديدة قد يكون الخيار الأكثر جدوى من البقاء في ائتلاف عاجز عن تحقيق مطالبه الأساسية.
في المقابل، لا يخفي حزب الليكود رغبته في تأجيل الانتخابات قدر الإمكان. فالحزب يدرك أن الذهاب إلى صناديق الاقتراع في ظل استمرار الحرب والأزمات الداخلية قد يحمل مخاطر سياسية كبيرة، كما يمنحه الوقت فرصة لاستكمال عدد من المشاريع التشريعية التي لا تزال مطروحة على جدول أعمال الكنيست.
إسرائيل أمام المجهول السياسيومن المفارقات أن حل الكنيست لا يعني بالضرورة توقف مؤسسات الحكم عن العمل. فبموجب القوانين الأساسية الإسرائيلية، يستمر البرلمان المنحل في أداء مهامه حتى انتخاب كنيست جديد، كما تواصل الحكومة الحالية ممارسة صلاحياتها بوصفها حكومة انتقالية إلى حين تشكيل حكومة أخرى. ولهذا فإن المرحلة الفاصلة بين حل البرلمان وإجراء الانتخابات لا تمثل فراغا سياسيا، بل تشكل فترة انتقالية تستمر خلالها عملية صنع القرار وإن كانت في ظل قيود سياسية أكبر وحسابات انتخابية أكثر تعقيدا.
بينما لم يُحسم القرار النهائي بعد، فإن ما جرى داخل الكنيست يشير إلى أن إسرائيل تقف بالفعل على أعتاب جولة سياسية جديدة قد تعيد رسم خريطة التحالفات والتوازنات في السنوات المقبلة.
تعكس معركة حل الكنيست أزمة تتعلق بمستقبل الائتلاف الحاكم وقدرته على البقاء. فالتصدعات المتزايدة داخل المعسكر اليميني، والخلافات حول قانون التجنيد، والضغوط الناتجة عن الحرب، جميعها عوامل تدفع النظام السياسي الإسرائيلي نحو مرحلة جديدة من عدم اليقين. وبينما لم يُحسم القرار النهائي بعد، فإن ما جرى داخل الكنيست يشير إلى أن إسرائيل تقف بالفعل على أعتاب جولة سياسية جديدة قد تعيد رسم خريطة التحالفات والتوازنات في السنوات المقبلة.