المجاهد المكبل.. سيرة الشهيد بسام السايح
2 يونيو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
عُرف بين الناس بـالرجل "الهادئ ذو الابتسامة الدائمة"، فالبسمة لم تكن تفارق شفتيه، حتى في أحلك الظروف.. وأصعبها.. لم يتذمر أو يشكو.. بل يصبر ويصمد ويكمل السير في دربه الذي يعرفه جيدا حتى آخر خطوة فيه.
في الثامن من أيلول 2019، توقف النبض في قلب أثقلته القيود والآلام؛ لتُختم بذلك حياة الأسير الفلسطيني المجاهد بسام السايح داخل مستشفى أساف هروفيه في صرفند في الداخل المحتل. بجسد أنهكه السرطان الذي غزا عظامه ودمه وأعياه تضخم القلب والسوائل التي ملأت الرئتين وجعلت من التنفس مهمة صعبة لا تقوى عليها، بينما هو وحيد على سرير المرض، مكبل اليدين والقدمين، يحرسه سجانون غلاظ مدججون بالأسلحة لا متسع للرحمة في قلوبهم، بعيدا عن أهله ومحبيه، غادر السايح دنيانا ليرتقي شهيدا إلى جوار ربه. بعد 4 سنوات عجاف عانى فيهن بشدة قسوة السجن والمرض والإهمال الطبي المتعمد، رغم أن ذلك كله لم يروض إرادته ولم يحدوه للاستسلام.. فترك خلفه إرثا من الصبر والثبات والصمود.
سيرة السايح: من المولد إلى نشأة
في مدينة نابلس، لا يُذكر اسم بسام السايح بشكل عرضي؛ بل يُستحضر كأيقونة من أيقونات الجهاد والمقاومة. ففي أزقة البلدة القديمة من مدينة نابلس، البلدة التي تتكئ على التاريخ، وتنبض في أبنيتها ذاكرة فلسطين، وتتفجر في عروقها روح المقاومة، أبصر بسام السايح النور، ونشأ في كنف عائلة فلسطينية عريقة تمتد جذورها إلى مدينة الخليل. في أزقة المدينة ومساجدها تفتح وعيه الوطني والإيماني باكرا مع انطلاق انتفاضة الحجارة وما رافقها من مواجهات يومية ومقاومة شعبية لا تهدأ، فتشرب روح الانتماء لقضيته، وعُرف بتدينه والتزامه، وحسه الوطني العميق، وشخصية الهادئة الصلبة، وطباعه الودودة التي تقربه من قلوب الناس وتجعله محبوبا بينهم. ومع تقدم سنواته، التحق بصفوف حركة المقاومة الإسلامية حماس، ليتدرج في بنيتها التنظيمية حتى غدا أحد أبرز كوادرها في المدينة، جامعًا بين العمل الدعوي والوطني والجهادي.
أسهمت البيئة الطلابية بما حفلت به من حراك سياسي ونقاشات وطنية وتجارب عمل طلابي في صقل شخصيته، وترسيخ رؤيته السياسية والفكرية في مرحلة مبكرة من حياته.
التحق بجامعة النجاح الوطنية قسم الصحافة والإعلام، قبل أن يواصل مسيرته الأكاديمية في الجامعة نفسها للحصول على درجة الماجستير في العلوم السياسية والتخطيط والتنمية السياسية. لم تكن سنواته الجامعية مجرد تحصيل علمي عابر، بل شكلت مرحلة مفصلية في بناء وعيه الوطني والفكري؛ إذ أسهمت البيئة الطلابية بما حفلت به من حراك سياسي ونقاشات وطنية وتجارب عمل طلابي في صقل شخصيته، وترسيخ رؤيته السياسية والفكرية في مرحلة مبكرة من حياته.
عمل في إدارة صحيفة فلسطين في الضفة الغربية، إضافة إلى عمله في مجال الدعاية والإعلام، وفتح مطبعة أسماها المطبعة العصرية، التي أصبحت ملتقى لنشطاء العمل الوطني الإسلامي في نابلس، ومنها صدرت منشورات الانتفاضة، وبيانات كتائب القسام في الضفة الغربية..
اعتقالات عدة والفكرة واحدة
اغتيل المجاهد يحيى عياش عام 1996، وبعد الاغتيال شنت أجهزة أمن السلطة حملة اعتقالات طالت نشطاء الحركة الإسلامية في الضفة الغربية، ومن ضمنهم كان بسام السايح، الذي تعرض لتعذيب شديد. وحين قصفت طائرات الاحتلال سجن نابلس المركزي، تمكن بسام من الفرار، ليعود لممارسة عمله المقاوم.
كما اعتقل لدى الاحتلال، وتعرض لتحقيق قاسي وتعذيب، ولكنه ثبت وصمد، فلم تثبت عليه أي تهمة، ما حدا بالاحتلال إلى تحويله للاعتقال الإداري، وبعد عامين عانق الحرية، وعاد لسابق عهده في العمل المقاوم.
