الناجون المثقلون بالفقد
12 مايو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
كنا نعيش حياة سعيدة وردية، نملؤها بأحاديث المساء وضحكات الصباح. نلتقي بأحبّتنا دون خوف من المسافات، نمشي في الطرقات بلا أن نرفع رؤوسنا إلى السماء خشية من صوت يهوي. كانت الحياة بسيطة خفيفة، تشبه كوب الشاي في بيت الأهل، وتشبه ضحكة صديقة تقول "غدا نلتقي"، لكن الغد لم يأتِ.
جاءت الحرب بدلا منه، تحمل رائحة البارود وصوت الانفجارات، وتسرق منّا ما لم نظن أنه يمكن أن يُسرق: الطمأنينة. أصبحنا نحسب أنفاسنا بين قصف وآخر، نحتمي بالجدران التي ترتجف مثلنا، ونحاول أن نقنع أنفسنا أن "كل شيء سيعود كما كان". لكن الحرب لا تعيد شيئا، إنها تمحو، وتتركنا نحاول الكتابة على الورق المحروق.
نحاول أن نلتمس آثارهم في كل شيء: نشمشم أغراضهم، نضم ملابسهم، نضع وجوهنا على وسادتهم كأننا نستعيد أنفاسهم. نفتح محادثات الشات ونقرأ كلماتهم، نكتب لهم لعلهم يردون، لكن الحقيقة واضحة، وأنت حتى الآن لا تصدقها.
تفقدُ أمّا، وتفقدُ أخا، وتفقدُ صديقا كان يملأ الدنيا صخبا، ثم تفقد نفسك دون أن تدري متى. لا أحد يخبرك أن الفقد لا يحدث في لحظة واحدة، بل في كل لحظة تمرّ بعد الغياب. لقد تركوا فينا فراغا كبيرا.
نحاول أن نتعايش ونتصابر طوال النهار ونلهي أنفسنا بمشقات الحياة، ولكن عندما يأتي الليل، يأتي ما نخشاه: الأرق، الاشتياق، والوجع الذي لا صوت له. نحاول أن نلتمس آثارهم في كل شيء: نشمشم أغراضهم، نضم ملابسهم، نضع وجوهنا على وسادتهم كأننا نستعيد أنفاسهم. نفتح محادثات الشات ونقرأ كلماتهم، نكتب لهم لعلهم يردون، لكن الحقيقة واضحة، وأنت حتى الآن لا تصدقها. تقول لنفسك: ربما كان كل هذا كابوسا وسأستيقظ، لكنك مستيقظ فعلا والواقع أكثر قسوة من الحلم.
نحاول أن نضحك كي لا نشعر بالذنب، ونحاول أن نبكي كي لا نختنق، لكن حتى البكاء يصبح صعبا بعد وقت، كأن الدموع أصبحت ثقيلة لا تُسقط إلا بالقوة. ومع ذلك، ثمة شيء لا يموت فينا: إرادة الحياة.
بعد الحرب، تصبح الحياة امتحانا طويلا في التعايش، ننهض كل صباح ونرتدي وجوها صلبة لنمشي بين الناس، لكن داخلنا طفل صغير يبكي من الخوف والاشتياق. نحاول أن نبني من جديد، لكن كل حجر نضعه في الجدار يذكّرنا بحجر آخر على قبر من نحب. نحاول أن نضحك كي لا نشعر بالذنب، ونحاول أن نبكي كي لا نختنق، لكن حتى البكاء يصبح صعبا بعد وقت، كأن الدموع أصبحت ثقيلة لا تُسقط إلا بالقوة. ومع ذلك، ثمة شيء لا يموت فينا: إرادة الحياة.
ربما سنعيش، لكننا لن نكون كما كنّا. سنبني بيوتا جديدة وجدرانا جديدة، لكن قلوبنا ستبقى تسكن بيوت من رحلوا. سنحمل أسماءهم في صدورنا، نصحو بهم، وننام على ذكراهم، ونحاول كل يوم أن نقنع أنفسنا أن النجاة أيضا شكل من أشكال الفقد. نعم، نحن نكمل الطريق لا لأننا تجاوزناهم، بل لأنهم يعيشون فينا. نضحك فنسمع أصواتهم في ضحكتنا، ونكتب فنكتب عنهم، ونزرع في كل كلمة أملا صغيرا أن غدًا قد يكون أخفّ من اليوم. هكذا نتعايش بعد الحرب: لا ننسى، ولا نتجاوز، لكننا نتعلم كيف نحمل أرواحهم معنا في كل خطوة، حتى نصبح نحن امتدادا لهم في الحياة.