لماذا كل هذا الاجرام الصهيوني بحق اسرانا؟
18 مايو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
لم تبدأ سياسة السجون الإسرائيلية مع الحرب الأخيرة على غزة أو مع صعود اليمين المتطرف إلى الحكم، بل تُعد جزءا أصيلا من بنية السيطرة التي اعتمدتها إسرائيل منذ عقود في إدارة الفلسطينيين وإخضاعهم. فالسجن، في التجربة الفلسطينية، ليس مجرد إجراء أمني أو عقوبة قانونية، بل أداة سياسية واجتماعية تُستخدم لإعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني وضبطه.
تشير تقديرات فلسطينية وحقوقية إلى أن أكثر من 800 ألف فلسطيني مرّوا بتجربة الاعتقال منذ عام 1967، أي ما يقارب خُمس الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، ونحو 40% من الرجال الفلسطينيين. هذه الأرقام تكشف أن الاعتقال لم يعد حالة استثنائية، بل تحوّل إلى جزء من التجربة الجمعية الفلسطينية، حتى باتت تكاد لا توجد عائلة فلسطينية لم تتأثر بالسجن بشكل مباشر أو غير مباشر.
ولا تتوقف آثار السجن عند الأسير نفسه، بل تمتد إلى أسرته ومحيطه الاجتماعي. أطفال يكبرون في غياب آبائهم، وأمهات يتحملن مسؤوليات الأسرة وحدهن، وعائلات تستنزف اقتصاديًا ونفسيًا بفعل الغياب الطويل والزيارات والمحاكم والغرامات. بهذه الطريقة، يتحول السجن إلى أداة ضغط جماعي تتجاوز الفرد لتطال المجتمع بأكمله.
السجن كأداة للسيطرة وكيّ الوعي
يرتبط مشروع السجون الإسرائيلي بفكرة أعمق من العقاب، تقوم على إنتاج حالة دائمة من الخوف والردع داخل المجتمع الفلسطيني. فالتهديد المستمر بالاعتقال، والقدرة على احتجاز الأفراد لفترات طويلة، أحيانًا دون محاكمة عبر الاعتقال الإداري، يهدف إلى خلق بيئة يشعر فيها الفلسطيني بأن أي نشاط سياسي أو مجتمعي قد يقوده إلى السجن.
بهذا المعنى، يصبح السجن وسيلة لـ"كيّ الوعي" الفلسطيني، عبر دفع الأفراد إلى الانكفاء عن الفعل العام، وتفكيك الروابط الجماعية، وتحويل المجتمع إلى حالة من الحذر والخوف الدائمين. ولا يمكن فهم السجون الإسرائيلية بعيدا عن كونها جزءا من منظومة أوسع من السيطرة الاستعمارية، تستخدم فيها إسرائيل أدوات متعددة، من الحواجز العسكرية إلى الاستيطان والمراقبة والعقوبات الجماعية.
تصاعد الخطاب اليميني داخل إسرائيل ساهم في منح هذه المنظومة طابعا أكثر تطرفا.
وتظهر هذه السياسة بوضوح في الطريقة التي يتعامل بها الاحتلال مع الأسرى، إذ لا يُنظر إليهم باعتبارهم أفرادا خالفوا القانون، بل بوصفهم جزءا من جماعة سياسية ينبغي إخضاعها. لذلك، تتحول السجون إلى مساحة لإعادة إنتاج السيطرة، وليس فقط لتنفيذ العقوبة.
كما أن تصاعد الخطاب اليميني داخل إسرائيل ساهم في منح هذه المنظومة طابعا أكثر تطرفا. فوزراء وسياسيون إسرائيليون باتوا يتفاخرون علنا بتشديد ظروف الاعتقال وتقليص حقوق الأسرى، في انعكاس لتحولات أعمق داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث يجري تجريد الفلسطيني من إنسانيته وتصويره كتهديد دائم.
