عز الدين الحداد.. "شبح القسام" ومهندس الطوفان
18 مايو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
انتهت رحلة الرجل الذي عُرف داخل الأوساط الإسرائيلية باسم "شبح القسام" كما بدأت تقريبا؛ في الظل، وبين روايات متضاربة ودخان غارة إسرائيلية عنيفة استهدفت قلب مدينة غزة. من بين الأسماء التي خرجت من ظلال العمل السري في كتائب الشهيد عز الدين القسام، يبرز اسم عز الدين الحداد بوصفه واحدا من أكثر القادة غموضا وتأثيرا في تاريخ الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس". فالرجل الذي يلقّبه الاحتلال الإسرائيلي بـ"شبح القسام"، لم يكن يوما من الوجوه التي اعتادت الظهور الإعلامي أو الخطابة السياسية، بل ظلّ لعقود يتحرك في المساحات المعتمة للحرب السرية، حيث تُصنع القرارات الثقيلة وتُدار أكثر العمليات تعقيدا بعيدا عن الأضواء.
عز الدين.. الولادة والنشأة
وُلد الحداد في مدينة غزة عام 1970، في مرحلة كانت فيها القضية الفلسطينية تعيش واحدة من أكثر لحظاتها اضطرابا، بين آثار الاحتلال الممتدة منذ عام 1967، وبين تحولات الحركة الوطنية الفلسطينية. وفي أزقة غزة المكتظة بالمخيمات والفقر والحصار، تشكّلت شخصيته الأولى، قبل أن يلتحق في أواخر ثمانينيات القرن الماضي بحركة المقاومة الإسلامية "حماس" منذ تأسيسها عام 1987، بالتزامن مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى.
منذ بداياته داخل كتائب القسام، لم يكن الحداد مجرد عنصر عسكري تقليدي، بل عُرف بانضباطه الشديد وقدرته العالية على التخفي والعمل الأمني. بدأ جنديا في وحدات المشاة التابعة للواء غزة، ثم تدرج بهدوء داخل البنية العسكرية للحركة؛ قائد فصيل، ثم قائد كتيبة، وصولا إلى قيادة لواء غزة بأكمله بعد استشهاد القائد باسم عيسى خلال معركة "سيف القدس" عام 2021. ذلك التدرج الطويل داخل القسام لم يكن قائما على الحضور الجماهيري أو الخطاب الإعلامي، وإنما على ما تعتبره الحركة معيارها الأهم: الكفاءة الميدانية والقدرة على الصمود تحت المطاردة.
رجل شديد الحذر، قليل الكلام، ويؤمن بأن الحرب مع الاحتلال تبدأ من حماية الجبهة الداخلية بقدر ما تبدأ من المواجهة المباشرة.
وعلى امتداد سنوات الانتفاضة الثانية وما تلاها، ارتبط اسم الحداد بعدد من الملفات الأمنية الحساسة داخل القسام، وكان من أبرز المساهمين في تنظيم جهاز "المجد"، وهو الجهاز الذي تولى ملاحقة المتهمين بالتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي، في واحدة من أكثر الملفات تعقيدا وخطورة داخل البيئة الأمنية للمقاومة الفلسطينية. وقد منحته تلك المهمة سمعة خاصة داخل الأوساط العسكرية للحركة، بوصفه رجلا شديد الحذر، قليل الكلام، ويؤمن بأن الحرب مع الاحتلال تبدأ من حماية الجبهة الداخلية بقدر ما تبدأ من المواجهة المباشرة.
غير أن اسم الحداد لم يتحول إلى اسم متداول إعلاميا إلا بعد معركة "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وهي العملية التي أعادت تشكيل المشهد السياسي والعسكري في المنطقة بأكملها. فمع اغتيال إسرائيل عددا كبيرا من قادة الصف الأول في حركة حماس، وعلى رأسهم محمد الضيف ويحيى السنوار ومروان عيسى، بدأت الأنظار تتجه نحو الجيل القيادي الذي بقي حيا داخل قطاع غزة، وكان عز الدين الحداد في مقدمة تلك الأسماء.
الحداد.. مهندس الطوفان
وبحسب تقارير إسرائيلية وأميركية، فإن الحداد كان أحد أعضاء المجلس العسكري المصغّر الذي أشرف على التخطيط لعملية "طوفان الأقصى"، وشارك في إدارة تفاصيلها الميدانية بسرية شديدة. وتذهب بعض التقارير إلى أنه تولى، قبل ساعات من بدء العملية، توزيع التعليمات النهائية على قادة الألوية والكتائب، متضمنة أهداف العملية وأولوياتها، وعلى رأسها أسر أكبر عدد ممكن من الجنود الإسرائيليين والسيطرة على المواقع العسكرية والمستوطنات المحاذية لقطاع غزة.
