عزون: ذاكرة الحجارة واشتباك الجغرافيا
2 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
عزون بلدة فلسطينية تقع على بُعد 9 كيلومتر شرق مدينة قلقيلية، ويقارب عدد سكانها 10 آلاف نسمة. بُنيت في نهايات القرن السابع عشر الميلادي في العهد العثماني على يد قبيلة بني صعب. وأظهرت المكتشفات الأثرية في موقع البلدة عن دلائل تؤكد وجود نشاط بشري قديم يعود إلى الفترة الممتدة بين عامي 63 قبل الميلاد و324 ميلادي، ما يُرجِّح أن موقعها احتل أهمية استراتيجية قديمة. ويُعتقد أن اسمها مشتق من الجذر الكنعاني القديم (عَزَّ)، الذي يعني القوة والمنعة.
عزون.. جغرافيا الحصار
تقع عزون في موقع استراتيجي، بين محافظات نابلس وقلقيلية وطولكرم، ما جعلها هدفاً دائماً للاستيطان والمحاصرة. وتمتد أراضيها على مساحة تقدر بنحو 27 ألف دونم، لكن البلدة تعاني من تضييق خطير على البناء والتمدد العمراني، الذي يمتد فقط فوق 1,209 دونمًا من أصل 9,130 دونمًا، وذلك بسبب مصادرة تلك الأراضي لحساب المستوطنات.
بعد احتلال الضفة الغربية عام 1967، بدأت معاناة عزون كغيرها من القرى الفلسطينية، حيث وضع الاحتلال يده على مساحات كبيرة من أراضيها تحت مسنى أراضي دولة ومناطق عسكرية مغلقة، تمهيدًا لمصادرتها، تبع ذلك تسييجها وتجريفها واقتلاع الأشجار المزروعة فيها، وتحضيرها لإقامة المستوطنات عليها أو توسيع المستوطنات القائمة القريبة منها، إضافة إلى نهب الموارد الطبيعية التي تحتويها.
وبعد إبرام اتفاقية أوسلو، صُنف ما يزيد عن 75% من أراضي عزون كـمنطقة (ج)، والتي تخضع لسيطرة أمنية ومدنية "إسرائيلية" كاملة.
وفي عام 1980، أقيمت مستوطنة معاليه شمرون على أراضي عزون، حيث صودرت 276 دونماً بشكل مباشر لصالح المستوطنة، وفي السنوات الأخيرة، صودرت المزيد من الأراضي لتوسيع المستوطنة ومحيطها الأمني.
وبعد إبرام اتفاقية أوسلو، صُنف ما يزيد عن 75% من أراضي عزون كـمنطقة (ج)، والتي تخضع لسيطرة أمنية ومدنية "إسرائيلية" كاملة.
عزون.. سجل كفاحي حافل
عُرفت عزون بحضورها السياسي والمقاوم منذ سنوات مبكرة من تاريخها الحديث، فقد تصدى أهلها لحملة نابليون بونابرت عام 1799 في وادي عزون، وقاوموا مقاومة عنيفة لم يتوقعها الجيش الفرنسي الذي خرج من وادي عزون مهزوزًا فاقد العزيمة ليُهزم أمام أسوار عكا ويتلقى الضربة القاضية، ويغادر قائده نابليون برفقة ضباطه المخلصين عائدًا إلى بلاده سرًا عبر البحر، ويتخلى عن جيشه في مصر ويتركه يواجه مصيره، بعد أن عاث الفساد والقتل أثناء غزوه لمصر والمناطق الساحلية من بلاد الشام وصولًا إلى فلسطين.
كما قاومت عزون المستعمر البريطاني، وشاركت في الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، وما تلاها من أحداث، وقدمت الشهداء الذين كانت أبرزهم فاطمة غزال (أول شهيدة فلسطينية في تلك الثورة، واغتالتها قوات المستعمر البريطاني أثناء نقلها الإمدادات للثوار في وادي عزون، كما أعدمت ابنها محمود شنقًا بعد اغتياله عميلًا للبريطانيين في القدس).
بعد احتلال الضفة الغربية عام 1967؛ حيث البلدة انخرطت بكامل ثقلها ومخزونها النضالي في انتفاضتي الحجارة والأقصى، وغدت شوارع البلدة وحاراتها الضيقة كابوسا يلاحق آليات الاحتلال وحافلات مستوطنيه عبر كمائن نوعية لا تهدأ.
ولا نستطيع المرور عن تلك الفترة دون التعريج على ذكر الثائر فارس العزوني (الحواري) الذي قاد الثورة ضد المستعمر البريطاني في وادي عزون قبل أن يقع أسيرًا في أيديهم ويُسجن في سجن عكا سيء الصيت والسمعة ثم يهرب منه ويتابع مهامه في قيادة الثوار، ويخوض المعركة تلو الأخرى ضد المستعمر، قبل أن يعتقله الاستعمار الفرنسي في سوريا ويسلمه لقمه سائغة للبريطانيين الذين أعدموه شنقا.