التعذيب والانضباط: صناعة الجسد الخاضع
لفهم وظيفة التعذيب داخل السجون، يمكن الاستفادة من أفكار الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، الذي رأى أن السلطة الحديثة لا تعتمد فقط على القمع المباشر، بل تعمل على إنتاج "الجسد الطيّع" القابل للتحكم والانضباط.
في الماضي، كانت السلطات تُظهر قوتها عبر المشانق والساحات العامة والتعذيب العلني، حيث يتحول الجسد المعذَّب إلى مشهد استعراضي يهدف إلى بث الرهبة في المجتمع. ومع تطور أنظمة السلطة، تغيّرت الأدوات لكن بقي الهدف نفسه: فرض الطاعة وإنتاج الخضوع.
لكن التعذيب لا يؤثر على الضحية وحدها، بل يترك أثره أيضا على المجتمع بأكمله. فحين تتحول السجون إلى أداة تخويف جماعي، يصبح الهدف هو إرسال رسالة مستمرة للفلسطينيين مفادها أن أي محاولة للاعتراض أو المقاومة قد تقود إلى المصير ذاته.
في الحالة الإسرائيلية، لا يبدو التعذيب مجرد وسيلة لانتزاع المعلومات، بل يتحول أحيانا إلى غاية بحد ذاته، تقوم على الإذلال وكسر الإرادة. فالعنف داخل السجون لا يستهدف الجسد فقط، بل يسعى إلى إعادة تشكيل وعي الأسير، ودفعه إلى الشعور بالعجز وفقدان السيطرة.
ويكتسب هذا العنف بعدا أخطر عندما يقترن بنزع الإنسانية عن الفلسطيني. فالجلاد لا يستطيع ممارسة التعذيب بهذه الوحشية إلا بعد أن يرى ضحيته أقل إنسانية منه، أو بوصفها تهديدا وجوديا ينبغي سحقه. ومن هنا تتغذى النظرة العنصرية التي تعتبر الفلسطيني "آخر" لا يستحق الحقوق ذاتها.
لكن التعذيب لا يؤثر على الضحية وحدها، بل يترك أثره أيضا على المجتمع بأكمله. فحين تتحول السجون إلى أداة تخويف جماعي، يصبح الهدف هو إرسال رسالة مستمرة للفلسطينيين مفادها أن أي محاولة للاعتراض أو المقاومة قد تقود إلى المصير ذاته.
ومن هنا، فإن البعد الاجتماعي للتعذيب لا يقل أهمية عن البعد الفردي. فالمطلوب ليس فقط إخضاع الأسير، بل دفع المجتمع إلى مراقبة نفسه بنفسه، وتقليص طموحاته السياسية خوفا من العقاب.
وبينما تستخدم إسرائيل السجن والتعذيب بوصفهما أدوات للسيطرة وكيّ الوعي، تكشف التجربة الفلسطينية أن محاولات إخضاع الإنسان بالقوة لا تنجح دائمًا في كسر إرادته، بل قد تتحول أحيانا إلى سبب إضافي لتعميق وعيه بقضيته وهويته.
ورغم كل ذلك، تكشف التجربة الفلسطينية أن السجون لم تنجح في إنهاء الوعي الوطني الفلسطيني، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى جزء من الذاكرة الجماعية الفلسطينية ورمز للصمود. فالأسرى لم يكونوا مجرد ضحايا للعقاب، بل أصبحوا جزءًا من السردية الوطنية الفلسطينية، وهو ما يفسر المكانة الرمزية التي يحتلها الأسرى داخل المجتمع الفلسطيني.
في النهاية، تبدو السجون الإسرائيلية أكثر من مجرد مؤسسات احتجاز؛ إنها جزء من مشروع سياسي يسعى إلى إعادة تشكيل الفلسطيني نفسيا واجتماعيا وسياسيا. وبينما تستخدم إسرائيل السجن والتعذيب بوصفهما أدوات للسيطرة وكيّ الوعي، تكشف التجربة الفلسطينية أن محاولات إخضاع الإنسان بالقوة لا تنجح دائمًا في كسر إرادته، بل قد تتحول أحيانا إلى سبب إضافي لتعميق وعيه بقضيته وهويته.