ورغم أن كثيرا من تلك الروايات بقي في إطار التسريبات والتقارير غير المؤكدة، فإن الحداد نفسه خرج في مقابلة نادرة مطلع عام 2025 ليتحدث بصورة مباشرة عن "طوفان الأقصى"، في ظهور إعلامي اعتُبر استثنائيا بالنظر إلى طبيعته شديدة السرية. ظهر الرجل بوجه مظلل وصوت هادئ، متحدثا بلغة أقرب إلى لغة القادة العسكريين التقليديين منها إلى الخطاب السياسي التعبوي. وخلال المقابلة، أشار إلى أن كتائب القسام اعتمدت خطة خداع إستراتيجي طويلة المدى أوحت للاحتلال بأنها انشغلت بإدارة الواقع الاقتصادي والتسهيلات الإنسانية، بينما كانت في الواقع تُحضّر لعملية واسعة النطاق.
نجا من سلسلة طويلة من محاولات الاغتيال التي استهدفته منذ سنوات؛ فقد تعرض منزله للقصف خلال حرب 2009، ثم في جولات التصعيد اللاحقة أعوام 2012 و2021 و2023 و2024، دون أن تتمكن إسرائيل من الوصول إليه.
كما تحدث عن اختراق استخبارات القسام لأنظمة إسرائيلية حساسة، بينها الوحدة 8200، وهي من أكثر وحدات الاستخبارات الإلكترونية تطورا لدى الاحتلال. وبغض النظر عن الجدل الذي أحاط بصحة بعض تلك التصريحات، فإن المقابلة كرّست صورة الحداد بوصفه أحد العقول الأمنية والعسكرية الأكثر تأثيرا داخل بنية القسام بعد الحرب.
ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، تحوّل الحداد إلى أحد أكثر المطلوبين لدى الاحتلال، الذي رصد مكافأة مالية ضخمة لمن يدلي بمعلومات تؤدي إليه. لكن اللافت أن الرجل نجا من سلسلة طويلة من محاولات الاغتيال التي استهدفته منذ سنوات؛ فقد تعرض منزله للقصف خلال حرب 2009، ثم في جولات التصعيد اللاحقة أعوام 2012 و2021 و2023 و2024، دون أن تتمكن إسرائيل من الوصول إليه.
شبح القسام.. الرحلة الأخيرة
هذا الغياب الدائم عن المشهد العلني، والقدرة المستمرة على الإفلات من الاغتيال، منحت الحداد لقب "شبح القسام"، وهو اللقب الذي بات يتكرر في الإعلام العبري بصورة خاصة. فحتى الصور المتاحة له نادرة للغاية، وغالبا ما يظهر فيها بلباس عسكري وملامح غير واضحة، في انسجام تام مع العقيدة الأمنية التي تتبعها كتائب القسام في إخفاء قادتها العسكريين عن الرصد المباشر.
غير أن حياة الحداد لم تكن بعيدة عن الأثمان الشخصية القاسية التي فرضتها الحرب. ففي يناير/ كانون الثاني 2025، أعلنت كتائب القسام استشهاد نجله صهيب الحداد في قصف إسرائيلي استهدف حي التفاح شرقي مدينة غزة، وهو الابن الذي كان الحداد يُكنّى باسمه "أبو صهيب". وقد شكّل ذلك الحدث صورة أخرى من صور الحرب التي طالت حتى أكثر القادة غموضا وتحصينا.
وبين بداياته جنديا في أزقة غزة المحاصرة، ووصوله إلى قيادة لواء غزة وعضوية المجلس العسكري للقسام، ظل الحداد جزءا من مسار طويل من التضحيات التي دفعتها الحركة الفلسطينية المسلحة في مواجهة الاحتلال.
ومع إعلان الاحتلال الإسرائيلي اغتياله، تُطوى صفحة واحدة من أكثر الشخصيات غموضا في تاريخ كتائب القسام، لكن الاسم الذي تحوّل على مدار سنوات إلى كابوس أمني للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، يبدو مرشحا للبقاء طويلا في الذاكرة الفلسطينية بوصفه واحدا من قادة الجيل الذي خاض أكثر الحروب دموية وتعقيدا في تاريخ غزة. فقد أمضى عز الدين الحداد حياته متنقلا بين المطاردة والعمل السري وميادين القتال، ونجا من محاولات اغتيال متكررة، قبل أن تنتهي رحلته في خضم حرب مفتوحة لم تتوقف منذ السابع من أكتوبر. وبين بداياته جنديا في أزقة غزة المحاصرة، ووصوله إلى قيادة لواء غزة وعضوية المجلس العسكري للقسام، ظل الحداد جزءا من مسار طويل من التضحيات التي دفعتها الحركة الفلسطينية المسلحة في مواجهة الاحتلال. وبرحيله، تفقد فلسطين واحدا من أبرز قادتها الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة مفصلية من تاريخ الصراع، فيما يبقى حضوره، مرتبطا بصورة القائد الذي عاش في الظل، وقاتل حتى اللحظة الأخيرة، وترك خلفه سيرة مثقلة بالحرب والمطاردة والفقد، في واحدة من أكثر مراحل القضية الفلسطينية قسوة واضطرابا.