لم يبقَ لخالد صفوري سوى قطعة أرض صغيرة على تلة الجابريات المطلة على مخيم جنين. بعد أن هُدم منزله داخل المخيم خلال العملية العسكرية الإسرائيلية المستمرة في شمال الضفة الغربية، ظلّ يتشبث بفكرة بسيطة: أن الأرض الباقية يمكن أن تكون بداية جديدة لعائلته. لكن هذه الفكرة نفسها باتت اليوم مهددة بالزوال. فمع صدور أمر عسكري إسرائيلي بمصادرة أرضه وأراض مجاورة بذريعة "الأغراض العسكرية"، وجد الرجل نفسه أمام مشهد يتكرر في الذاكرة الفلسطينية منذ عقود؛ خسارة جديدة تضاف إلى سلسلة طويلة من الاقتلاع المتواصل.
لا تبدو القضية، في ظاهرها، مجرد مصادرة عدة دونمات من الأراضي في محيط مدينة جنين. فالخطوة تأتي في سياق تحولات أوسع تشهدها الضفة الغربية، حيث تتداخل العمليات العسكرية مع مشاريع البنية التحتية والتوسع الاستيطاني، بما يعيد رسم الجغرافيا السياسية والميدانية للمنطقة. ومن هنا يكتسب القرار أهمية استثنائية، ليس فقط بسبب مساحته أو موقعه، بل لأنه يستهدف أراضي تقع في المنطقة "أ"، وهي المنطقة التي يفترض أن تخضع، وفق اتفاقيات أوسلو، لسيطرة فلسطينية مدنية وأمنية كاملة.
عسكرة الشمال
منذ أكثر من عام، تشهد محافظة جنين ومحيطها واحدة من أعنف الحملات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية منذ سنوات. وقد أسفرت العمليات المتواصلة عن تهجير عشرات آلاف الفلسطينيين من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، إلى جانب تدمير واسع للبنية التحتية والمساكن والمنشآت المدنية. غير أن التطورات الأخيرة توحي بأن الأمر يتجاوز البعد الأمني المؤقت نحو إعادة تشكيل أكثر عمقًا وديمومة للحيز المكاني في شمال الضفة الغربية.
فبحسب معطيات ميدانية وتقارير حقوقية، ترافق أوامر المصادرة مع شق طرق عسكرية جديدة وإنشاء بنى تحتية في محيط جنين وعرابة ويعبد والسيلة الحارثية واليامون. وتذهب تقديرات خبراء مختصين بمتابعة الاستيطان إلى أن هذه الأعمال ترتبط بخطط لإقامة قواعد عسكرية دائمة وتوسيع الحضور الإسرائيلي في المنطقة، بما يتزامن مع عودة النشاط الاستيطاني إلى مواقع كانت قد أُخليت ضمن خطة فك الارتباط عام 2005.
هذا التحول يحمل دلالات تتجاوز الجانب العسكري المباشر. فخلال العقدين الماضيين بقي شمال الضفة الغربية، وخصوصا محيط جنين، أقل تعرضا للتوسع الاستيطاني مقارنة بمناطق أخرى. لكن التعديلات القانونية التي أقرتها الحكومة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، وإعادة إحياء مستوطنات أُزيلت سابقا، تشير إلى مرحلة جديدة تسعى إلى دمج هذه المنطقة ضمن المشروع الاستيطاني المتسارع الذي تشهده الضفة الغربية.
خرائط تسبق المستوطنات
في هذا السياق، تبدو مصادرة أراضي الجابريات جزءا من عملية أوسع تهدف إلى إعادة هندسة المجال الجغرافي المحيط بمدينة جنين. فالمسألة لا تتعلق بإنشاء موقع عسكري معزول، بقدر ما ترتبط بإنتاج واقع مكاني جديد يقوم على تكثيف الحضور العسكري والاستيطاني، وربط المستوطنات بشبكات طرق وبنية تحتية جديدة، بما يؤدي تدريجيا إلى تطويق المدينة وفصلها عن امتدادها الريفي الطبيعي.
وتكتسب هذه السياسة أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة الرمزية والسياسية التي تمثلها جنين في الوعي الفلسطيني. فالمدينة التي تحولت خلال العقود الماضية إلى إحدى أبرز ساحات المواجهة مع الاحتلال، تجد نفسها اليوم أمام نمط مختلف من السيطرة لا يعتمد فقط على الاقتحامات العسكرية الدورية، بل على تثبيت وقائع مادية طويلة الأمد على الأرض. فبينما يمكن للقوات العسكرية أن تنسحب بعد عملية أو حملة، تبقى الطرق والقواعد العسكرية والمستوطنات عناصر دائمة تعيد تشكيل المكان لعقود.
ولا يقل البعد القانوني خطورة عن البعد الميداني. إذ يشير مختصون إلى أن أوامر المصادرة العسكرية تتمتع بحصانة شبه كاملة داخل المنظومة القضائية الإسرائيلية، حيث يجري النظر إليها من منظور "الاحتياجات الأمنية" التي يحددها الجيش نفسه. وفي معظم الحالات، تقتصر المراجعات القضائية على الجوانب الإجرائية دون التطرق إلى جوهر شرعية المصادرة أو تأثيرها على السكان الواقعين تحت الاحتلال. كما أن منح أصحاب الأراضي مهلة قصيرة للاعتراض لا يغيّر من واقع أن فرص إلغاء هذه الأوامر تظل محدودة للغاية.
هكذا تقف جنين اليوم عند مفترق جديد. فبين مدينة ما تزال تداوي آثار الدمار والتهجير، ومشاريع عسكرية واستيطانية تتقدم بهدوء على التلال المحيطة بها، يتشكل واقع جديد قد لا تقتصر آثاره على حدود المحافظة وحدها. وما يجري في الجابريات يبدو، بالنسبة لكثيرين، أكثر من مجرد مصادرة أرض؛ إنه فصل جديد في الصراع على الجغرافيا والوجود، حيث تتحول الخرائط إلى أداة سياسية، وتصبح السيطرة على المكان مدخلًا لإعادة صياغة مستقبل المنطقة بأكملها