تعرض بعد ذلك للملاحقة والاعتقال مرة أخرى من أجهزة أمن السلطة، وأمضى في سجن جنيد وسجن أريحا سيء الصيت والسمعة قرابة عامين، حيث شُبح وعُذب بشكل متواصل، وشَبَّه التعذيب الذي تعرض له بأساليب التعذيب في سجون الأنظمة العربية، إذ تسبب بإصابته بعرج استمر لفترات طويلة وصعوبة في المشي وتشوهات في العمود الفقري، وعلى إثر ذلك أصيب بسرطان العظم وسرطان الدم، حيث بدأت معاناته القاسية مع المرض.
" كيف لي أن أبقى بعيدا عن قدسنا؟ بقائي في الخارج بمثابة الانتحار.. لدي رسالة يجب أن أكملها".
بعد عقبات طُوعت بصعوبة بالغة، استطاع التوجه للأردن لتلقي العلاج عام 2014، عُرض عليه آنذاك، البقاء في الخارج والعمل والدراسة، ولكن نفسه التواقة للجهاد أبت ذلك، فعاد إلى نابلس بعد عدة أشهر بعد أن بدأ وضعه الصحي يتحسن، وقال جملة مأثورة:" كيف لي أن أبقى بعيدا عن قدسنا؟ بقائي في الخارج بمثابة الانتحار.. لدي رسالة يجب أن أكملها".
وبعد عودته بفترة قصيرة، داهمت قوات الاحتلال منزله واعتقلت زوجته منى بكر، وألصقت بها تهمة ممارسة نشاطات معادية للاحتلال، وسُجنت لمدة 7 أشهر. طوال تلك السنوات، لم يتوقف بسام السايح عن ممارسة النشاط السياسي والعسكري والدعوي.
السايح ورسالة الثأر
في عام 2015 وبعد قيام المستوطنين بإحراق عائلة الدوابشة في قرية دوما شرق نابلس والتي استشهد فيها الأب والأب وأحد أطفالهما، رد بسام على الحادثة بعبارة واحدة لا غير:" لا شك أن الرد قادم".
شرع بسام السايح بتشكيل خلية عسكرية تتكون من 6 أفراد يقودها القائد راغب عليوي، جهز لهم العدة والعتاد، ووضع الخطة، وانطلقوا يرصدون هدفهم وصولا إلى لحظة التنفيذ.
قُتل في العملية مستوطن وزوجته داخل سيارتهم بالقرب من مستوطنة إيتمار القريبة من قرية بيت فوريك، بينما أبقى المنفذون على الأطفال الثلاثة الذين كانوا برفقة المستوطنين في السيارة، وخلال العملية أصيب أحد أفراد الخلية؛ كرم المصري إصابة بالغة في يده، ما استدعى نقله لمستشفى نابلس التخصصي حيث قُدمت له الإسعافات الأولية، ولكن سوء حاله دفعه للانتقال لمستشفى رفيديا، ما تسبب بانكشاف أمره لأجهزة أمن السلطة، الذين اقتحموا غرفته في المشفى، والتحقيق معه، ما تسبب أيضا بانكشاف أمر الخلية لدى الاحتلال الذي عاجل لاعتقال أفرادها الستة واحدا تلو الآخر بمن فيهم كرم المصري من داخل المستشفى.
لم يكن بسام مجرد رقم في سجلات الأسرى المرضى لدى الاحتلال، بل حكاية اشتباك مستمر، عجز السرطان وضعف عضلة القلب وتجمع السوائل في رئتيه، عن سلب إرادته وإخضاعه، حتى ارتقى شهيدا في سجون الاحتلال.
بعد تنفيذ عملية إيتمار بثمانية أيام، وبعد أن توجه بسام السايح إلى محكمة سالم لحضور محاكمة زوجته، أُلقي القبض عليه داخل قاعة المحكمة، واقتيد لتحقيق أقل ما يقال عنه إنه شديد الوحشية، فقد خلاله الوعي مرات عدة، وانهار قلبه وضعف حتى كاد يفقد حياته أكثر من مرة، وفقد القدرة على المشي وأصبح يتنقل بواسطة كرسي متحرك، حيث أخبره الأطباء في سجون الاحتلال أن أيامه باتت معدودة لسوء وضعه الصحي.
تنقل خلال سنوات أسره الأربع بين عدة سجون منها مستشفى سجن الرملة، ومستشفى "أساف هروفيه" في صرفند، قبل أن يتدهور وضعه ويستشهد في المشفى الأخير. وبعد وفاته، رفضت سلطات الاحتلال تسليم جثمانه لعائلته واحتجزته منذ ذلك الحين وحتى الآن في مقابر الأرقام.
لم يكن بسام مجرد رقم في سجلات الأسرى المرضى لدى الاحتلال، بل حكاية اشتباك مستمر، عجز السرطان وضعف عضلة القلب وتجمع السوائل في رئتيه، عن سلب إرادته وإخضاعه، حتى ارتقى شهيدا في سجون الاحتلال، تاركا خلفه إرثا من الصمود يُروى للأجيال.