رجال جبل النار.. الجمالان وصلاح دروزة في ذاكرة فلسطين
16 مايو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في مدينة تُشبه الجبل في عناده، وتُشبه النار في اشتعالها، كانت نابلس تودّع رجالها كما تليق المدن العتيقة بالمقاتلين؛ بالزغاريد الممزوجة بالبكاء، وبالرايات التي ترتفع فوق أكتاف المشيعين كأنها تُكمل الطريق عن أصحابها. هناك، في صيف عام 2001، لم تكن الطائرات الإسرائيلية تقصف أجسادا فحسب، بل كانت تحاول اغتيال ذاكرة كاملة من الفكر والخطابة والعمل المقاوم. غير أن المدينة التي أنجبت الجمالين وصلاح الدين دروزة، كانت تعرف أن الرجال الذين يكتبون حياتهم بالموقف، لا تنتهي حكاياتهم عند لحظة الاغتيال، بل تبدأ منها.
جمال منصور.. الرجل الذي حوّل الفكر إلى مقاومة
في مخيم بلاطة شرقي نابلس، وُلد جمال منصور عام 1960 لعائلة فلسطينية هجّرتها النكبة من قرية سلمة قضاء يافا. هناك، بين الأزقة الضيقة وذاكرة اللجوء الثقيلة، تشكّلت شخصية الفتى الذي كان يرى في فلسطين أكثر من أرض محتلة؛ كان يراها قضية وجود وهوية ومصير.
منذ سنواته الأولى، بدا مختلفا عن أقرانه. لم يكن مجرد طالب متفوق أو شاب مولع بالكتب، بل صاحب شخصية قيادية مبكرة، حتى إنه لخّص رؤيته للحياة بعبارته الشهيرة: "هناك فريقان من الأطفال؛ فريق يقول: أنا مع مَن، وفريق يقول: مَن معي". وكأنه كان يعلن منذ صباه أنه خُلق ليقود لا ليُقاد.
درس المحاسبة والعلوم الإدارية في جامعة النجاح الوطنية، لكنه وجد نفسه في ميدان الفكر والعمل الإسلامي أكثر من أي وظيفة تقليدية. أسس الكتلة الإسلامية في الجامعة، وتحول سريعا إلى أحد أبرز وجوه الحركة الإسلامية في نابلس، حتى إن الحاكم العسكري الإسرائيلي وصفه ذات مرة بـ"الخليفة"، بعدما وجد بحوزته ملفات وكتبا تتحدث عن قضايا الأمة وأزماتها وتاريخها.
كان يؤمن بأن الإنسان المقاوم لا يصنعه السلاح وحده، بل تبنيه الفكرة أولا، لذلك ترك عشرات الدراسات والكتابات التي ناقشت التحول الديمقراطي، والاستبداد، والمقاومة، وعلاقة الشعوب بحريتها.
عرف جمال منصور بشغفه الهائل بالقراءة، خصوصا لسيد قطب وحسن البنا، حتى لُقب بـ"سيد قطب فلسطين". كان يرى أن الفكر ليس ترفا ثقافيا، بل أداة اشتباك مع الواقع، ولذلك كتب وألقى المحاضرات وشارك في المؤتمرات، متحدثا عن فلسطين بوصفها قضية تحرر لا ملفا سياسيا عابرا.
ولم يكن الرجل خطيبا أو مفكرا منعزلا عن الناس، بل شخصية اجتماعية قريبة من الجميع، يحمل ابتسامة دائمة رغم الاعتقالات والملاحقات ومحاولات الاغتيال. كان يؤمن بأن الإنسان المقاوم لا يصنعه السلاح وحده، بل تبنيه الفكرة أولا، لذلك ترك عشرات الدراسات والكتابات التي ناقشت التحول الديمقراطي، والاستبداد، والمقاومة، وعلاقة الشعوب بحريتها.
وفي ظهر الحادي والثلاثين من تموز/ يوليو 2001، استهدفته طائرات الاحتلال داخل مكتب المركز الفلسطيني للدراسات في نابلس. ارتقى جمال منصور مع رفيقه جمال سليم وعدد من مرافقيهما، لكن الرجل الذي عاش حياته مؤمنا بقوة الفكرة، ترك خلفه إرثا بقي حاضرا في ذاكرة المدينة والشارع الفلسطيني.
جمال سليم.. الخطيب الذي حمل فلسطين إلى المنابر
كان جمال سليم يشبه نابلس في هدوئها الظاهر واشتغال النار في أعماقها. وُلد عام 1958 في مخيم عين بيت الماء لعائلة هجّرتها النكبة من قرية الدامون قرب عكا، فحمل منذ طفولته ذاكرة الساحل الفلسطيني المفقود، وعاش تفاصيل اللجوء بكل قسوته.
عرف الطريق إلى المسجد مبكرا، وامتلك قدرة لافتة على الخطابة والتأثير، حتى أصبح واحدا من أبرز خطباء نابلس وأكثرهم حضورا في وجدان الناس. درس الشريعة الإسلامية في الجامعة الأردنية، ثم عاد إلى فلسطين ليعمل إماما ومدرسا ومحاضرا، متنقلا بين المساجد والمدارس والندوات الفكرية.