لم تقف عزون يوما على هامش الجغرافيا، بل كانت دوما في قلب المعادلة الوطنية بعد احتلال الضفة الغربية عام 1967؛ حيث البلدة انخرطت بكامل ثقلها ومخزونها النضالي في انتفاضتي الحجارة والأقصى، وغدت شوارع البلدة وحاراتها الضيقة كابوسا يلاحق آليات الاحتلال وحافلات مستوطنيه عبر كمائن نوعية لا تهدأ. هذا الصمود الأسطوري دفع بالبلدة إلى تقديم أثمانٍ باهظة من دماء أبنائها، فرحل من خيرة أبنائها عشرات الشهداء عدا عن الإصابات والجرحى، وتجرع المئات من شبانها مرارة الاعتقال، في حين تذوقت عائلاتها لوعة هدم البيوت والتشريد، دون أن يلين لها عزم أو تنكسر لها إرادة.
إضافة إلى ذلك، خاض أهالي عزون معارك قانونية وميدانية شعبية شرسة ضد جدار الفصل العنصري (شرع الاحتلال ببنائه عام 2007) والذي حول البلدة إلى جيب معزول تطوقه المستوطنات والجدار من كل جانب.
عزون تعاني خلف بوابات وطوق عسكري
لم تنحصر معاناة أهالي عزون في خسارة أراضيهم فحسب، بل امتدت لتثقل تفاصيل حياتهم اليومية بإجراءات عسكرية خانقة. ففي قلب البلدة يشق شارع 55 الاستيطاني طريقه، فاصلاً السكان عن أراضيهم ومصادر رزقهم، بعدما صادر أكثر من 416 دونماً لربط المستوطنات ببعضها وبالداخل المحتل. ومع هذا الشارع، تحوَّل وصول المزارعين إلى حقولهم إلى معركة يومية؛ إذ تلاحقهم دوريات الاحتلال وتمنعهم من الاقتراب، سيرًا على الأقدام أو بجراراتهم الزراعية، وتفرض عليهم تصاريح عسكرية نادرًا ما تُمنح.
لم يعد شارع 55 مجرد طريق التفافي، بل غدا أحد أبرز نقاط الاحتكاك اليومية. ما حدا بقوات الاحتلال إلى إغلاق مدخل البلدة الشمالي ببوابة معدنية والمدخل الغربي بمكعبات إسمنتية وإنشاء برج مراقبة دائم أمام البوابة، ونصب حواجز عسكرية، ووضع أسلاك شائكة تعزل الأراضي الزراعية.. كل ذلك بحجة تأمين حركة المستوطنين على هذا الشارع الذي بات ساحة مواجهة مفتوحة تختزل قسوة الواقع الذي يعيشه أهالي عزون. وأدى هذا الإغلاق إلى تقييد حركة السكان وعزلهم عن محيطهم. وقطع التواصل بينهم وبين المدن الأخرى (قلقيلية، نابلس، طولكرم).
صُنّفت عزون حتى عام 2018 على أنها البلدة الأعلى في معدلات اعتقال الأطفال على مستوى الضفة الغربية.
وقد انعكست هذه الإجراءات بصورة مباشرة على الواقع الاقتصادي في عزون، إذ أسهمت في تفاقم معدلات البطالة بشكل حاد، لترتفع إلى نحو 39% عام 2012، بعد أن كانت لا تتجاوز 19% عام 2008. كما أدى تجريف مساحات واسعة من أراضي البلدة واقتلاع أعداد كبيرة من أشجار الزيتون، التي تشكل مورد رزق أساسي لكثير من العائلات، إلى تراجع مستوى دخل الأسر وتدهور الأوضاع المعيشية للسكان.
غير أن الاعتقال يبقى الخطر الأشد الذي يلاحق شباب البلدة. وفقا لتقارير حقوقية، صُنّفت عزون حتى عام 2018 على أنها البلدة الأعلى في معدلات اعتقال الأطفال على مستوى الضفة الغربية. ومع كل اقتحام تنفذه قوات الاحتلال، تتحول شوارع البلدة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الأمر الذي يستفز شبانها فتغدو ساحة مواجهات بينهم وبين والجنود، وتنتهي غالبًا بإصابات واعتقالات جديدة وأحيانًا ارتقاء شهداء.
وتحت وطأة الضغوط الاقتصادية والسياسية والأمنية التي يمارسها الاحتلال، ترفض عزون الانكسار. ويبقى أهلها متمسكون بأرضهم يزرعونها ويحصدون ما تبقى من محاصيلها، والجدران العنصرية والطرق الالتفافية تتحول إلى يوميات مقاومة. وكلما أغلقت الحواجز مداخل البلدة، تجدد اليقين: الجغرافيا ليست مكاناً، بل معركة هوية وبقاء.