إخلاص حمّاد: الأسيرة...ابنة الأسير وزوجة الأسير
10 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
ابنة أسير، وزوجة أسير، ثم أسيرة. بهذه الكلمات يمكن اختصار جانب كبير من حكاية إخلاص حماد، الفلسطينية من مدينة قلقيلية، التي وجدت نفسها على امتداد سنوات حياتها محاطة بتجربة الأسر من كل الجهات. عاشت تفاصيل غياب والدها خلف القضبان، ثم اختبرت انتظار زوجها الأسير لسنوات طويلة، قبل أن تجد نفسها أخيرا داخل الزنزانة ذاتها التي طالما وقفت خارجها منتظرة.
غير أن حكاية إخلاص لا تُروى بمعزل عن حكاية زوجها الأسير الفلسطيني شادي عودة، فمصير الاثنين تشابك على نحو جعل الأسر يلاحقهما كقدر ثقيل يتنقل بين أفراد العائلة. ولم تكن قصة شادي، ابن مدينة قلقيلية في شمال الضفة الغربية، سوى فصل من فصول الملاحقة والاضطهاد الممنهج الذي يستهدف الأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم، ويعيد تدوير سنوات السجن لتطال الزوجة والأبناء والوالدين جيلا بعد جيل.
بدأت فصول هذه المعاناة عام 2002، خلال انتفاضة الأقصى، حين اعتقل الاحتلال الشاب شادي عودة بتهمة مشاركته في فعاليات الانتفاضة، وأصدر بحقه حكما بالسجن لمدة 23 عاما. تسع سنوات أمضاها متنقلا بين الزنازين والسجون، قبل أن تنكسر قيوده عام 2011 ضمن صفقة وفاء الأحرار، ويعود إلى مدينته حاملا أملا بحياة جديدة، ظنّ أن الأسر قد أصبح جزءا من ماضيها.
حرية مؤجلة وفراق متجدد
بعد تحرره من الأسر، سعى شادي إلى إعادة تنظيم حياته وبناء مستقبل نهبته سنوات الأسر؛ فتزوج ممن اختارها شريكة لدربه؛ إخلاص حماد ابنة قلقيلية أيضا. بدأت العائلة الجديدة تتلمس مسالك الاستقرار والسكينة، ورُزقا بطفلتهما الأولى عائشة، والتي غدت بارقة أمل تضيء واقعهم المحاصر. لكن الاحتلال لم يكن ليترك أيامهم لتجري بسلام في معترك الحياة؛ ففي حزيران من سنة 2014، وعلى إثر اختفاء ومقتل ثلاثة مستوطنين في محافظة الخليل، وهي العملية التي اتهمت سلطات الاحتلال حركة المقاومة الإسلامية- حماس بالوقوف وراءها، شنت قوات الاحتلال حملة اعتقالات ضارية وواسعة النطاق استهدفت مئات الأسرى المحررين والنشطاء في الضفة الغربية، من أبناء الحركة.
وسط الحزن والصدمة التي خلفها إعادة اعتقال شادي، تضاعف حجم التحدي والمسؤولية على كاهل الزوجة الصابرة إخلاص حماد. وبعد فترة قصيرة من تغييبه قسريا في سجون الاحتلال، اكتشفت إخلاص أنها تحمل في أحشائها جنينا جديدا لا يعلم والده عن وجوده شيئا!
كان شادي عودة أحد هؤلاء المستهدفين في هذه الحملة الانتقامية؛ حيث أُعيد اعتقاله. وضمن سياسة التفافية شرعنها القضاء "الإسرائيلي"، أُعيدت له ما تبقى من حكمه القديم، لتبدأ رحلة تيه جديدة تنقل خلالها بين سجون عدة، من حر النقب إلى بئر السبع وصولا إلى مجدو وغيرها من سجون الاحتلال، مكملا حكما جائرا سُلب من حياته وحياة عائلته مرتين، لتجد إخلاص نفسها أمام واقع جديد عنوانه الانتظار المر.
وسط الحزن والصدمة التي خلفها إعادة اعتقال شادي، تضاعف حجم التحدي والمسؤولية على كاهل الزوجة الصابرة إخلاص حماد. وبعد فترة قصيرة من تغييبه قسريا في سجون الاحتلال، اكتشفت إخلاص أنها تحمل في أحشائها جنينا جديدا لا يعلم والده عن وجوده شيئا!
