عبد الستار قاسم: إرث فكري مناهض للاحتلال منادٍ بالحرية
16 مايو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
عندما هممت بكتابة هذا المقال عن الأخ الدكتور عبد الستار قاسم رحمه الله، تذكرت سيزيف، تلك الشخصية الإغريقية الجدلية، الذي يجد معناه في المحاولة المستمرة، بدحرجة الصخرة الضخمة من أسفل الجبل إلى قمته لتعاود السقوط مع بلوغ القمة للأسفل، والذي رغم إدراكه لصعوبة ما يفعل، بيد أنه يعيد الكرة في كل مرة بلا يأس أو قنوط. فالدكتور عبد الستار قاسم، أمضى عقوداً يدحرج صخرة الوعي في بيئة سياسية كان يراها تمضي نحو انحدار سحيق. حتى إنه كلما انتهى من نقد نهج أو كشف فساد، وجد الواقع أمامه يزداد تعقيداً، فكان يعيد الكرة بكل عناد، دون أن يتراجع عما نذر نفسه له.
سُجن عبد الستار قاسم ولوحق وضُيق عليه في رزقه وحوصر حضوره العلمي والفكري والسياسي أيضًا، ومع ذلك، نهض، ليبدأ مرة أخرى في كل مرة دون أن ينكسر أو يهادن، بل مارس معارضته كفعل إرادي واعي، مدركًا وعورة طريقه، وخلوه من المكاسب الشخصية والمصالح والمناصب، ومع ذلك سار فيه بملء إرادته بثبات ومثابرة، مؤثرًا الاشتباك مع الواقع السياسي الفلسطيني والعربي دون أي مواربة، إيمانًا منه بأن المثقف الذي يداهن، ويؤثر ألا يزعج السلطة التي تمسك بزمام الأمور-أي سلطة- هو مثقف خان الأمانة التي يحملها.
من النشأة إلى الحضور الأكاديمي
عبد الستار قاسم؛ أكاديمي وسياسي ومفكر، وناشط فكري عرف بإنتاجه الغزير، ومواقفه المعارضة لنهج وأداء السلطة الفلسطينية. وُلد في قرية دير الغصون- محافظة طولكرم عام 1948؛ العام الذي شهد انكسارًا وطنيًا. تلقى تعليمه المدرسي في فلسطين، وتابع دراسته الجامعية في الخارج، وحصل على الدرجات العلمية العليا في العلوم السياسية من الولايات المتحدة. بعد عودته إلى فلسطين، عمل أستاذًا للعلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية في نابلس، وانخرط في الوقت ذاته في الكتابة السياسية والبحث الفكري، ما جعل منه صوتًا نقديًا بارزًا في الساحة الفلسطينية.
كما طوع قاعات محاضراته في جامعة النجاح الوطنية، لتغدو من مجرد فضاءات أكاديمية تلقينية إلى ميادين مفتوحة للسجال الفكري حول أعقد قضايا السياسة الفلسطينية والعربية والعالمية. لم تكن الدروس تمر دون أن يشرِّح الواقع فيها بمبضع المفكر الناقد، وهو ما سبب له أزمات حادة مع المؤسسة الأكاديمية التي يعمل فيها والتي ضاقت ذرعاً بتمرده هذا.
تجسدت صداماته معها في إجراءات عقابية تراوحت بين الإبعاد القسري عن التدريس تارة، وتقليص حضوره الأكاديمي تارة أخرى، في محاولات لتدجين صوته الذي أبى أن ينسجم مع النمط الرسمي للمؤسسة. بينما لم يرَ قاسم في هذه الأزمات مجرد خلافات إدارية، بل قرأها كمعركة حقيقية للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، معتبرا أن محاصرته أكاديميا هو انعكاس لضيق صدر السلطة تجاه كل فكر حر يرفض الخضوع.
محطات المعارضة والصراع السياسي
يُعد عبد الستار قاسم من الشخصيات التي ارتبط اسمها بجدل سياسي وفكري مستمر، خاصة فيما يتعلق بمواقفه الصارمة من السلطة الفلسطينية واتفاقيات أوسلو. فقد كان من أبرز المنتقدين للاتفاقية، معتبرًا أنها أسست لواقع سياسي معقد أضعف المشروع الوطني الفلسطيني، وأنتج حالة من الاعتماد السياسي والاقتصادي على الاحتلال بدل المواجهة.
عارض التنسيق الأمني بشراسة، وانتقد أداء الفصائل الفلسطينية، معتبرا غياب الرؤية الاستراتيجية مقتلًا للقضية. ودفع قاسم ثمن ذلك اعتقالات متكررة لدى الاحتلال والسلطة، ومحاولات اغتيال فاشلة، وإطلاق نار على سيارته ومنزله.
ناهيك عن أنه كان من الموقعين على بيان العشرين الشهير في أواخر التسعينيات، الذي حمل اسم "الوطن ينادينا" وينتقد الفساد الإداري والمالي ويطالب بإجراء إصلاحات سياسية ومحاسبة الفاسدين وتعزيز سيادة القانون.
