عودة مؤجلة: أرشيف بصري ضد النكبة
23 مايو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في الطريق إلى القرى الفلسطينية المهجّرة، لا تبدو الأرض فارغة كما أرادت الرواية الصهيونية أن تقول يوما. هناك دائما ما يبقى: جدار حجري نصف مهدّم، شجرة تين هرمة، مسجد تحوّل إلى حظيرة، أو بيت فلسطيني قديم يختبئ خلف صفوف الأشجار والأسلاك. أشياء صغيرة، لكنها كافية لتقول إن حياة كاملة مرّت من هنا، وإن شعبا اقتُلع من المكان بالقوة.
في السنوات الأخيرة، تحوّل توثيق القرى المدمرة إلى جزء من معركة الفلسطينيين ضد النسيان. فإسرائيل لم تكتفِ بطرد السكان خلال نكبة عام 1948، بل عملت أيضا على محو آثارهم الجغرافية والبصرية، عبر هدم القرى، وتغيير الأسماء، وزراعة الغابات فوق الأنقاض، أو بناء مدن ومستوطنات جديدة مكانها. غير أن الصورة، بالنسبة لكثير من المصورين والباحثين الفلسطينيين، أصبحت أداة لاستعادة ما حاول الاحتلال دفنه.
آثار النكبة على الجدران
من بين هؤلاء المصور الفلسطيني أحمد الباز، الذي كرّس سنوات لتوثيق ما تبقى من القرى والمدن الفلسطينية المهجّرة داخل أراضي عام 1948. مشروعه الذي صدر مؤخرا في كتاب بعنوان "محو فلسطين"، لم يكن مجرد رحلة تصوير، بل محاولة لفهم حجم الخسارة الفلسطينية، ومواجهة الرواية الإسرائيلية التي تعاملت مع النكبة بوصفها حدثا عابرا انتهى قبل عقود.
يقول الباز إن تجربته بدأت بعد حصوله على تصريح إسرائيلي مكّنه من الحركة داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وهي فرصة نادرة لفلسطيني يعيش في الضفة الغربية المحاصرة بالجدار والحواجز. خلال ثلاث سنوات، زار نحو 200 قرية ومدينة مهجّرة، متنقلا بين حيفا، ويافا، واللد، وصفورية، ولفتا، وغيرها من الأماكن التي بقيت حاضرة في الذاكرة الفلسطينية رغم تغييبها من الخرائط الإسرائيلية.
وثّق الباز حجم ما فُقد في المدن الفلسطينية الكبرى. ففي حيفا، مثلا، ما تزال المنازل الفلسطينية المغلقة شاهدة على اقتلاع عشرات آلاف السكان عام 1948، فيما تحوّلت يافا، التي كان يمكن أن تصبح واحدة من أكبر المدن الفلسطينية، إلى هامش داخل مدينة تل أبيب الإسرائيلية التي أُقيمت فوق أجزاء واسعة من أراضيها وقراها المحيطة.
في كثير من صوره، تظهر الأبنية الفلسطينية القديمة محاصرة بالأحياء الإسرائيلية الحديثة، أو مخفية خلف الأشجار والأسوار، وكأن المكان يعيش محاولة دائمة لإخفاء تاريخه الحقيقي.
هذه المشاهد دفعت الباز إلى التعامل مع التصوير بوصفه "فعلا مضادا للمحو". فالكاميرا هنا لا توثّق الخراب فقط، بل تعيد وصل الحاضر بالماضي، وتكشف التناقض بين الرواية الإسرائيلية والواقع القائم على الأرض. في كثير من صوره، تظهر الأبنية الفلسطينية القديمة محاصرة بالأحياء الإسرائيلية الحديثة، أو مخفية خلف الأشجار والأسوار، وكأن المكان يعيش محاولة دائمة لإخفاء تاريخه الحقيقي.
ولا يقتصر الأمر على البيوت والقرى، بل يمتد إلى محاولات إسرائيلية مستمرة لإزالة الرموز الفلسطينية. ففي بعض القرى، تحوّلت المساجد إلى مخازن أو حظائر للحيوانات، بينما أُعيد استخدام المدارس الفلسطينية كمبان إسرائيلية. وفي أماكن أخرى، تواجه المقابر الفلسطينية خطر الإزالة أو التجريف، كما يحدث مع مقبرة بلد الشيخ قرب حيفا، التي تضم قبر الشيخ عز الدين القسام.
ما تخفيه القرى الهادئة بعد النكبة
تكشف هذه الوقائع أن التطهير العرقي لم يكن نتيجة جانبية للحرب، بل سياسة ممنهجة هدفت إلى خلق واقع جديد يخلو من الفلسطينيين وآثارهم. وهو ما يتقاطع مع أبحاث عدد من المؤرخين الفلسطينيين، الذين وثقوا عمليات التهجير والتدمير الواسعة التي رافقت قيام دولة الاحتلال.
لكن المفارقة التي يلفت إليها الباز، تكمن في أن القرى المدمرة تبدو اليوم هادئة وجميلة ظاهريا. كثير منها تحوّل إلى مساحات خضراء أو مناطق طبيعية تحيط بها المستوطنات الإسرائيلية. غير أن هذا الهدوء يخفي حقيقة أكثر قسوة: أصحاب هذه الأرض ما يزالون يعيشون في مخيمات اللجوء أو تحت الحصار في غزة والضفة الغربية.
تبدو الصورة هنا أكثر من مجرد لقطة فوتوغرافية. إنها محاولة لإنقاذ الذاكرة من الإزالة، وإعادة فلسطين إلى المشهد، ولو عبر جدار متصدع أو بيت مهجور أو شجرة نجت من الجرافات.
ويصف الباز شعوره أثناء تصوير القرى القريبة من غزة، حيث كان يسمع أصوات الطائرات المسيّرة الإسرائيلية فوق القطاع، بينما يقف وسط أراض خضراء تعود ملكيتها الأصلية لعائلات فلسطينية محاصرة على بعد كيلومترات قليلة فقط.
تبدو الصورة هنا أكثر من مجرد لقطة فوتوغرافية. إنها محاولة لإنقاذ الذاكرة من الإزالة، وإعادة فلسطين إلى المشهد، ولو عبر جدار متصدع أو بيت مهجور أو شجرة نجت من الجرافات. وفي مواجهة مشروع استعماري حاول طمس المكان والإنسان معا، تصبح الكاميرا شكلا من أشكال المقاومة، ويغدو التصوير عودة مؤجلة إلى وطن ما يزال حاضرا رغم كل محاولات المحو