حين يصبح التعليم مقاومة: مدارس تولد من رحم الحرب
18 مايو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
رغم ما آلَ بنا من نزوح وتهجير قسريّ، ورغم ثِقل الأيام التي حملت في طيّاتها القصف والخوف وضيق العيش، لم تنطفئ شعلة التعليم في قلوب من آمنوا أنها رسالة لا تؤجَّل. ففي الوقت الذي توقّف فيه الكثير من مظاهر الحياة، ظلّت المدارس تقاوم بطريقتها الخاصة، رافضة أن يكون الجهل خيارا، أو أن يُحرَم الطلبة من حقهم الطبيعي في التعلّم.
في خضمّ هذا الواقع القاسي، برزت نماذج مشرّفة لمدارس بدأت مسيرتها التعليمية من قلب المعاناة، واستمرت رغم الحرب، والقصف، والمجاعة، وقلة الإمكانيات. لم تكن هذه المدارس مجرد أماكن لتلقّي الدروس، بل تحوّلت إلى مساحات أمان، وملاذات صغيرة للطمأنينة، تُعيد للطلبة جزءا من طفولتهم المسروقة، وتمنحهم أملا بأن الغد قد يكون أفضل.
"فلسطين الحبيبة".. التعليم تحت النار
ومن بين هذه النماذج، تبرز مدرسة "فلسطين الحبيبة"، التي شكّلت قصة صمود حقيقية، تستحق أن تُروى. فقد بدأت هذه المدرسة عملها في ظل ظروف استثنائية، حيث لم تكن البيئة مهيّأة للتعليم بالمعنى التقليدي، بل كانت مليئة بالتحديات التي قد تُثني أي مؤسسة عن الاستمرار.
في بداياتها، لم تنتظر المدرسة اكتمال الإمكانيات، ولم تتذرّع بنقص الموارد، بل انطلقت بما هو متاح، ولو كان بسيطا. فالفصول قد لا تكون مكتملة، والوسائل التعليمية محدودة، إلا أن الإصرار كان حاضرا بقوة. اجتمع المعلمون على هدف واحد: ألا يُحرم أي طالب من حقه في التعلم، مهما كانت الظروف.
لكن الطريق لم يكن سهلا. فقد واجهت المدرسة تحديات يومية قاسية، كان أبرزها القصف المستمر، الذي كان يهدد حياة الجميع في كل لحظة. لم يكن الذهاب إلى المدرسة أمرا بديهيا، بل كان محفوفا بالمخاطر. ومع ذلك، استمر الطلبة في الحضور، مدفوعين برغبتهم في التعلم، وبشعورهم أن المدرسة تمثّل لهم أكثر من مجرد مكان للدراسة.
أمّا المعلمون، فقد كانوا العمود الفقري لهذه التجربة. لم يكونوا مجرد ناقلين للمعرفة، بل كانوا حماةً للأمل. كانوا يدركون أن وجودهم في الصف لا يقتصر على شرح الدروس، بل يتعداه إلى دعم الطلبة نفسيا، ومساندتهم في مواجهة الخوف والقلق. كانوا يبتسمون رغم التعب، ويُخفون قلقهم ليزرعوا الطمأنينة في نفوس طلابهم.
إلى جانب ذلك، شكّل شحّ الموارد تحديا كبيرا. فالمواد التعليمية لم تكن متوفرة دائما، والاحتياجات الأساسية قد تكون نادرة. ومع انتشار المجاعة وصعوبة الوضع المعيشي، لم يكن التركيز على التعليم أمرا سهلا، لا للطلبة ولا للمعلمين. ومع ذلك، لم تتوقف العملية التعليمية، بل تكيّفت مع الواقع، وابتكرت حلولا بديلة تُبقي التعليم حيّا.
أمّا المعلمون، فقد كانوا العمود الفقري لهذه التجربة. لم يكونوا مجرد ناقلين للمعرفة، بل كانوا حماةً للأمل. كانوا يدركون أن وجودهم في الصف لا يقتصر على شرح الدروس، بل يتعداه إلى دعم الطلبة نفسيا، ومساندتهم في مواجهة الخوف والقلق. كانوا يبتسمون رغم التعب، ويُخفون قلقهم ليزرعوا الطمأنينة في نفوس طلابهم.
ولم تكن الإدارة أقلّ إصرارا، فقد لعبت دورا محوريا في تنظيم العمل، وتوفير الحد الأدنى من البيئة التعليمية الممكنة. عملت على الحفاظ على استمرارية التعليم رغم كل العقبات، وسعت إلى خلق بيئة يشعر فيها الطلبة بالأمان النسبي، في وقت كانت فيه كلمة "أمان" نادرة.
التعليم كفعل حياة
وقد كان لهذه الجهود أثر واضح على الطلبة، الذين وجدوا في المدرسة مساحة مختلفة عن واقعهم القاسي. داخل أسوارها، استطاعوا أن ينسوا – ولو قليلا – أصوات القصف، وأن ينشغلوا بالحروف والأرقام بدلا من الخوف. تعلّموا أن الحياة لا تتوقف، وأن العلم يمكن أن يكون وسيلة للنجاة، لا مجرد مادة دراسية.
كما انعكس دور المدرسة على المجتمع المحلي، حيث أصبحت رمزا للصمود، ودليلا على أن الإرادة قادرة على تجاوز أصعب الظروف. فقد أعادت هذه التجربة الثقة بأهمية التعليم، ورسّخت فكرة أن الاستثمار في العلم هو استثمار في المستقبل، حتى في أصعب وأشد الأوقات.
تبقى هذه المدارس شاهدا حيّا على قوة الإنسان حين يؤمن برسالته. ورغم كل ما مرّ، وما زال يمرّ، فإن الأمل لا يزال حاضرا، يُولد في كل صباح مع صوت معلم يبدأ حصته، ومع طالب يفتح كتابه بإصرار. هنا، لا يكون التعليم مجرد واجب، بل يصبح فعل حياة وصمود.
إن تجربة مدارس غزة ليست مجرد قصة نجاح تعليمية، بل هي رسالة عميقة مفادها أن التعليم يمكن أن يكون شكلا من أشكال المقاومة. مقاومة للجهل، للخوف، لليأس. وهي أيضا تذكير بأن الشعوب التي تتمسّك بالتعليم، مهما اشتدت عليها الظروف، هي شعوب قادرة على النهوض من جديد.
وفي النهاية، تبقى هذه المدارس شاهدا حيّا على قوة الإنسان حين يؤمن برسالته. ورغم كل ما مرّ، وما زال يمرّ، فإن الأمل لا يزال حاضرا، يُولد في كل صباح مع صوت معلم يبدأ حصته، ومع طالب يفتح كتابه بإصرار. هنا، لا يكون التعليم مجرد واجب، بل يصبح فعل حياة وصمود.