عمال فلسطين في الداخل: لقمة العيش تحت سطوة المنع والقهر
8 مايو 2026
مع انبلاج الفجر على أحد الطرق الالتفافية، توقّفت شاحنة تُخفي في جوفها حكاية اختناق يومي؛ رجال تكدّسوا بحثا عن لقمة تصون بيوتهممن العوز. كانوا عمّالا فلسطينيين يسيرون في مسار صار على قسوته شرطا للبقاء. لكن ضوءا اخترق عتمة الشاحنة، كاشفا لعالم يُضيّق عليهم منافذ الرزق، ثم يُدينهم حين يحاولون اختراقه.

لطالما شكّل العمل داخل إسرائيل ركيزة أساسية لاقتصاد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. ففي ظل اقتصاد مُقيَّد، وأجور متدنية، وبطالة مرتفعة، كانت أسواق العمل الإسرائيلية -وخاصة في قطاعي البناء والزراعة- توفّر متنفسا ماليا ينعكس مباشرة على الحياة اليومية في المدن والقرى الفلسطينية. قبل السابع من أكتوبر 2023، ضخّ هؤلاء العمال مئات ملايين الدولارات شهريا في الأسواق المحلية، وفي بعض المناطق كانت الغالبية الساحقة من الرجال تعتمد على هذا المصدر شبه الوحيد للدخل.
غير أن هذا الواقع لم يكن يوما مستقرا أو محايدا؛ بل كان جزءا من منظومة أوسع تُعرف بـ"الإدماج المُقيَّد"، حيث يُسمح للفلسطيني بالعمل، لكن بشروط تُبقيه في موقع التبعية. فالتصاريح تُمنح وتُسحب وفق اعتبارات أمنية وسياسية، والعمال يُحصرون في قطاعات منخفضة الأجر، دون حماية حقيقية من الاستغلال أو ضمان للاستمرارية. هكذا، يصبح العمل امتيازا هشا، لا حقا ثابتا.
اليوم، يبدو أن الكفّة تميل مجددا نحو الاستبعاد. فبدلا من العمال الفلسطينيين، يجري استقدام عشرات الآلاف من العمال من دول آسيوية، في إطار سياسات تُخفّف القيود التنظيمية وتُلقي بكلفة العمل على الفئات الأضعف.
بعد السابع من أكتوبر، انقلب هذا التوازن الهشّ رأسا على عقب. فقد مُنع أكثر من 200 ألف عامل فلسطيني من دخول إسرائيل، بمن فيهم عشرات الآلاف من حاملي التصاريح. وبين ليلة وضحاها، وجدت عائلات كاملة نفسها بلا مصدر دخل. لم يكن الأمر مجرد قرار أمني، بل تحوّلا بنيويا في سياسة العمل، استُخدمت فيه الحرب كغطاء لإعادة تشكيل سوق العمل على نحو يُقصي الفلسطينيين ويستبدلهم بعمالة مهاجرة.
هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، بل يستند إلى تاريخ طويل من التذبذب بين الحاجة الاقتصادية للعمال الفلسطينيين والرغبة السياسية في تقليص حضورهم. فمنذ الانتفاضة الأولى، بدأت إسرائيل بتوسيع استقدام العمال الأجانب، في محاولة لتقليل الاعتماد على الفلسطينيين. ومع كل أزمة سياسية أو أمنية، كانت هذه السياسة تتسارع، قبل أن تعود وتتراجع تحت ضغط الحاجة الاقتصادية.
اليوم، يبدو أن الكفّة تميل مجددا نحو الاستبعاد. فبدلا من العمال الفلسطينيين، يجري استقدام عشرات الآلاف من العمال من دول آسيوية، في إطار سياسات تُخفّف القيود التنظيمية وتُلقي بكلفة العمل على الفئات الأضعف. غير أن هذا الاستبدال لا يحلّ الإشكال بقدر ما يعيد إنتاجه بصيغة أخرى، حيث يُستقدم العمال المهاجرون في ظروف هشّة، تُقيّد حركتهم وتربطهم بأصحاب العمل، على نحو يُشبه أنظمة "الكفالة".

أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن تداعيات هذا التحوّل تتجاوز فقدان الوظائف إلى ما هو أعمق: تآكل القدرة على الصمود الاقتصادي. فمع غياب البدائل المحلية، وتقييد الحركة، واستمرار السيطرة على الموارد، يجد العمال أنفسهم أمام خيارات محدودة، قد تصل إلى المخاطرة بالعمل دون تصاريح، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر الاعتقال والانتهاك.
ورغم أن هذا التحوّل يبدو حادا، إلا أنه لا يزال مفتوحا على احتمالات التراجع. فالتاريخ يُظهر أن سوق العمل الإسرائيلي يتأرجح بين الاستبعاد والاستيعاب، وفقا للظروف السياسية والاقتصادية.
في هذا السياق، لا يمكن فصل السياسات الاقتصادية عن أهدافها السياسية. فإضعاف الاقتصاد الفلسطيني لا يُقرأ فقط كأثر جانبي، بل كأداة ضغط تُقوّض الاستقلالية وتُعيد تشكيل العلاقة بين الفلسطيني وأرضه. إذ حين يُحرَم العامل من مصدر رزقه، لا يفقد دخله فقط، بل يُدفع تدريجيا نحو هامش أضيق من القدرة على البقاء.
ورغم أن هذا التحوّل يبدو حادا، إلا أنه لا يزال مفتوحا على احتمالات التراجع. فالتاريخ يُظهر أن سوق العمل الإسرائيلي يتأرجح بين الاستبعاد والاستيعاب، وفقا للظروف السياسية والاقتصادية. غير أن الثابت في هذا التأرجح هو هشاشة موقع العامل الفلسطيني، الذي يبقى معلقا بين الحاجة إليه والرغبة في إقصائه.
في المحصلة، يكشف واقع العمال الفلسطينيين في الداخل عن بنية معقّدة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية مع الحسابات السياسية، حيث لا يكون العمل مجرد نشاط إنتاجي، بل ساحة للصراع على الوجود.