أنجبت إخلاص طفلها بعد أشهر قاسية من الحمل، وأسمته محمد، وقلبها يعتصر ألما على طفلها، وشوقا لزوجها البعيد.. فهذا الطفل عانق الحياة دون يجد والده أمامه يحتضنه ويحنو عليه.. كبُر محمد ليصبح واحدا من عشرات الأطفال الفلسطينيين الذين لا يعرفون ملامح آبائهم إلا عبر الصور، أو من خلال تلك الدقائق المسروقة عبر زجاج غرف الزيارات وقضبان الحديد في سجون الاحتلال. وقد وصفت إخلاص في مناسبات عدة صعوبة شرح معنى الغياب القسري للأطفال، وعن الأسئلة التي تتكرر في البيت في المناسبات العائلية أو الوطنية التي تتعلق بالأسرى.
ومنذ لحظة إبعاده، بدأ شادي رحلة أخرى من المعاناة، عنوانها الغربة والحرمان من الاجتماع بعائلته؛ حيث أصدرت سلطات الاحتلال قرارا يمنع أفراد أسرته من السفر عبر جسر الملك حسين، بذريعة المنع الأمني.
عانق الأسير المحرر شادي عودة الحرية مجددا بعد سنوات من الأسر، إثر الإفراج عنه ضمن صفقة طوفان الأحرار في شباط 2025. غير أن فرحة التحرر لم تكتمل؛ إذ اشترطت سلطات الاحتلال إبعاده إلى مصر، ليجد نفسه خارج وطنه بعيدا عن زوجته وأبنائه وكل ما اعتاد عليه من تفاصيل الحياة التي يتوق إليها.
ومنذ لحظة إبعاده، بدأ شادي رحلة أخرى من المعاناة، عنوانها الغربة والحرمان من الاجتماع بعائلته؛ حيث أصدرت سلطات الاحتلال قرارا يمنع أفراد أسرته من السفر عبر جسر الملك حسين، بذريعة المنع الأمني. فلم تكتفِ سياسات الاحتلال بسلب حرية شادي لسنوات، بل اتسعت لتفرض عليه وعلى عائلته واقعا جديدا من التشتت القسري، وتحولت الحرية التي كان من شأنها أن تُنهي معاناة الأسر إلى فصل آخر من فصول الفراق والمعاناة، لقاء مرهون بقرارات أمنية "إسرائيلية".
ابنة أسير وزوجة أسير ثم أسيرة
إخلاص حماد لم تعرف الأسر مع زوجها فقط، فهي من أسرة عاشت تفاصيل الأسر مع والدها وإخوتها ومحيطها المقرب، وتحولت هي ذاتها من زوجة أسير قضى سنوات في سجون الاحتلال ودافع عن حريته، إلى أسيرة تواجه صلف السجان وعتمة الزنازين، لتجسد وجعا مركبا تعيشه العائلات الفلسطينية التي يلاحقها الاحتلال في تفاصيل حياتها اليومية.
في 18 آذار 2026 اقتحمت قوات كبيرة من جيش الاحتلال الإسرائيلي معززة بالآليات العسكرية مدينة قلقيلية في الثلث الأخير من الليل. وكان الهدف هذه المرة استهدافا مباشرا للعديد من منازل الأسرى والأسرى المحررين ومن بينهم منزل الأسير المحرر المُبعد شادي عودة. فجرت قوات الاحتلال الأبواب، وعاثت في المنزل فسادا وخرابا، وسط أجواء من الرعب عاشها أطفال شادي وإخلاص. وخلال دقائق معدودة، عُزلت إخلاص واقتيدت مكبلة اليدين ومعصوبة العينين إلى مكان مجهول، دون مراعاة لبقاء أطفالها وحدهم في المنزل بدون أب أو أم، ودون إبداء أي أسباب قانونية واضحة للاعتقال، سوى سياسة العقاب بالنيابة التي ينتهجها الاحتلال بحق عائلات الأسرى والمحررين.
"اعتقال زوجتي إخلاص هو محاولة بائسة لكسر إرادتنا وعقابنا على صمودنا.. لكن الاحتلال واهم إن ظن أن القضبان ستثنينا عن مواصلة طريق التحدي."