كما عارض التنسيق الأمني بشراسة، وانتقد أداء الفصائل الفلسطينية، معتبرا غياب الرؤية الاستراتيجية مقتلًا للقضية. ودفع قاسم ثمن ذلك اعتقالات متكررة لدى الاحتلال والسلطة، ومحاولات اغتيال فاشلة، وإطلاق نار على سيارته ومنزله. ولكنه خرج من كل محنة أكثر إصراراً على الاستمرار في نهجه، بل إنه أثناء الاعتقال كان يحول الزنازين إلى قاعات تدريس للمعتقلين يرسخ عبرها مفاهيم الحرية والسيادة.
انتاج فكري يعيد قراءة الواقع بطريقة نقدية
اتسم الإنتاج الفكري لعبد الستار قاسم بالجزالة والجرأة. فكتب في الفكر السياسي، والدراسات الاستراتيجية، ونقد الهزيمة النفسية. كما تناول قضايا الأمة العربية، وعلاقة الأنظمة السياسية العربية بالمجتمعات، إضافة إلى مفهوم الاستبداد السياسي، وحدود الديمقراطية في العالم العربي، وغيرها من الجوانب، بأسلوب يتسم بالوضوح والحدة وبدون مواربة. ناهيك عن طرحه لأسئلة صعبة ما تزال حاضرة وبقوة في الواقع الفلسطيني المعاصر حول السلطة، والمقاومة، والمشروع الوطني.
يمتد الإنتاج الفكري لعبد الستار قاسم عبر عشرات الكتب والأبحاث والمقالات، التي تناولت في مجملها القضية الفلسطينية من زوايا متعددة، أبرزها تحليل بنية السلطة الفلسطينية، وطبيعة النظام السياسي الفلسطيني، وإشكاليات المشروع الوطني في ظل الاحتلال. لم يكن قاسم يكتفي بالسرد التاريخي أو الوصف السياسي، بل كان يميل إلى تفكيك البنية الداخلية للسلطة، ومحاولة فهم كيف تتشكل القرارات السياسية في ظل واقع معقد يتداخل فيه الاحتلال مع الانقسام الداخلي.
رحل الدكتور عبد الستار قاسم مطلع عام 2021 متأثرا بمضاعفات الإصابة بفيروس كورونا، بعدما ترك خلفه إرثا فكريا واسعا ضمّ أكثر من خمسةٍ وعشرين كتابا ومئات المقالات والدراسات.
على سبيل المثال لا الحصر؛ كتابه "استراتيجية التحرير الفلسطينية" والذي حاول فيه وضع تصور فكري واستراتيجي لتحرير فلسطين، متناولا عناصر القوة والضعف لدى الفلسطينيين والعرب، ومناقشا العلاقة بين العمل السياسي والمقاومة. وكتابه "سقوط العملة الورقية" الذي كان تحليلا للنظام الرأسمالي العالمي وهيمنة الدول الكبرى من خلال النظام النقدي. وكتاب "تأصيل الفكر المقاوم" الذي صب فيه اهتمامه على الإنسان المقاوم، المقاومة من وجهة نظره تبدأ من الاكتفاء الذاتي، بدءًا من الأرض، والتعليم الذي يحرر العقل قبل الجسد. وكتاب "المقاومة الشعبية في فلسطين" ويتناول فيه أشكال المقاومة الشعبية الفلسطينية وتجاربها التاريخية، ويشرح كيف يمكن للمجتمع الفلسطيني أن يوظف أدوات النضال الشعبي في مواجهة الاحتلال بعيدًا عن الاقتصار على العمل العسكري فقط. ويُعد من كتبه المهمة في فهم فكرة المقاومة المجتمعية.
رحل الدكتور عبد الستار قاسم مطلع عام 2021 متأثرا بمضاعفات الإصابة بفيروس كورونا، بعدما ترك خلفه إرثا فكريا واسعا ضمّ أكثر من خمسةٍ وعشرين كتابا ومئات المقالات والدراسات. وما تزال كتاباته تُقرأ بوصفها مرآة لفلسطين التي ترفض المساومة، وتقاوم الفساد، وتتمسك بالكرامة الوطنية بوصفها قيمة لا تُقايَض بلقمة عيشٍ مشوبة بالمهانة.
رحل دون أن يلهث وراء منصب أو مكسب، وبقي وفيّا لقناعاته ومبادئه حتى اللحظة الأخيرة، مؤمنًا بأن الحرية ليست منحة تُعطى، بل حق يُنتزع بالإرادة والصمود.
سيظل الدكتور عبد الستار قاسم حاضرا في كل قلب وعقل كل فلسطيني حر، وفي كل محاولة للتحرر من قيود التبعية، ليثبت أن المثقف الحقيقي هو الذي يبقى صامدا في وجه تبدل المواقف.