كفر قدوم الثائرة.. قرية على خط المواجهة اليومية
11 مايو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
كفر قدوم؛ قرية فلسطينية قديمة، تُرجح المراجع التاريخية أنها سُكنت منذ العصر الكنعاني، بسبب خصوبة أراضيها ووفرة مياهها. وتشير الآثار المنتشرة في تربيتها وصخورها، إلى وجود نشاط بشري فيها خلال العهود الرومانية والبيزنطية والإسلامية وصولًا إلى العهد العثماني.
وأورد المؤرخ مصطفى مراد الدباغ في كتابه بلادنا فلسطين أسماء عدد من الخرب والمواقع الأثرية المحيطة بالقرية، مثل خربة الدالية وبيت سلوم، باعتبارها شواهد على قِدم الاستيطان البشري في المنطقة وامتداد تاريخها لآلاف السنين. وما تحتويه من آثار وصهاريج ومدافن قديمة، بما يدل على قِدم الاستيطان البشري فيها.
يتداول أهالي القرية رواية تقول إن نبي الله إبراهيم عليه السلام اختتن فيها بالقدوم، الذي نُسب اسم القرية إليها، وتضم مقام يُعرف باسم مقام الخليل مرتبط بهذه الرواية.
بعد احتلال الضفة الغربية، بدأ إنشاء مستوطنة قدوميم على أراضي قرية كفر قدوم، كجزء من خطة لاستيطان الضفة والسيطرة عليها وخاصة المناطق المرتفعة، ضمن مشروع استيطان "يهودا والسامرة"، الأمر الذي يمنح الاحتلال تفوقًا على الأرض وقدرة أكبر على المراقبة والسيطرة الأمنية، وجعل من التوسع الاستيطاني أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية المحيطة.
تقع قرية كفر قدوم في محافظة قلقيلية في الضفة الغربية، وتقع معظم أراضيها في المنطقة (ج) التي تخضع لسيطرة كاملة من الاحتلال بموجب تقسيمات اتفاقية أوسلو للمناطق الفلسطينية في الضفة الغربية. في عام 1975 شرعت حركة غوش إيمونيم (وهي حركة استيطانية دينية، ويعني اسمها كتلة المؤمنين، وتعمل على السيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة، وترى في الاستيطان واجب عقائدي). بإنشاء نواة مستوطنة قدوميم على أراضي قرية كفر قدوم أساسًا قرى جيت وإماتين، وتُعتبر قدوميم من أوائل المستوطنات الأيديولوجية التي أسستها غوش إيمونيم.
وفي عام 2003 وأثناء انتفاضة الأقصى، أغلقت سلطات الاحتلال الطريق الرئيسي المؤدي لقرية كفر قدوم والذي يربطها بالشارع الرئيسي الذي يصل محافظة قلقيلية بمدينة نابلس؛ بحجة حماية المستوطنين الذي يستخدمون تلك الطريق لدخول المستوطنة
ومع نهاية سبعينيات القرن الماضي وخلال ثمانينياته، شهدت المستوطنة توسعًا متسارعًا ومنظمًا، تمثل في إنشاء أحياء وبؤر استيطانية جديدة وربطها بشبكة من الطرق الالتفافية، بالتوازي مع إصدار أوامر عسكرية لمصادرة مزيد من أراضي كفر قدوم وتصنيفها ضمن ما يُعرف بأراضي الدولة.
مع اقتراب نهاية الألفية الثانية أقيمت مناطق عازلة مغلقة حول المستوطنة على حساب أراضي القرى الفلسطينية التابعة لمحافظة قلقيلية، كفر قدوم وغيرها، مُنع الفلسطينيين من الاقتراب منها.
وفي عام 2003 وأثناء انتفاضة الأقصى، أغلقت سلطات الاحتلال الطريق الرئيسي المؤدي لقرية كفر قدوم والذي يربطها بالشارع الرئيسي الذي يصل محافظة قلقيلية بمدينة نابلس؛ بحجة حماية المستوطنين الذي يستخدمون تلك الطريق لدخول المستوطنة، ما أدى لعزل القرية عن محيطها الفلسطيني وقيد حركة سكانها، ودفع بأهلها لسلوك طرق طويلة ووعرة للخروج من القرية، في الوقت الذي يشهدون فيه المستوطنة تتوسع فوق أراضيهم، وتُشق لها الطرق، وتُوصل لها الخدمات، ومستوطنيها يسلكون طريقهم.