غابت إخلاص عن عائلتها لأيام عدة داخل مراكز التحقيق "الإسرائيلية"، قبل أن يُفرج عنها لفترة وجيزة لم تتجاوز يومين. لكن قوات الاحتلال عادت لتقتحم منزل عائلتها مجددا، وتعتقلها برفقة والدها، الأسير المحرر الشيخ ياسر حماد، الذي كان قد أُفرج عنه قبل فترة قصيرة من اعتقال دام سنتين.
وبعد ساعات من الاحتجاز، أطلقت سلطات الاحتلال سراح والدها، فيما أبقت إخلاص رهن الاعتقال. ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ أصدرت بحقها أمر اعتقال إداري، لتُنقل لاحقا إلى سجن الدامون المخصص للأسيرات الفلسطينيات، حيث لا تزال محتجزة فيه حتى لحظة كتابة هذا المقال، دون توجيه تهمة أو محاكمة.
وعقَّب الأسير المحرر شادي عودة زوج إخلاص حماد على اعتقالها لوسائل الإعلام قائلا: اعتقال زوجتي إخلاص هو محاولة بائسة لكسر إرادتنا وعقابنا على صمودنا.. لكن الاحتلال واهم إن ظن أن القضبان ستثنينا عن مواصلة طريق التحدي.
سياسة التنكيل بالمرأة الفلسطينية
يأتي اعتقال إخلاص حماد في سياق تصعيد ممنهج تقوده سلطات الاحتلال ضد النساء الفلسطينيات، خاصة بعد طوفان الأقصى الذي شهد طفرة غير مسبوقة في أعداد المعتقلين والمعتقلات.
وتشير المؤسسات الحقوقية المهتمة بشؤون الأسرى إلى أن الاحتلال يتعمد استخدام اعتقال الزوجات والأمهات كوسيلة ضغط نفسية وورقة ابتزاز ضد الأسرى والمحررين. وتواجه الأسيرات في سجون الاحتلال ظروفا اعتقالية غاية في القسوة، تتمثل في: التفتيش العاري المهين، كأداة للضغط النفسي والإذلال، وحرمان الأسيرات من زيارة عائلاتهن والتواصل معهن، وسياسة الإهمال الطبي المتعمد التي تظهر في غياب الرعاية الصحية الأساسية، والعزل الانفرادي في زنازين ضيقة تفتقر لأدنى مقومات الحياة البشرية.
ويرى مراقبون للشأن الإسرائيلي أن استهداف زوجات الأسرى المحررين يعكس حالة من التخبط لدى المنظومة الأمنية للاحتلال، التي تحاول جاهدة فرض واقع من الترهيب لردع أي صوت فلسطيني يطالب بالحرية. بينما تبقى إخلاص حماد، إلى جانب عشرات الأسيرات الفلسطينيات، رمزاً للمرأة التي تدفع ضريبة الدم والانتماء في فلسطين، وينتظر صوتها وصوت عائلتها تحركا دوليا وحقوقيا يلجم غطرسة الاحتلال ويُعيد الأمهات والزوجات إلى أحضان عائلاتهن المنتظرة على أحر من الجمر.
قصة إخلاص حماد تختصر جانبا من الواقع الفلسطيني الذي تعيشه آلاف العائلات؛ فالأسر لم يعد تجربة فردية تخص المعتقل وحده، بل أصبح حالة جماعية تمتد آثارها إلى الزوجة والأبناء والوالدين، وتفرض على الجميع شكلاً مختلفاً من الصبر والمواجهة.
يرى متابعون لشؤون الحركة الأسيرة أن قصة إخلاص حماد تختصر جانبا من الواقع الفلسطيني الذي تعيشه آلاف العائلات؛ فالأسر لم يعد تجربة فردية تخص المعتقل وحده، بل أصبح حالة جماعية تمتد آثارها إلى الزوجة والأبناء والوالدين، وتفرض على الجميع شكلاً مختلفاً من الصبر والمواجهة.
ورغم سنوات الغياب الطويلة، ما زالت إخلاص تتمسك بالأمل الذي رافقها منذ اللحظة الأولى. ففي كل زيارة، وفي كل رسالة تصل من خلف القضبان، تحاول أن تبقي فكرة الحرية حاضرة في حياة أطفالها. وهي تدرك أن سنوات العمر التي سرقتها السجون لا يمكن استعادتها، لكنها تؤمن أن انتظار الحرية جزء من معركة الحفاظ على الكرامة والذاكرة.