لم يكن جمال سليم رجل خطاب ديني تقليدي، بل شخصية جمعت بين الثقافة الدينية والفكر السياسي والعمل الاجتماعي. لذلك حضر بقوة في الحياة العامة، وبرز اسمه في لجان التوعية والإصلاح واللجان الوطنية، كما كان من أوائل الملتحقين بحركة "حماس" منذ تأسيسها أواخر الثمانينيات.
عاش الرجل سنوات طويلة بين السجون والمنافي. اعتُقل مرات عديدة لدى الاحتلال، وأبعد إلى مرج الزهور جنوب لبنان عام 1992، وهناك لمع نجمه أكثر، بعدما تحول المبعدون الفلسطينيون إلى صورة مكثفة عن التمسك بالوطن والهوية. كان سليم من الوجوه الأبرز بين المبعدين، يتحدث باسمهم ويعبر عن معاناتهم وآمالهم.
امتلك جمال سليم حضورا إنسانيا لافتا؛ ابتسامة دائمة، وصوتا هادئا، وقدرة على مخاطبة الناس بلغة بسيطة وعميقة في آن واحد. لذلك لم يكن غريبا أن يتحول إلى رمز شعبي في نابلس، وأن يلتف الناس حوله بوصفه خطيبا ومفكرا وقائدا ميدانيا في الوقت نفسه.
وفي كتاباته وخطبه، ظل حاضرا بقوة هاجس اللاجئين وحق العودة. كان يرى أن فلسطين ليست مجرد حدود سياسية، بل حكاية شعب اقتُلع من أرضه، ولذلك رفض كل مشاريع التنازل أو الحلول الجزئية التي تنتقص من حق الفلسطينيين التاريخي.
امتلك جمال سليم حضورا إنسانيا لافتا؛ ابتسامة دائمة، وصوتا هادئا، وقدرة على مخاطبة الناس بلغة بسيطة وعميقة في آن واحد. لذلك لم يكن غريبا أن يتحول إلى رمز شعبي في نابلس، وأن يلتف الناس حوله بوصفه خطيبا ومفكرا وقائدا ميدانيا في الوقت نفسه.
وفي اليوم ذاته الذي اغتيل فيه جمال منصور، ارتقى جمال سليم تحت القصف الإسرائيلي نفسه، وكأن الاحتلال أراد أن يطفئ بصاروخ واحد صوتين شكّلا جزءا مهما من المشهد الفكري والسياسي في المدينة.
قبل أيام قليلة من اغتيال الجمالين، كانت نابلس على موعد مع وداع آخر. ففي الخامس والعشرين من تموز/ يوليو 2001، اغتالت قوات الاحتلال القيادي في كتائب القسام صلاح الدين دروزة، بعدما استهدفت سيارته في شارع حيفا غرب المدينة.
وُلد دروزة في بيت عُرف بالتدين والعمل العام، وترعرع في نابلس التي كانت تعيش آنذاك على إيقاع الانتفاضات والملاحقات والاعتقالات. درس الأحياء في جامعة القدس بأبو ديس، لكنه انخرط مبكرا في العمل المقاوم، حتى أصبح واحدا من أبرز وجوه "حماس" في المدينة.
لم يكن صلاح الدين دروزة خطيبا جماهيريا مثل جمال سليم، ولا مفكرا صاحب مؤلفات واسعة مثل جمال منصور، لكنه امتلك حضورا هادئا وعميقا داخل الأطر التنظيمية والميدانية. عرفه رفاقه بحدسه العالي، وقدرته على بناء العلاقات، وروحه التوفيقية التي جعلته مقبولا لدى مختلف القوى والفصائل.
حين اغتالته الطائرات الإسرائيلية، تناثر جسده في شارع حيفا، أكثر شوارع نابلس ازدحاما، لكن صورته بقيت حاضرة بوصفه واحدا من رجال الظل الذين صنعوا أثرهم بعيدا عن الأضواء. وكأن المدينة التي فقدت أبناءها الثلاثة في أسبوع واحد، كانت تدرك أن الاحتلال وإن استطاع قتل الجسد، فإنه يعجز عن اغتيال الحكاية.
اعتُقل مرات عديدة في سجون الاحتلال، وأُبعد إلى مرج الزهور، حيث لعب دورا بارزا في العمل الإعلامي والاجتماعي بين المبعدين. كما عرف داخل السجون بصلابته أمام التحقيق والتعذيب، وبعناده الشديد في مواجهة السجان.
وخلال انتفاضة الأقصى، برز اسمه أكثر في العمل الميداني والتنسيق بين القوى الوطنية والإسلامية في نابلس، فكان أحد الوجوه التي حاولت الحفاظ على وحدة الميدان الفلسطيني في ذروة المواجهة.
حين اغتالته الطائرات الإسرائيلية، تناثر جسده في شارع حيفا، أكثر شوارع نابلس ازدحاما، لكن صورته بقيت حاضرة بوصفه واحدا من رجال الظل الذين صنعوا أثرهم بعيدا عن الأضواء. وكأن المدينة التي فقدت أبناءها الثلاثة في أسبوع واحد، كانت تدرك أن الاحتلال وإن استطاع قتل الجسد، فإنه يعجز عن اغتيال الحكاية.
هكذا بقي الجمالان وصلاح الدين دروزة جزءا من الذاكرة الفلسطينية؛ ثلاثة وجوه خرجت من أزقة المخيمات ومساجد نابلس وقاعات الجامعات، لتكتب أسماءها في سيرة مدينة لم تتوقف يوما عن إنجاب رجالها.