لم تتوقف مصادرة الأراضي في أي مرحلة من المراحل منذ إنشاء البؤرة الاستيطانية الأولى فوق أراضي قرية كفر قدوم؛ بل استمرت عمليات السيطرة على عشرات الدونمات لبناء أحياء استيطانية جديدة تُضاف للمستوطنة أو لتوسيع بؤر قائمة أو إنشاء بؤر استيطانية جديدة تُشرعن لاحقًا وتُربط بالمستوطنة الأم وتتحول إلى امتداد توسعي لها؛ ما أدى إلى تقليص المساحات الزراعية في القرية.
يُمنع المزارعون من الوصول إلى أراضيهم عبر إغلاق البوابات والطرق الزراعية أو إعلان بعض المناطق مناطق عسكرية، الأمر الذي يحرمهم من استثمار أراضيهم لفترات طويلة. ولا تقتصر الانتهاكات على الأرض فقط، بل تمتد إلى الاعتداء على السكان أثناء عملهم الزراعي، من خلال رشقهم بالحجارة أو مضايقتهم وإجبارهم على مغادرة أراضيهم بالقوة.
إضافة إلى ذلك، تستهدف اعتداءات المستوطنين الأراضي الزراعية التابعة لقرية كفر قدوم، لا سيما المزروعة بأشجار الزيتون التي تُعد مصدر دخل رئيسي للأهالي، وذلك عبر ممارسات ميدانية متكررة تتركز غالبًا في المناطق المحاذية للمستوطنة. تشمل الاعتداءات اقتلاع الأشجار وتكسيرها، وإحراق الحقول المزروعة بالمحاصيل الموسمية كالقمح والخضروات، خاصة خلال مواسم القطاف أو قبيلها، بما يُلحق أضرارًا مباشرة بالتربة والمحاصيل. كما يُمنع المزارعون من الوصول إلى أراضيهم عبر إغلاق البوابات والطرق الزراعية أو إعلان بعض المناطق مناطق عسكرية، الأمر الذي يحرمهم من استثمار أراضيهم لفترات طويلة. ولا تقتصر الانتهاكات على الأرض فقط، بل تمتد إلى الاعتداء على السكان أثناء عملهم الزراعي، من خلال رشقهم بالحجارة أو مضايقتهم وإجبارهم على مغادرة أراضيهم بالقوة.
وهذه الممارسات لا تؤثر فقط على الأرض، بل تمتد إلى الوضع الاقتصادي والمعيشي لأهالي القرية بشكل مباشر.
أدرك أهالي كفر قدوم أن إغلاق الطريق الرئيسي لم يعد مجرد إجراء أمني مؤقت، بل جزء من سياسة طويلة الأمد تهدف إلى إعادة تشكيل الجغرافيا بما يخدم توسع مستوطنة قدوميم، ويُحكم السيطرة على أراضي القرية. ففي عام 2011 تحولت المطالبة بفتح الطريق من شكوى مطلبية إلى حراك شعبي منظم، تمثل في مسيرات أسبوعية انطلقت احتجاجًا على الإغلاق والسياسات الاستيطانية المتصاعدة.
واجه الاحتلال المسيرات الشعبية الأسبوعية بالغاز المسيل للدموع والرصاص المعدني وأحيانًا بالرصاص الحي، الأمر الذي تسبب بوقوع إصابات وارتقاء شهداء.
أدى عزل القرية وفرض القيود عليها إلى أضرار اقتصادية واجتماعية واسعة انعكست بشكل مباشر على حياة الأهالي، وتأثرت حركة التجارة والتنقل والتعليم والعمل، وفرضت على السكان ضغوطًا يومية مستمرة أثقلت تفاصيل حياتهم اليومية.
كما أخذت قوات الاحتلال تنفذ مداهمات ليلية متكررة للقرية، وعمليات اعتقال واستجواب، خصوصًا بين الشبان والأطفال، وغالبًا ما يحدث ذلك بعد أيام الاحتجاجات.
أدى عزل القرية وفرض القيود عليها إلى أضرار اقتصادية واجتماعية واسعة انعكست بشكل مباشر على حياة الأهالي، وتأثرت حركة التجارة والتنقل والتعليم والعمل، وفرضت على السكان ضغوطًا يومية مستمرة أثقلت تفاصيل حياتهم اليومية.
ومع استمرار المواجهات، تحولت كفر قدوم إلى نموذج لقرية تعيش حالة اشتباك يومية، تتداخل فيها تفاصيل الحياة العادية مع المقاومة الشعبية المتواصلة، في مشهد دائم من التحدي والصمود.