الاستيطان الزاحف… كيف تتغير ملامح القرى الفلسطينية في شمال الضفة؟
11 مايو 2026
انشر الخبر على منصتك المفضلة
في ساعات المساء الهادئة، حين تنسحب الشمس ببطء عن سفوح التلال شمال نابلس، تبدو قرية بيت أمرين كأنها تحاول أن تتشبث بإيقاع حياة طبيعي لم يعد متاحا بالكامل. أبواب البيوت هناك لا تُغلق فقط اتقاء لبرودة الليل، بل خوفا من طرقات مفاجئة قد تأتي من جهة البؤر الاستيطانية المنتشرة على قمم الجبال المحيطة. أما النوافذ، فقد تحولت لدى كثير من السكان من منافذ للضوء والهواء إلى نقاط مراقبة دائمة، يطلّ منها الأهالي بقلق مترقبين أي حركة قد تنذر باعتداء جديد.

في هذه القرية الواقعة شمال الضفة الغربية المحتلة، لم تعد الحياة اليومية شأنا عاديا يُقاس بمواعيد العمل أو المواسم الزراعية، بل أصبحت مرتبطة بدرجة الخطر المحيط بالسكان، وبقدرتهم على الصمود في وجه واقع أمني واجتماعي يزداد قسوة. فاعتداءات المستوطنين، بحسب روايات الأهالي، لم تعد حوادث متفرقة أو طارئة، وإنما تحولت إلى نمط دائم يعيد تشكيل المكان والنفوس معا.
هذا التحول من البيت إلى الحصن، يكشف طبيعة التأثير النفسي العميق الذي تتركه الاعتداءات المتكررة على السكان. فالمسألة لم تعد مقتصرة على خسائر مادية أو أضرار آنية، بل أصبحت ترتبط بإعادة تشكيل السلوك اليومي للفلسطينيين
منزل المواطن صادق الفقيه يقدم صورة مكثفة لهذا التحول العنيف في طبيعة الحياة الفلسطينية. البيت الذي يُفترض أن يكون مساحة للأمان العائلي، بات أشبه بمنشأة محصنة. الجدران العالية، الأبواب الحديدية، والحذر الذي يرافق دخول الزوار، كلها تفاصيل تعكس حجم الخوف الذي تسلل إلى الحياة الخاصة للسكان. حين يصف الرجل منزله بأنه "سجن كبير"، فهو لا يستخدم استعارة بلاغية فحسب، بل يختصر شعورا عاما يتكرر في كثير من القرى الفلسطينية المحاذية للمستوطنات والبؤر الرعوية.
هذا التحول من البيت إلى الحصن، يكشف طبيعة التأثير النفسي العميق الذي تتركه الاعتداءات المتكررة على السكان. فالمسألة لم تعد مقتصرة على خسائر مادية أو أضرار آنية، بل أصبحت ترتبط بإعادة تشكيل السلوك اليومي للفلسطينيين، وإجبارهم على العيش داخل حالة استنفار دائم. حتى التفاصيل الصغيرة، كاستقبال الضيوف أو خروج الأطفال إلى محيط المنزل، باتت محكومة بحسابات الخوف والاحتياط.
بين فقدان الأمان وتآكل مصادر الرزق

في بيت أمرين ومحيطها، لا ينظر السكان إلى ما يحدث باعتباره أزمة مؤقتة، بل جزءا من مسار طويل يهدف إلى فرض سيطرة تدريجية على الأرض ودفع الفلسطينيين نحو مزيد من الانكماش داخل مساحات ضيقة ومعزولة.