حيّ البستان في القدس: حين يُجبر الفلسطيني على هدم بيته
6 مايو 2026
في زقاقٍ ضيّق من حيّ البستان في بلدة سلوان، شرق القدس المحتلة، لم يكن صوت المطارق مجرد إيقاعٍ عابرٍ لهدم جدرانٍ إسمنتية، بل كان صدى لانكسارٍ أعمق، يتردّد في صدور عائلاتٍ تُجبر على تفكيك ذاكرتها بأيديها. هناك، وقف عمر أبو رجب، الستيني المثقل بالحزن على فقدان والدته، يراقب أبناءه وأحفاده وهم يهدمون البيت الذي احتضن سنواتٍ من العمر، لا لأنهم يريدون الرحيل، بل لأن البقاء بات أكثر كلفةً من الرحيل ذاته. في تلك اللحظة، لم يكن الهدم خيارا، بل إكراها مموّها بلغة القانون، ومسنودا بآلةٍ بيروقراطية تُحسن إدارة الألم.

ما يجري في حيّ البستان لا يمكن اختزاله في سلسلة أوامر هدم أو مخالفات بناء، بل هو جزء من سياسة متكاملة تعيد تشكيل الحيّز المكاني والديمغرافي في القدس، عبر أدوات تبدو قانونية في ظاهرها، لكنها في جوهرها تعكس اختلالا عميقا في موازين القوة. إذ تعتمد السلطات الإسرائيلية على ذريعة “البناء غير المرخّص” لتبرير عمليات الهدم، في حين تجعل في الوقت ذاته الحصول على هذه التراخيص أمرا شبه مستحيل للفلسطينيين، ما يخلق حلقة مفرغة تُنتج “مخالفة” جاهزة للعقاب.
في هذا السياق، يتحوّل الهدم الذاتي إلى خيارٍ قسري، تتبناه العائلات لتفادي غراماتٍ باهظة قد تمتد آثارها لسنوات طويلة. إنه خيارٌ يُجسّد ما يمكن تسميته بـ”إدارة الإكراه الاقتصادي”، حيث يُدفع الأفراد إلى تنفيذ القرار القسري بأنفسهم، لتقليل الخسائر المادية، ولو على حساب الخسارة الرمزية والمعنوية. هنا، لا يقتصر الفعل على إزالة بناء، بل يمتد ليطال العلاقة الحميمة بين الإنسان ومكانه، حيث يغدو البيت، بما يحمله من ذاكرة وامتداد، عبئا ماليا ينبغي التخلّص منه.
خطورة ما يحدث في البستان تتجاوز الأبعاد الفردية، لتلامس بنية المجتمع ككل. فالحيّ، الذي يضم نحو 1500 فلسطيني، يواجه تهديدا جماعيا بالاقتلاع، في إطار مخطط يستهدف تحويل المنطقة إلى حديقة ترفيهية ذات طابع توراتي.
غير أن خطورة ما يحدث في البستان تتجاوز الأبعاد الفردية، لتلامس بنية المجتمع ككل. فالحيّ، الذي يضم نحو 1500 فلسطيني، يواجه تهديدا جماعيا بالاقتلاع، في إطار مخطط يستهدف تحويل المنطقة إلى حديقة ترفيهية ذات طابع توراتي. هذا التحوّل لا يُقرأ فقط كإعادة توظيف عمراني، بل كإعادة كتابة للفضاء، تُستبدل فيها الحياة اليومية للسكان بروايةٍ سياحية مُسيّسة، تُعزّز حضورا على حساب آخر.

وتندرج هذه السياسة ضمن مشروع أوسع يطال ما يُعرف بـ”حوض البلدة القديمة”، حيث تتقاطع الاعتبارات الأثرية والسياحية مع الأهداف السياسية، في محاولة لإحكام السيطرة على القدس ومحيطها. في هذا الإطار، لا يبدو حيّ البستان حالة استثنائية، بل حلقة في سلسلة تمتد إلى أحياء أخرى مثل بطن الهوى، حيث تتكرّر أنماط التهجير بأدواتٍ مختلفة، لكن بذات الغاية.
اللافت في المرحلة الراهنة هو تسارع وتيرة هذه الإجراءات، خاصة في ظل انشغال المجتمع الدولي بتداعيات الحرب على غزة. إذ تشير المعطيات إلى تصاعد ملحوظ في عمليات الهدم، وتراجع في مستوى الضغط الدولي، ما يمنح السلطات الإسرائيلية هامشا أوسع للمضي في سياساتها دون مساءلة تُذكر. هذا التراجع لا ينعكس فقط على مستوى الأرقام، بل يتجلّى أيضا في شعورٍ متزايد بالعزلة لدى السكان، الذين يجدون أنفسهم وحيدين في مواجهة منظومة كاملة.
في المقابل، تتجلّى آثار هذه السياسات في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يتحوّل القلق إلى حالة دائمة، والخوف إلى رفيقٍ ليلي، كما تصفه بعض العائلات التي تعيش تحت تهديد الهدم في أي لحظة. هنا، لا يعود البيت مجرد مأوى، بل يصبح موقعا هشا، معرّضا للزوال، فيما تتآكل فكرة الاستقرار من أساسها.
أما الهدم الذاتي، الذي يُقدَّم كخيارٍ "أقل ضررا"، فيحمل في طيّاته أبعادا نفسية عميقة، إذ يُجبر الأفراد على المشاركة في فعلٍ يطال وجودهم ذاته.
أما الهدم الذاتي، الذي يُقدَّم كخيارٍ "أقل ضررا"، فيحمل في طيّاته أبعادا نفسية عميقة، إذ يُجبر الأفراد على المشاركة في فعلٍ يطال وجودهم ذاته. وهو ما يصفه بعض النشطاء بـ"المعاناة المزدوجة"، حيث يتقاطع الألم المادي مع الشعور القاسي بالتواطؤ القسري، في مشهدٍ يُخفي الفاعل الحقيقي، ويُحمّل الضحية عبء التنفيذ.
في المحصلة، يكشف ما يجري في حيّ البستان عن نموذجٍ مركّب من السياسات التي تمزج بين القانوني والسياسي، وبين الاقتصادي والنفسي، لإنتاج واقعٍ يُفضي إلى إفراغ المكان من سكّانه الأصليين. إنه ليس مجرد صراع على الأرض، بل صراع على المعنى والذاكرة والوجود.
وبينما تستمر المطارق في هدم الجدران، يبقى السؤال مفتوحا: كم من البيوت يجب أن تُهدم، وكم من الذكريات يجب أن تُمحى، قبل أن يُدرك العالم أن ما يحدث ليس مجرد تنظيمٍ عمراني، بل إعادة هندسة للوجود الإنساني نفسه.