خمسة وسبعون يوما في قبضة التحقيق
23 مايو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
كبرتُ على فكرة أن الرجل لا يبكي، وأن الدموع خُلقت للنساء فقط. كنت أسمع هذه العبارة منذ طفولتي حتى ترسخت في داخلي، وذات يوم سألت والدي ببراءة: "لماذا لا تبكي يا أبي؟" فنظر إليّ طويلا ثم قال بصوت اختلط فيه الغضب بالحزن: "سأبكي عليك يا بني". لم أفهم يومها معنى كلماته، لكنني تذكرتها بعد سنوات طويلة في أكثر اللحظات قسوة في حياتي.
نشأتُ بعيدا عن فلسطين، في بلاد عربية حملنا إليها اللجوء والغربة. كان والداي يزرعان في داخلي حب الوطن الذي لم أره يومًا؛ كلما ظهرت فلسطين في نشرة أخبار أو على صفحة جريدة، قالا لي: "هذه بلادنا". كبرتُ وأنا أحلم بالعودة، وأعيش حنينا إلى أرض لم أعرفها إلا في الحكايات والأغاني القديمة. ثم تبدلت الأحوال، واشتد الشتات، حتى أصبحت العودة إلى فلسطين حلم العمر كله.
كانت تلك المرة الأولى التي أواجه فيها الأسر. شعرت بالخوف عندما استيقظت على فوهات البنادق، لكنني كنت قد هيأت نفسي مسبقا لهذا اليوم؛ فقد اعتدت الجلوس مع الأسرى المحررين في الجامعة لأستمع إلى حكايات التحقيق والسجون وأساليب المحققين.
وحين سنحت الفرصة أخيرا، عدت وحدي إلى الوطن. التحقت بإحدى الجامعات الفلسطينية، وهناك شعرت للمرة الأولى أنني أعيش حياة حقيقية. تعلمت الاعتماد على نفسي، وكنت أعمل في العطل الأسبوعية لأؤمن مصاريفي القليلة، أحيانًا لا أملك سوى أجرة الطريق وثمن رغيف خبز وعلبة لبن تكفيني ليوم كامل، لكنني كنت أشعر بالفخر لأنني أعيش فوق أرضي وبين أهلي.
لم تمضِ سنوات طويلة حتى اقتحم جنود الاحتلال المنزل ليلا واعتقلوني. كانت تلك المرة الأولى التي أواجه فيها الأسر. شعرت بالخوف عندما استيقظت على فوهات البنادق، لكنني كنت قد هيأت نفسي مسبقا لهذا اليوم؛ فقد اعتدت الجلوس مع الأسرى المحررين في الجامعة لأستمع إلى حكايات التحقيق والسجون وأساليب المحققين.
رحلة التحقيقبدأت رحلة تحقيق قاسية استمرت خمسة وسبعين يوما. استخدم المحققون معي الشبح المتواصل والحرمان من النوم؛ كانوا يقيدون يديّ وقدميّ إلى كرسي صغير لساعات طويلة، بينما يغطي رأسي كيس خشن يمنعني حتى من التقاط أنفاسي جيدًا. كانت الأيام ثقيلة ومؤلمة، لكنني كنت أتشبث بالصبر والدعاء وأحاول ألا أنهار.
وحين فشل المحققون في انتزاع اعتراف مني، لجأوا إلى أسلوب "العصافير"؛ وهم عملاء يتظاهرون بأنهم أسرى فلسطينيون. نقلوني إلى إحدى الغرف وأخبروني أنني حُولت إلى الاعتقال الإداري، لكن ما إن دخلت حتى حاصرني من فيها بالأسئلة: من أنت؟ ما نشاطك؟ لماذا اعتقلت؟ أدركت سريعا أن شيئا ما ليس طبيعيا، فالتزمت الحذر ورفضت الحديث. هددوني وضغطوا عليّ، لكنني تمسكت بالصمت.
استقبلني أحد عشر "أسيرا" بحفاوة كبيرة، وكانت الغرفة تبدو مثالية بشكل يثير الشك: طعام وفير، تلفاز، مكتبة، وساحة واسعة. كدت أصدق أنهم أسرى حقيقيون، إلى أن رأيت اسما محفورا على السرير يعود لأسير كنت قد سمعت بنفسه سابقا يتحدث عن "عصافير مجدو".
لاحقا أعادوني إلى زنزانة أخرى مع شخص قدّم نفسه باسم "محمد فوزي". حاول الرجل كسب ثقتي بالحديث عن بلدتي وأسماء يعرفها، ثم أخذ يسألني عن التحقيق والاعتقال. وبعد أيام نقلوني إلى ما قيل إنه "سجن مجدو"، وهناك بدأت المسرحية الكبرى. استقبلني أحد عشر "أسيرا" بحفاوة كبيرة، وكانت الغرفة تبدو مثالية بشكل يثير الشك: طعام وفير، تلفاز، مكتبة، وساحة واسعة. كدت أصدق أنهم أسرى حقيقيون، إلى أن رأيت اسما محفورا على السرير يعود لأسير كنت قد سمعت بنفسه سابقا يتحدث عن "عصافير مجدو". عندها فقط تيقنت أنني وقعت مجددا داخل وكر للجواسيس.
حاولوا بكل الطرق خداعي؛ جاء ما سموه "الموجه الأمني" يسألني عن سيرتي النضالية، ثم أحضروا رسالة مزيفة يدّعون أنها من أسير من بلدتي يشجعني على الحديث معهم. لكنني رفضت الانجرار خلفهم. كانوا يصلون ويبكون ليلا وكأنهم من أكثر الناس تدينا، بينما كانوا في الحقيقة أدوات لخدمة الاحتلال وانتزاع الاعترافات من الأسرى.
رأيت دموع والدي تنهمر للمرة الأولى في حياتي، فتذكرت فورا كلمته القديمة: "سأبكي عليك يا بني".
في اليوم العاشر أخبروني أن اسمي نزل للنقل، فظننت أنني عائد إلى التحقيق. لكن المفاجأة كانت أنني نُقلت إلى المحكمة، وهناك رأيت والدي وأخي وعمي للمرة الأولى منذ اعتقالي. حاولت الاقتراب منهم لكن الجنود منعوني بقسوة، فاكتفينا بالنظر إلى بعضنا بصمت. وفي تلك اللحظة، رأيت دموع والدي تنهمر للمرة الأولى في حياتي، فتذكرت فورا كلمته القديمة: "سأبكي عليك يا بني".
حاولت رغم القيد أن أبتسم لهم وأرفع علامة النصر بيدي كي أطمئنهم. وبعد جلسة قصيرة قرر القاضي تمديد اعتقالي، فشعرت بانكسار داخلي وأنا أُعاد إلى الزنازين. لكن في ممر المحكمة مررت بعجوز فلسطينية نظرت إليّ بحنان وقالت: "الله معاكم يا بني.. اصبروا، ربنا كريم". كانت كلماتها كافية لتعيد إليّ القوة التي بدأت تتسرب من داخلي.
وفي صباح اليوم التالي، نقلوني بسيارة الأسرى. ظللت طوال الطريق أتساءل: هل أنا ذاهب إلى سجن جديد أم إلى جولة أخرى مع "العصافير"؟ وفجأة توقفت السيارة قرب حاجز احتلالي قريب من جنين. فتح السجان الباب، فك قيودي، ونظر إليّ ببرود قائلا: "انزل… أنت حر".