كيف انهارت الأسطورة الإسرائيلية في الوعي الأمريكي؟
11 مايو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
حين هدأت أصوات الصواريخ قليلا، وبدأ غبار الحرب ينقشع عن سماء الشرق الأوسط، لم يكن المشهد يشبه ما اعتاده العالم طوال العقود الماضية. شيء عميق انكسر في الوعي الغربي، وخصوصا الأمريكي، تجاه إسرائيل؛ ليس فقط بوصفها حليفا استراتيجيا للولايات المتحدة، بل باعتبارها أيضا صورة أخلاقية وثقافية نسجتها السينما واللاهوت والسياسة معا، ثم جرى تثبيتها طويلا في المخيلة الأمريكية باعتبارها "داود" الصغير المحاصر في مواجهة "جالوت" العربي الهائل. غير أن السنوات الأخيرة، والحرب على غزة تحديدا، دفعت هذه الرواية إلى حافة الانهيار، حتى بات كثير من الأمريكيين ينظرون إلى إسرائيل بوصفها القوة الطاغية التي تمتلك فائض القوة والحماية والحصانة، بينما تتآكل صورة الولايات المتحدة نفسها وهي تواصل الدفاع عنها في المحافل الدولية.
تحولات الوعي الأمريكي تجاه إسرائيل
لم تعد المسألة مجرد اختلاف سياسي حول الشرق الأوسط، بل تحولت إلى سؤال أخلاقي وثقافي يضرب عصب الهوية الأمريكية ذاتها. ففي الداخل الإسرائيلي، ارتفعت أصوات تتحدث علانية عن أن تل أبيب باتت رهينة لإرادة البيت الأبيض، أو أداة تتحرك ضمن حساباته الكبرى، فيما يرى قطاع واسع من الأمريكيين العكس تماما: أن واشنطن نفسها أصبحت أسيرة للإرادة الإسرائيلية، تدفع أثمان سياساتها من سمعتها الدولية ومن تماسكها الداخلي. وبين الروايتين تتشكل حقيقة أكثر تعقيدا؛ علاقة اندماج عميقة لم تصنعها المصالح وحدها، بل نسجتها عقود طويلة من الخطاب الديني والسينمائي والأسطوري الذي منح إسرائيل مكانة تتجاوز السياسة إلى حيز "التدبير الإلهي".
لم يعد الإسرائيلي في المخيلة الشابة ذلك الفلاح المؤمن المحاط بالأعداء، ولا الجندي الذي يقاتل دفاعا عن وجوده فوق أرض قاحلة، بل صار يمثل، لدى قطاع متزايد من الأمريكيين، صورة الدولة المسلحة بلا حدود أخلاقية، المدعومة بأحدث آلات الحرب، والتي تمارس تفوقها العسكري وسط صمت دولي أمريكي متواطئ.
التحول الجاري اليوم لا يمكن فهمه بعيدا عن انهيار تلك الصورة المؤسسة. فالأجيال الأمريكية الجديدة، التي لم تعش أجواء الحرب الباردة ولا إرث المحرقة بوصفه حدثا حيا، تنظر إلى المشهد بعين مختلفة تماما. لم يعد الإسرائيلي في المخيلة الشابة ذلك الفلاح المؤمن المحاط بالأعداء، ولا الجندي الذي يقاتل دفاعا عن وجوده فوق أرض قاحلة، بل صار يمثل، لدى قطاع متزايد من الأمريكيين، صورة الدولة المسلحة بلا حدود أخلاقية، المدعومة بأحدث آلات الحرب، والتي تمارس تفوقها العسكري وسط صمت دولي أمريكي متواطئ. لذلك لم يكن مفاجئا أن تكشف استطلاعات الرأي الأخيرة عن تعاطف غير مسبوق لدى الشباب الأمريكي مع الفلسطينيين، في انقلاب تاريخي على سردية راسخة هيمنت على الوعي الغربي لعقود.
هوليوود وصناعة الخلاص التوراتي
لكن هذه السردية لم تولد في أروقة السياسة وحدها، بل خرجت أساسا من الشاشة. هناك، في قلب السينما الأمريكية ذات النزعة الإنجيلية، أعيد إنتاج الحكاية التوراتية بوصفها تفسيرا معاصرا للصراعات الدولية. منذ خمسينيات القرن الماضي، ظهرت إسرائيل في الأفلام الأمريكية كامتداد مباشر للرحلة البروتستانتية إلى "العالم الجديد"، حيث المستوطن المؤمن يشق طريقه وسط البرية محاطا بالأعداء "الهمجيين". كانت الحكاية ذاتها التي رافقت الاستيطان الأوروبي في أمريكا: الأرض الخالية، الرجل الأبيض، والشعوب الأصلية التي يجب إزاحتها من المشهد. وهكذا جرى إسقاط النموذج الأمريكي القديم على فلسطين، فصار الفلسطيني يؤدي دور "الكنعاني" أو "الهندي الأحمر" في المخيال البصري الغربي، بينما احتل الإسرائيلي موقع المستوطن المؤمن الذي ينفذ وعدا إلهيا.
