سام أبو هيكل.. سبعة أشهر وانتهت الحكاية
10 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم يكن الرضيع سام فهد أبو هيكل قد تعلّم بعد نطق الكلمات الأولى، ولم يكن قد خطا خطواته الأولى فوق تراب الخليل الذي وُلد فيه. سبعة أشهر فقط كانت كل ما امتلكه من العمر؛ سبعة أشهر من الضحكات الصغيرة ودفء الحضن والأحلام المؤجلة التي ينسجها الآباء لأبنائهم. لكن رصاصة واحدة كانت كافية لأن تختصر حياة كاملة، وأن تحوّل طفلاً لم يعرف من العالم سوى عائلته إلى اسم جديد في سجل الضحايا الفلسطينيين.
حين تحوّل الطريق إلى مأتم
في مساء بدا عاديا جنوب مدينة الخليل، كانت عائلة أبو هيكل تستقل مركبتها في منطقة تل الرميدة. لم تكن رحلة استثنائية، ولم يكن في المشهد ما يوحي بأن الدقائق المقبلة ستنتهي بمأساة. غير أن الرصاص الذي أطلقته قوات الاحتلال باتجاه المركبة بدّد كل ما تبقى من اعتيادية اللحظة. وفي ثوانٍ قليلة، وجد الأب والأم نفسيهما أمام مشهد يفوق قدرة اللغة على الوصف: طفلهما الرضيع ينزف بين أيديهما.
تروي العائلة أن الرصاصة نفسها اخترقت الأب أولا، ثم واصلت طريقها لتصيب الأم وطفلها. وبينما كان الوالدان يصارعان الألم والصدمة، كان جسد سام الصغير يخوض معركته الأخيرة. نُقل إلى المستشفى في محاولة لإنقاذه، لكن الإصابة كانت أقسى من أن يحتملها جسد لم يكمل عامه الأول. هناك أُعلن استشهاده، فيما بقي والداه يواجهان حقيقة يصعب استيعابها: الطفل الذي كان بين أيديهما قبل دقائق، لم يعد موجودا.
كانت الخليل تشيّع سؤالا مفتوحا عن معنى الأمان في حياة الفلسطينيين، وعن قدرة العائلات على حماية أطفالها في واقع تتحول فيه الطرقات إلى ساحات خطر دائم.
في المستشفى، كانت الأم الجريحة تواجه لحظة الفقد الأكثر قسوة في حياة أي أم. وبين أجهزة العلاج وصمت الممرات الباردة، ودّعت طفلها للمرة الأخيرة. ما الأب، فبدا مأخوذا بهول الفاجعة. يدلي برواية شاهد على حادثة إطلاق نار، ويروي مأساة أب فقد ابنه الوحيد، بعدما خطفته رصاصة غادرة من بين ذراعي عائلته.
وحين شُيّع سام إلى مثواه الأخير، بدا المشهد أكبر من جنازة طفل. كانت الخليل تشيّع سؤالا مفتوحا عن معنى الأمان في حياة الفلسطينيين، وعن قدرة العائلات على حماية أطفالها في واقع تتحول فيه الطرقات إلى ساحات خطر دائم. حمل المشيعون الجثمان الصغير الذي لم يثقل أكتافهم بوزنه، بل بثقل الحكاية التي يمثلها.
الأطفال ضحايا المشهد المفتوح في الضفة
قصة سام ليست حادثة معزولة في سياق حياة الفلسطينيين. فمنذ سنوات طويلة، يعيش الفلسطينيون في الضفة الغربية واقعا تتداخل فيه الحياة اليومية مع احتمالات الموت والإصابة والاعتقال. غير أن استشهاد سام يمنح المأساة وجها إنسانيا يصعب تجاهله؛ فحين يكون الضحية طفلا لم يكمل عامه الأول، تتراجع لغة الأرقام أمام قصة عائلة فقدت ابنها الوحيد، وأمام حياة صغيرة أُطفئت قبل أن تبدأ.
في الخليل تحديدا، كما في مدن وبلدات فلسطينية كثيرة، لا تنفصل حياة المدنيين عن مشهد الاقتحامات والحواجز والاعتداءات المتكررة. ويشير مراقبون إلى أن تصاعد العنف في الضفة الغربية خلق واقعا تصبح فيه الفئات الأكثر ضعفا، بمن فيهم الأطفال، عرضة مباشرة لعنف الاحتلال وإرهابه.
ترك أما ستظل تتذكر ثقل جسده الصغير بين ذراعيها، وأبا سيحمل إلى الأبد صورة الوداع الأخير، ومدينة بأكملها ستتذكر أن طفلا لم يتجاوز عمره سبعة أشهر انتهت رحلته برصاصة.
رحل سام قبل أن يعرف أسماء الأشياء من حوله، وقبل أن ينطق كلمة "أمي" أو "أبي". لم يترك وراءه ذكريات طويلة ولا صورا كثيرة، لكنه ترك أثرا عميقا في قلوب من عرفوا قصته. ترك أما ستظل تتذكر ثقل جسده الصغير بين ذراعيها، وأبا سيحمل إلى الأبد صورة الوداع الأخير، ومدينة بأكملها ستتذكر أن طفلا لم يتجاوز عمره سبعة أشهر انتهت رحلته برصاصة.
سام، الشهيد الرضيع، صار رمزا لفقد يتكرر بأشكال مختلفة في حياة الفلسطينيين؛ فقد يذكّر بأن أكثر الضحايا براءة هم أولئك الذين لم تُتح لهم فرصة أن يعيشوا الحياة أصلا.