وفي ذروة الحرب الباردة، حين كانت الولايات المتحدة تبحث عن معنى روحي لمواجهتها مع الاتحاد السوفياتي، جرى تصوير الصراع بوصفه معركة بين الإيمان والإلحاد، بين موسى وفرعون، بين داود وجالوت.
تدريجيا، تحولت هوليوود والسينما الإنجيلية إلى ما يشبه المؤسسة اللاهوتية الضخمة التي تعيد إنتاج إسرائيل أخلاقيا وروحيا داخل الوعي الأمريكي. أفلام مثل "الوصايا العشر" و"الخروج" لم تكن مجرد أعمال فنية، بل بيانات أيديولوجية ضخمة تربط بين الحرية الأمريكية والإرث التوراتي اليهودي، وتضع إسرائيل داخل سردية مقدسة تتجاوز النقد والمساءلة. وفي ذروة الحرب الباردة، حين كانت الولايات المتحدة تبحث عن معنى روحي لمواجهتها مع الاتحاد السوفياتي، جرى تصوير الصراع بوصفه معركة بين الإيمان والإلحاد، بين موسى وفرعون، بين داود وجالوت. وفي هذا السياق، ظهرت إسرائيل باعتبارها الحليف الطبيعي للعالم المسيحي الغربي في مواجهة "الشر" المعاصر.

غير أن المعضلة التي تواجه إسرائيل اليوم تكمن في أن الصورة التي صنعتها السينما طوال عقود لم تعد قادرة على الصمود أمام مشاهد الحرب الحية. فالعالم الذي يشاهد الدمار في غزة لحظة بلحظة عبر الهواتف والشاشات لم يعد يتلقى الرواية عبر الفلتر السينمائي القديم. لقد تبدلت اللغة البصرية نفسها؛ لم تعد الكاميرا تمنح إسرائيل دور الضحية النبيلة، بل تكشفها بوصفها قوة فائقة البطش، فيما يظهر الفلسطيني، مرة أخرى، أعزل تقريبا أمام آلة الحرب. وهنا تحديدا تنقلب الأسطورة على أصحابها: داود القديم يتحول تدريجيا إلى جالوت جديد، فيما يبدأ الفلسطيني باحتلال موقع الضحية الرمزية في الوعي العالمي.
يبدو أن العالم يشهد النهاية البطيئة لصورة صاغتها السينما واللاهوت والسياسة معا على مدى أكثر من سبعين عاما. صورة "داود" الذي يقف وحيدا في مواجهة العملاق تتلاشى شيئا فشيئا، لتحل محلها صورة أخرى أكثر قسوة: قوة مفرطة لا ترى حدودا لعنفها، ولا تدرك أن الأساطير، مثل الإمبراطوريات، تبدأ بالانهيار حين تصدق نفسها أكثر مما ينبغي
هذا التحول لا يعني فقط تراجع التأييد السياسي لإسرائيل، بل يشير إلى تصدع عميق في البنية الثقافية التي حمتها طويلا داخل الغرب. فحين تفقد الأسطورة قدرتها على الإقناع، تصبح السياسة أكثر هشاشة، وتبدأ الأسئلة المؤجلة بالظهور: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في دفع كلفة هذا التحالف؟ وكيف يمكن لواشنطن أن تقدم نفسها بوصفها حامية للقانون الدولي فيما تواصل توفير الغطاء الكامل لإسرائيل؟ والأهم من ذلك كله: ماذا يحدث عندما تنهار الحكاية المؤسسة التي جعلت من إسرائيل رمزا أخلاقيا داخل المخيلة الغربية؟
في هذه اللحظة التاريخية يبدو أن العالم يشهد النهاية البطيئة لصورة صاغتها السينما واللاهوت والسياسة معا على مدى أكثر من سبعين عاما. صورة "داود" الذي يقف وحيدا في مواجهة العملاق تتلاشى شيئا فشيئا، لتحل محلها صورة أخرى أكثر قسوة: قوة مفرطة لا ترى حدودا لعنفها، ولا تدرك أن الأساطير، مثل الإمبراطوريات، تبدأ بالانهيار حين تصدق نفسها أكثر مما ينبغي.